ثقافة السرد

في الريف المتدلي على سفح الجبل السعيد

أ.زوهري وليد

في الريف المتدلي على سفح الجبل السعيد، سكينة عميقة يرعاها نجم العناية، تطول بنا الطرقات والمراير وانا مازلت أمشي الى البيت المسور ..تشدني عيون حمير الجر الشائخة، الكبيرة والجميلة مهذبة باللون الاسود ولكنها تبدو مكسورة القلب، مثل زهرات الاقحوان المتقزمّة فقد تسرّب الجفاف الى جوفها فانقلب لون صفرتها باهتا لا يسر الناظرين….
أرى نحلة تجوب البقاع تنتقل من زهرة لأخرى تجمع الرحيق في صرامة متناهية، ستكون محنة النحلة قاسية اذا اغفلت المزاح، اخشى ان الفضيلة ورجاحة العقل سيفقدانها البوصلة ويقودانها الى ارض الدمع المدرار، سيكون عليها هذه المرة أن تحوز شغفا اقل بعملها وطيبة قلب اكبر، فتجتمع بأصدقائها الدبابير والزنانير وبني جلدتها من ذكور وإناث النحل للمرح والتنفيس فتلتذُّ لذة الذائقين لها ويتلون عسلها بطعم الواهب الممتن ،ولكنني اكاد اسمع همسها وهي تجثو فوق زهرات اللبلاب الملتف حول بعض اشجار الضرو العتيقة “الحب آفة”، ما هذه العلاقة الغريبة والغموض المبهم مصاهرات غاصبة رقيقة تفطر القلوب، تماما كما يغتصب الطحلب الأخضر سقف البيت الحجري القديم في الريف المتدلي… ،تنتشر اكواخ أخرى خلف التلال الخضراء متجمعة حينا ومنفصلة حينا اخر، وتسييجات بأسوار من القصب والصبار، سماء زرقاء وبيضاء وأشجار التين والرمان الصغيرة هنا وهناك الولجات والحقول وأشجار الصنوبر والضرو والخروب تمتد حتى تلك الجبال البعيدة كأنها جنة سويوسيرية في درجة الروضة الغناء.
قلبت البصر في المرعى فإذ بالرجل صاحب العمامة الصفراء يحلّس حماره، يبدو شخصا مثيرا للاهتمام، قد يحسب البعض ان أهل الريف المتدلي وسخون بائسون ولكنهم في الحقيقة أصحاب ذائقة خصبة ومزاج كريم وليسوا كرجال المدينة المهترئين.
إنني الان ومن دون أدنى شك في حضرة كائن لم تفسده الحضارة المدنية مازال يملك غرائز وحش بري طموحه الأرض ونزوعه الدم، لونه أزرق شاحب منطفئ مشرب بحمرة، ربما سببها وقوفه تحت شجرة خروب ضخمة خضراء تفرش فروعها على رقعة من العشب الأخضر مرقشة بالضوء والظل، الحياة هنا في الهواء الطلق صنعة قديمة، حيث لا مكان للنقاش مع الجدار… الا اننا كثيرا ما نرتاب حين يتعلق الامر بفصل انفسنا عما هو كائن ومعقول عند ميليشيا النواصي.
تعود اهل الريف المتدلي على سفح الجبل السعيد العمل الكادح، فكثيرا ما كانوا يشتبكون مع ولجة يدمنونها فيروضون تربتها لتستحيل صالحة لزراعة الخضر والفواكه، وقد يتورطون في محن عظام فيقارعون جبال ووهاد يمهدونهما بمعاولهم وفؤوسهم، ويجتهدون في احياء سنة غرس أشجار الزيتون المباركة، ان فن الرجل صاحب العمامة بلا شك حكيم وعميق فقد يدرس عودا واحدا من العشب او حجرا او طيرا انهم يعلموننا البساطة في الرغبة والعيش كما لم كنا ازهار…، والحياة أقصر من ان نفعل كل شيء.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق