ثقافة المقال

عندما تموت وحيداً ….

د. سالم بن رزيق بن عوض.

زحام الحياة الدنيا، وما في ذلك من الانشغال والكدح وراء توفير الاحتياجات الضرورية والمتطلبات الأساسية من المآكل والمشارب والمراكب والمساكن بصورة قوية ، وتسخير العقول والقلوب والأبدان في سبيل الراحة النفسية والمزاجية المنشودة كل ذلك من الصور اليومية للحياة التي يعيشها الجميع ويركض وراءها هنا أو هناك .

الكدح في طريق الدنيا لأجل حياة كريمة للنفس وللزوجة وللأولاد وللوالدين والإخوة والأخوات الصغار شرف للإنسان وعبادة عملية تطبيقية تحبها السماء وتضع بين يدي العاملين البركة والتوفيق والسداد والنجاح والسعادة.

هذا من الأدوار والمهام والمسؤوليات العظيمة التي عُلّقت في مناكب بني آدم عليه السلام، فهم يقومون ويؤدون أدوارهم فيها ويعملون عليها ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ، ولا ضير أن يمضوا في ذلك سحابة نهارهم فهم يعملون لأنفسهم ولمن يعولوا من أهلهم .

هذه حقيقة الصورة الطبيعية الجميلة والحقيقية المشرقة أن يكمل الإنسان الصورة الكبرى للحياة وهو يعمل ويتعب ويجتهد ويكدح كسائر المخلوقات والموجودات والكائنات الحية فالعصافير والطيور الجراحة وغيرها تسافر في أجواء السماء والحيوانات البريّة تكدح في برها والحيوانات البحرية كذلك فالجميع يبحث في أرضه وسمائه عن توفير احتياجاته وضرورياته.
وبنو آدم عليه السلام يكدحون كسائر المخلوقات والموجودات والكائنات الحية ؛ فهم يكملون حلقات الحياة المتسلسلة وتتوارث الأجيال الأجيال المسيرة الكبيرة في الكدح العريض .

والذي يلفت الإنتباه في هذه المسيرة والرحلة الطويلة القصيرة هو ما يبذلوه الآباء والأمهات للأولاد والأحفاد ! وما يلقاه الآباء والأمهات منهم ! طاقات وقدرات وأوقات تنفق في سبيل تعبيد الطريق للأجيال القادمة حتى تسير فيها بسهولة ويسر ! وظن والأولاد والأحفاد على من صنع لهم كل هذا الخير والفضل والإحسان !

هذا ما يعرف بالوفاء ؛ فهو الخلق الفاضل الجميل الذي يحمل الإنسان على الإحسان إلى من أحسن إليه أو أحسن إلى أهله وذويه ! أو من رأى منه إحسانا عاماً للناس أو الحيوان أو البيئة!.

ولذا إذا كان المرء ينفق ويبذل ويعطي ولا يجد ثمرات ذلك فيمن يبذل لهم في الشكر والتقدير والإحترام والدعوات والرعاية والإهتمام إما أوقف إحسانه أو أمضاه وأجره على الله تعالى .

وقد تسافر الأيام والليالي بالمرء وتتغير الأحوال ، وتتقدم به السنون ويرحل الأقران والأصحاب والأقارب والأرحام والأصهار ويبقى هو في زمن غرائبه وغربته أكثر من أنسه وناسه ويصبح مع تكوير الليل والنهار غريباً وحيداً لا يرى شيئاً يشبهه حتى الملابس التي يلبسها ليلاً ونهاراً تصبح غريبة عليه .

وقد تعتزله الحياة كلها قبل أن يقرر هو أعتزالها ، وربما تستغني عنه وعن أدواره ومهامه ومسؤولياته قبل أن يستغني عنها ، وقد يعافه بعض الأقارب وينال من حديد ألسنتهم الأذى والجور والظلم والقهر وهو مع كل هذه الأحداث والوقائع يحمل صبر الجمال وثبات الجبال وهدوء البحار والمحيطات وعمقها الكبير .

إن قرار الحياة الدنيا الاستغناء عن فرد منها ، بالنسبة له هو غاية العذاب والقهر والتنكيل والطرد من ميادينها الواسعة والغنية وهو الموت الفاقع والسم الناقع للإنسان الكبير الوحيد والذي لا يجد من سكان الأرض إلا النكول والخلف والكذب والمراء والتخلي عنه وهو في أشد وأمس الحاجة إلى يحنو عليه ويحدب وينصره ويؤده …

لذا ترى صوراً مؤلمة لآباء أو لأمهات أو لزوجات أو حتى لأزواج وقد تخلى عنهم القريب والبعيد والحبيب والصديق وأسلموا إلى دور الرعاية وليس لهم في الأرض من عاصم أو ناصر أو حافظ إلا الله تعالى …

وربما ترك الأولاد أو الأحفاد الآباء والأمهات لفراغهم أو لهوهم ونسوا زيارتهم أو تناسوا ذلك حتى فارقوا الحياة الدنيا.
ورحلوا في ليل أو نهار أو صبح أو مساء في هدوء قدومهم للدنيا دون صخب ولا مكاء ولا تصدّية ، وربما عرفهم الحراس القريبين منهم ؛ حارس البناية التي يسكنونها ، وحارس المسجد الذي كانوا يصلون فيه ، وحارس المقبرة الذي يسلمون عليه كل فترة ويقدمون له الهدايا والصدقات في كل مناسبة وعيدية…

المصلح والمستشار الأسري  د. سالم بن رزيق بن عوض.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق