ثقافة المقال

التشريف النبوي في قصار سور القرآن الكريم

د/عبد الوهاب القرش

لاشك أن جميع من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماضي والحاضر، من أهل البوادي والحواضر، من ناظم أو ناثر أو شاعر، يستدل على استحسان مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإطناب فيه والاسترسال في سرده من أجلّ وأتم الأعمال، بما مدح الله سبحانه وتعالى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في قرآنه الكريم.
لقد شرف الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم شرفاً ما بعده مزيد، فجاء الخلق بعد ذلك مقصرين في حقه مهما اجتهدوا، ودون مقامه مهما تفننوا، وقد قال قائلهم:
أرى كلَّ مدحٍ في النبيِ مقصِّراً…وإنْ بالغَ المُثْني عليه وأَكْثَرا
إذا اللهُ أثنى بالذي هو أهلُـه…عليه، فما مقدارُ ما تَمْدَحُ الورى
وقال لسان الدين بن الخطيب:
فماذا عسى يُثني عليك مقصرٌ…ولم يألُ منك الذكرُ مَدْحاً ولا حَمْدا
أي لم يترك القرآن الكريم ولم يغادر أي أسلوب في مدحك والثناء عليك إلاّ استوفاه ومدحك به.
وقال أيضاً:
مَدَحَتْك آياتُ الكتاب فما عسى…يُثني على عُلياك نَظْمُ مديحي
وإذا كتابُ الله أثنى مُفْصِحاً…كان القُصور قُصَارَ كلِ مديحِ
وهانحن أولاء نكحل الأبصار ببعض تشريف الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم في قصار السور القرآن الكريم وقد نقل لنا بعض منها الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره “مفاتيح الغيْب” ، وننقِل هنا بعض ما قاله –رحمه الله:
قال عن سورة “الكوثر”: اعلم أنَّ هذه السورة كالمُتمِّمَة لِمَا قبلها من السوَر، وكالأصل لِمَا بعدها. أمَّا الأول فلأنّه –تعالى- جعلَ سورة “الضحى” في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ثمَّ ختمها بثلاثة أحوال من أحواله فيما يتعلق بالدنيا ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
وفي سورة “الشرح” ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ شَرَّفه بثلاثة أشياء: شَرْح الصدر، ووضْع الوِزْر، ورفْع الذِّكْر. ثمَّ شَرَّفه في سورة “التين” بثلاثة أنواع من التشريف: أقسَمَ ببلده، وأخبر بخلاص أُمَّتهِ من النار بقوله ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ووصولهم إلى الثواب بقوله ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
وشرَّفه في سورة “العلق” بثلاثة أنواع: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقَهَر خصمه بقوله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة﴾، وتخصيصه بالقرب في قوله ﴿واسجد وَاقْتَرِب﴾. وشرَّفه في سورة “القدر” بليلة القدر، وفيها ثلاثة أنواع من الفضيلة: كونها خيراً من ألف شهر، وتنزّل الملائكة والروح فيها، وكونها سلاماً حتى مطلع الفجر.
وشرَّفه في “البيّنة” بالثناء على أُمته، بثلاث: أنهم خير البريّة، وجزاؤهم جنّات، ورضيَ عنهم. وشرَّفه في سورة الزلزلة بثلاثة أنواع: إخبار الأرض بطاعة أُمته، ورؤيتهم أعمالهم، ووصولهم إلى ثوابها حتى وزْن الذرة. وشرَّفه في “العاديات” بإقسامهِ بخيل الغزاة مِن أُمَّته، ووصفها بثلاث صفات.
وشرَّفه في “القارعة” بثقل موازين أُمّته، وأنهم في عيشةٍ راضية، ورؤيتهم أعداءهم في نار حامية. وفي سورة “التكاثر” هدَّد المُعرِضين عن دِينه بثلاثة: يرونَ الجحيم، ثمَّ يرونها عينَ اليقين، ويُسألون عن النعيم. وشرَّفه في سورة “العصر” بمدح أُمتهِ بثلاثة: الإيمان، والعمل الصالح، وإرشاد الخلق إليه، وهو: التواصي بالحق والصبر. وشرَّفه في سورة “الهُمزة” بوعيد عدوِّهِ بثلاثة أنواع من العذاب: ألاَّ ينتفع بدنياه، ويُنبَذ في الحُطَمَة، ويُغلَق عليه.
وشرَّفه في سورة “الفيل” أنْ ردَّ كيد عدوِّه بثلاث: بأنْ جعله في تضليل، وأرسلَ عليهم طيراً أبابيل، وجعلهم كعصفٍ مأكول. وشرَّفه في سورة قريش بأنْ راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه: تآلف قومه، وإطعامهم، وأمْنِهم. وشرَّفه في سورة “الماعون” بذمّ عدوِّه بثلاث: الدناءة، واللؤم؛ في قوله ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم، وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وترك تعظيم الخالق في قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ.الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ وترك انتفاع الخلْق في قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .
فلمَّا شرَّفه في هذه السوَر بهذه الوجوه العظيمة، قال ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أيْ: هذه الفضائل المتكاثرة المذكورة في هذه السور، التي كل واحدة منها أعظم من مُلْك الدنيا بحذافيرها، فاشتغِلْ أنتَ بعبادة ربِّك، إمَّا بالنفس، وهو قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وإمَّا بالمال وهو قوله ﴿وَانْحَرْ﴾ وإمَّا بإرشاد العباد إلى الأصلح، وهو قوله﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فثبتَ أنَّ هذه السورة كالتَّتِمَّة لِمَا قبلها. وأمَّا كونها كالأصل لِمَا بعدها، فهو: أنه تعالى يأمره بعد هذه أن يَكفَّ عن أهل الدنيا جميعاً، بقوله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ … ﴾ ويُبطِل أديانهم، وذلك يقتضي نصرهم على أعدائهم; لأنَّ الطعن على الإنسان في دِينه أشدّ عليه من الطعن في نفسه وأهله.
ثم ذكر بعد سورة “الكافرون” ، سورة “النصر” ، فكأنه تعالى يقول: وعدتك بالخير الكثير، وإتمام أمرك، وأمرتك بإبطال أديانهم، والبراءة من معبوداتهم، فلما امتثلت أمري؛ أنجزت لك الوعد بالفتح والنصر، وكثرة الأتباع، بدخول الناس في دين الله أفواجا.
ولما تم أمر الدعوة والشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن، وذلك أن الطالب إما أن يكون طلبه مقصوراً على الدنيا، فليس له إلاَّ الذلّ والخسارة والهوان، وهو المراد من سورة “المسد” ، وإمَّا أنْ يكون طالباً للآخِرة، فأعظم أحواله أنْ تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات. ثمَّ ختم –سبحانه- كتابه المكرم بتلك الطريقة التي هي أشرف، فبدأ بذِكْر صفات الله، وشرح جلاله في سورة “الإخلاص” ، ثمَّ أتبعه بِذكْر مراتب مخلوقاته في “الفَلَق”، ثمَّ ختمَ بِذِكْر مراتب النفس الإنسانية في “الناس”، وبهذا ختمَ الكتاب … فسبحانَ مَن أرشد العقولَ إلى معرفة هذه الأسرار اللطيفة، والكنوز الثمينة!!
إن مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم وإطراءه والثناء عليه وتعداد محاسنه وإعلاء مقامه ورفع شأنه والدفاع عنه وتصديق قوله وتحسين شريعته وذم أعدائه وتسفيه آرائهم وإنقاص قدرهم. منهج قرآني واضح، وسبيل رباني صريح، وطريق إلهي بيّن..ومن هنا كان اقتداء المؤمنين والمؤمنات في مدح رسول الله والثناء عليه بكل وسيلة وأسلوب، وخصلة وفضيلة، وخلق ومكرمة، حتى نسجوا له برد المديح، وصاغوا فيه قلائد القصيد، وسطروا فيه ملاحم الخلود:
حارَ الأنامُ بوصف أربعِ أحرفٍ…حاءُ الحيا والدالُ والميمانِ

باحث في العلوم الإسلامية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “التشريف النبوي في قصار سور القرآن الكريم”

  1. ما شاء الله تبارك الله.. نفع الله بكم وزادكم من علمه.. صلى الله عليه وسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق