ثقافة السرد

أنا الجارية

خيرية فتحي عبد الجليل*

تدركني لحظة هاربة .. تفلت من تلابيب الزمن الغابر .. أقبض عليها كمن يقبض على جمرة متقدة بين أصابعه .. ببلاهة أمارس خلالها فعل شنيع اسمه الدهشة .. تمر اللحظة الهاربة ينحني لها الزمن في وقار وخشوع .. يبعث بلحيته البيضاء المدببة بأصابع مرتعشة .. ثم يتغاضى عنها .. يتظاهر بالغفلة عمدا ً ويتركها تمر .. الدهشة تتلبسني بالكامل .. وأنا أقف منحنية القامة ومتسمرة أمام حروف مصلوبة وبارزة فوق قطعة مستديرة من المعدن المغروس في الإسفلت الممتد عبر أزقة قلبك تحمل وشما ً لإشارة الممنوع..تتلفت .. تطمئن إلى وجود حاشيتك .. تتفقد حراسك .. تعدل من وضع تاجك المرصع باللؤلؤ والمرجان تتناول مرسوما ً من يد حاجبك الأمين الذي يقف خلفك مباشرة كحارس يتبعك كظلك تصدر قرارك القاطع .. وكأي ملك جالسا ً على محفة محمولة على الأعناق تصرخ في قوة ..
– قفِ
فأقف .. تتشبث خطواتي بالأرض .. تغوص قدماي.. يحفر كعب حذائي في التراب وألمع على ضوء القمر المستدير تفاحة آدم تهتز بشدة إثر صرختك المدوية ..
– قفِ
وتغمز لي نجمة مشفقة بوميض خاطف … يخترق السماء .. اقرأ في وميضها الشاحب نبوءة فأشفع لك وأتابع يدك المرتعشة وهي تسمح بمنديل باهت عرقا ً غمر جبينك لمجرد وقوفي أمام أسوار القلب .. تصرخ “قف”
فأقف ألتفت إلى الخلف .. لا أحد !!
هل أنا المعنية بأمر الوقوف الصادر من حنجرتك …؟
يتلقف نذيرك النبأ يعبر الشوارع .. الميادين الأزقة .. يعلنه على الملأ .. تلاحقه لعنتي فيفقد القدرة على النطق ويموت .. وأتهم بتسميم شرايينه بالحب كرشوة لتحريف قرارات السلطنة .. بعدها أعلن تمردي .. تتراشق عن بعد .. أحذفك بدمعي .. أرشقك بعجزي.. أقذفك بعلتي وتوصد أبواب مملكتك أمام عاصفة هوجاء من المحبة أفجرها أمام قامتك السامقة .. وأرحل لكنني ألتفت إلى الخلف فأجدك ترشقني بسهم مسموم مثبت في مؤخرته “أمر الخلع” فيصيب مني مقتل وأدرك للمليون بأن دمعي .. عجزي وعلتي مناشير سرية تتآمر على خلعي من مملكتك وألمحك .. وأواصل الهرب لاهثة .. أتحرر من حذائي أقذف بحقيبتي تتبعثر مواد زينتي في الهواء .. تسقط مرآتي .. تتناثر شظايا .. أنظر إلى الخلف .. تتراءى لي أسوار قلبك الموصد وأخنق دمعة متمردة أحجبها بكفي عنك .. فجأة أقف وفي قلبي آخر الأماني .. أتطلع إليك بشغف ومحبة فأجد حاشيتك تخونك .. حاجبك الأمين يستل خنجره ليغتالك غدرا ً فيما عبارتك تدوي لتشق عنان السماء .. “قف” فأصرخ في فزع :
– أحذر … أحذر … أحذر
لكنك تواصل في رعونة
– قفِ
ثم تدير ظهرك لي .. ترافق حاجبك .. تدخلا معا ً … تقفل بوابة قصرك وتمضي .. واكتشف بأن مملكتك من ورق وحاجبك من كرتون .. حاشيتك دمى وسهمك المسموم قشة وأنا وأنت طفلان يعبثان أمام شاشة إحدى القنوات الفضائية التي تبث مسلسل تاريخي للأطفال تقول “قف أنا الملك .. وأنت الجارية” ..
نتشاجر على تمثيل الأدوار ..
وأصر بسذاجة الأطفال على تمثيل دور الملكة نتراشق بالدمى .. أتمرد فتطردني من غرفتك .. تحرمني من متعة اللعب معك فأقف أمام الباب أصرخ باكية ..
– قبلت العرض أنت الملك وأنا الجارية.
.
.

*البيضاء / ليبيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق