حوارات المجلة

الأديب الفلسطيني أسعد العزوني للمجلة الثقافية الجزائرية: عملي الصحافي لم يؤثر على إبداعي مع أنني نادم على انخراطي في الصحافة

يُعد الكاتب الفلسطيني أسعد العزوني من رواد الأدب السياسي في الوطن العربي، مارس العمل الصحفي كمحرر ومراسل ومترجم، وكتب الكثير من المقالات والحوارات والأبحاث المتخصصة في الشؤون الدولية والدبلوماسية.. في رصيده العديد من الروايات والمجموعات القصصية ومنها: (العقرب، رياح السموم، الزواج المر، الأرض لنا، زفرات متألمة.. وغيرها).
المجلة الثقافية الجزائرية التقت الكاتب العزوني وكان لها معه هذا الحوار حول تجربته الأدبية:

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة صنوف متعددة في رصيدك الإبداعي: مقالات صحفية وأبحاث سياسية وترجمة ومجموعات قصصية وروايات..لماذا كل هذا التنوع؟هل هو قلق الكتابة؟ وما هي نقطة الالتقاء بين هذه المسارات؟
أسعد العزوني:
هو قلق الوجود أولاً، فأنا شخص قلق بطبعي وحساس بسبب نشأتي في قرية حدودية مع الكيان الصهيوني، وكنت أسمع على الدوام إحداثيات تدريباتهم المستمرة لبناء قدراتهم وتعزيزها، بينما الواقع العربي الحدودي كان محروماً ربما من سكين المطبخ كما كان الناس إبان الاحتلال البريطاني. وكنا بحكم القرب من الساحل الفلسطيني المحتل منشغلين على الدوام بتداعيات الإرهاب الصهيوني حيث كان النشطاء منا يتسللون إلى الساحل ويقومون أحياناً بجلب بعض البقر من المستدمرات القريبة، ويروى أن أحدهم أخذ “طنجرة” الرز مع الحليب من برندة أحد بيوت المستدمرات، بعد أن وضعتها صاحبة البيت المستمدرة في الخارج لتبرد حيث كان الجو شتاء، وقد أحسوا به لكن أحداً منهم لم يجرؤ على فتح الباب، وكانوا أيضاً يحضرون كميات كبيرة من البرتقال والجوافا والليمون .
قلق الوجود عندي بدأ مذ كان كان عمري أربع سنوات ولهذا قصة دراماتيكية يجب أن تروى للأجيال، وهي أن معسكراً للجيش الأردني كان مقاماً في الطرف الشمالي من قريتنا عزّون الضوء أو عزّون الشمالية، وبحكم وجود بيتنا بمحاذات الشارع العام وعلى بعد نحو 400 مترا من المعسكر، كان أبي رحمه الله على علاقة مع أحد الجنود واسمه نوري، وفي فجر إحدى الليالي من أواخر شهر تشرين أول/أكتوبرعام 1956 صحونا في القرية على صراخ مصدره المعسكر، ورأينا ناراً تتحرك . هبّ العديد من الرجال نحو المعسكر ووجدوا أن عصابة إرهابية صهيونية اقتحمت المعسكر وحرقت وقتلت من فيه ومن ثم غادرت جهة الشمال، وكنت أبكي وأصرخ :يا نوري يا نوري. عند انقشاع الظلام وبزوغ الفجر هرع أهالي القرية نحو الشمال لتتبع أثر الإرهابيين الصهاينة ولم يعثروا عليهم، لكنهم عثروا على آثارهم في الوادي وهي بقايا طعامهم ومخلفات جرحاهم وقناني ويسكي فارغة بطبيعة الحال. وليس بعيداً عن تلك العملية قام الصهاينة باقتحام مدينة قلقيلية الحدودية التي تبعد عن قريتنا 9 كم وفجروا آبار المياه الارتوازية فيها ونسفوا مخفر الشرطة الأردني، وكانت أجواء قريتنا بعد منتصف الليل تبدو وكأنها أجواء نهارية بفعل قوة التفجيرات.

هذا هو منبع القلق الوجودي عندي، أما بالنسبة لقلق الكتابة، فأنا أحمل شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي، وبطبية الحال فإن من يدرس اللغات ولديه شغف بالكتابة فإنه يبدع أكثر من نظيره الذي يحمل البكالويوس أو غيره في الأدب العربي وهذا متفق عليه وله دلائل على الأرض. بدأت حياتي شاعراً لكنني لم أتعمق، وكتبت قصة باللغة الإنجليزية وأنا على مقاعد الثانوية بعنوان “رحلة ملكية إلى القمر”، نشرتها في مجلة الحائط بالمدرسة بعد أن نالت استحسان مدرس اللغة الإنجليزية، وبعد دخولي الجامعة انغمست كلياً في العمل السياسي والتنظير، ولم أكتب شيئا سوى قصة قصيرة –طويلة بعنوان مريم، لعدم وجود وقت . بعد تخرجي من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 1977 وإقامتي في الكويت وعملي مدرساً لخمس سنوات كنت دائم القراءة وبتعمق، بحيث أنني كنت أقرأ كناقد وليس كمتصفح، وعندها انفجر عندي سيل الإبداع وبدأت بكتابة القصة القصيرة، وكنت أنشر إنتاجي في مجلة الطليعة الكويتية اليسارية وبعدها في جريدة الوطن، وكان البعض يصنف أسلوبي بالسهل الممتنع، ويطلقون عليّ صاحب القلم السيال.د في العام 1982 التحقت بالثورة في لبنان متطوعاً إبان الغزو الصهيوني لهذا البلد العربي العزيز علينا جميعاً، وهناك تفجر غضبي كتابة في أوقات الهدوء وكنت أكتب الخواطر في دفتر خاص وكذلك الروايات والقصص القصيرة وكنت أنام فقط ساعتين يومياً، وكنت أتابع ما تبثه الإذاعات العربية في برامجها ونحن نخوض معارك الوجود، وأنجزت مذكرات لا يعلم سوى الله أثرها لو بقيت على قيد الحياة ، ولم أقم بإحراقها قبل مغادرتي الكويت عام 1992.
بعد عودتي من لبنان عملت في الصحافة ولكن شيطان الإبداع كان يتملكني، ولم يبخل عليّ قلمي ،وكنت دائم الكتابة وانتقلت بعد ذلك إلى الرواية، لأن فضاء القصة القصيرة لم يعد يسعني، ساعدني على ذلك زوجتي بعد الزواج عام 1983 ، والتي لم تعترض على اهتمامي بالكتابة وقد ضحت كثيراً من أجل تقدمي وكانت تقول :أنا موجودة معك على الدوام، لكن الفكرة تهرب، وأكبرت فيها ذلك، وقد نشرت مجموعة قصصية قصيرة جداً بعنوان “زفرات متألمة” وأهديتها لزوجتي فاستغرب البعض من هذه الخطوة، وكان ردي عليهم أنها تستحق ذلك لأن لها دوراً كبيراً في إبداعي. بعد انتقالي للعيش في الأردن عام 1992 وتفرغي بعد أربع سنوات من البطالة في العمل الصحافي تعمقت في كتابة الرواية والأبحاث السياسية، وكنت قد نشرت روايتي الأولى بعنوان “العقرب” في الكويت عام 1989، وكنت أستدين ثمن طباعة الكتاب بغض النظر عن جنسه، وأقوم بتوزيعه مجاناً لإيماني بأن الثقافة حق للجميع، ولم أكن أعلم أن الديون ستثقل كاهلي بسبب النشر.
نقطة الالتقاء بين هذه المسارات هي أن حرفي أتعبني وكلماتي عبارة عن رصاصات تعرف أهدافها لكنها أحياناً ترتد إلى رأسي، ولذلك أشعر أنني كالطريد بين القبائل، ومع ذلك أشعر أن بصمتي موجودة في كل حرف أكتبه، وأن أبطالي يجسدون شخصيتي وينثرون فكري، لأنني أكتب بضمير ولا أكتب على طريقة الفن من أجل الفن.

المجلة الثقافية الجزائرية: الصحافة عمل دؤوب يحتاج إلى كثير من الدقة والتجديد والمواكبة..فكيف انتقلت إلى عالم الرواية وسط ما تعانيه كصحفي ومراسل من متاعب يومية..وما هي المؤثرات التي دفعتك لفتح هذا الباب الواسع؟ وهل عجزت المقالات الصحفية عن استيعاب ما تريد قوله؟
أسعد العزوني:
من فضل الله عليّ أن زوجتي من أكبر الداعمين لي، وهذا ساعدني في إطلاق قدراتي اللامحدودة فأنا والحمد لله لدي مخزون فكري يصعب وصفه مع أنني لم أنتم لأي حزب سياسي، لكنني كنت منضوياً تحت لواء الثورة الفلسطينية، وقد أسهم حملي للسلاح في بلورة فكري . لم يؤثر عملي الصحفي الغزير على إنتاجي الأدبي فقد كنت ليلاً أقضي الساعات الطوال في القراءة والكتابة، وكنت غزير النشر صحافياً وأدبياً، إلى درجة أنني كنت أنتشي يومياً بالمساحات التي احتلها في الجريدة من مقابلات مع شخصيات دولية مهمة مثل المفكر الفرنسي المسلم روجيه غارودي وكبار السياسيين في العالم، والمقال السياسي والقصة القصيرة والأخبار المتنوعة. كتبت الرواية في الكويت، وواصلت كتابتها في الأردن تفجيراً للمعاناة والضغوط، خاصة وأن المرحلة السياسية التي تلت غزو لبنان عام 1982 وتداعياته كانت جهنمية. بالنسبة للمقالات فقد كانت فعلاً عاجزة عن إظهار بوحي بسبب مقص الرقيب، لكنني كنت أستمتع بعرض أفكاري في القصة القصيرة باللجوء إلى الرمزية في معظم الحالات.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف أثر العمل الصحافي على المنتج الأدبي لديك، وهل تجد أن الأدب يمكن ان يصنع المعرفة الحقيقية لدى المتلقي بحيث يجعله قادرا على الارتقاء بفكره وثقافته ورؤاه؟
أسعد العزوني:
أدعي بكل فخر أنني من رواد الأدب السياسي في الوطن العربي، وقد كنت صحافياً سياسياً أعمل وأكتب في المجال السياسي والدبلوماسي والدولي وألتقي كبار السياسيين والدبلوماسيين الدوليين، وكنت بحكم أنني إبن قضية أحفظ درسي جيداً، ولذلك لم يؤثر العمل الصحفي على المنتج الأدبي لدي، فالعمل الصحفي كان منفصلاً عن العمل الأدبي، وكنت في الصحافة أكتب بشكل مباشر عندما أكتب خبراً أو أجري حواراً مع شخصية بعينها، في حين أنني كنت أهرب إلى الرمزية في الرواية والقصة القصيرة.
يستطيع الأدب في حال كان ملتزماً بقضايا الأمة أن يصنع المعرفة لأن القارئ عندما يجد في الكتاب ما يشده ينجذب إليه بعقله وقلبه، ولكننا في الوطن العربي بحكم التضييق على الحريات وانعدام الديمقراطية فقدنا الشهاب الذي ينير لنا الطريق، وهناك من أصبح يكتب أي كلام، ومع الأسف يجد من ينشر له ويسوق كتابه.

المجلة الثقافية الجزائرية: من يقرأ روايتك”الزواج المر” يخيل إليه بأنه إزاء تجربة ذاتية ..فما الذي يمكن أن تقوله عن ظروف كتابة هذه الرواية؟
أسعد العزوني:
صحيح هناك تجربة شخصية ولكن ليس كما تتخيلون وتخيل آخرون قبلكم بأنني أتحدث عن تجربتي في الزواج، فأنا لا يمكن ان أطرح تجاربي الشخصية الضيقة وشديدة الخصوصية للحوار . الزواج هنا لا يعني المتعارف عليه، بل عنيت به الارتباط والتعاطي مع أي حدث، وأعني هنا التعاطي مع القضية الفلسطينية، ولكي أهرب من الواقع لجأت إلى الرمزية، وقد لاقت الرواية استحسان الكثيرين، وتبين لي أن هناك تأويلات عديدة تكونت لدى البعض حول فكرتها، ولست معنياً عن الدفاع عن نفسي، لأن للأديب الحق في التعبير عن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة شرط أن تفي بالغرض.

المجلة الثقافية الجزائرية: كمثقف عربي مناهض للتطبيع مع “إسرائيل”:إلى أي حد تستطيع النخب الثقافية لعب دور في تحرير الوعي من “التطرف” بوصفه تحول إلى آفة كونية مع صعود “داعش” إلى واجهة الأحداث؟وما هي واجباتها في هذه المرحلة للدفاع عن القضايا العادلة وتصحيح بوصلة الصراع الجاري في المنطقة؟
أسعد العزوني:
أولاً لا بدّ من التأكيد على أن التطبيع وبكافة أشكاله مع مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيونية الإرهابية يعد خيانة كبرى لله وللعقيدة ومؤامرة كبيرة وصريحة على الشعب الفلسطيني، بمعنى أن كل من يمارس التطبيع يجب إدراجه في قائمة الخيانة والتفريط بالحقوق والمقدسات كائناً من كان.
أما بخصوص التطرف الذي غزانا في المنطقة العربية منذ تفجيرات البرجين في نيويورك في الحادي عشر من شهر أيلول مسبتمبر 2001 ،فهو صنيعة مسيحية –صهيونية “إنجليكانية” لحرف بوصلة الصراع مع الصهاينة، ومع شديد الأسف أنهم نجحوا في ذلك، وها نحن نأكل بعضنا بعضاً، وينعم المستدمرون الصهاينة في فلسطين بالأمن والأمان، ناهيك عن قيام بعض العربان بإعلان انحيازهم لمستدمرة إسرائيل بحجة الخوف من إيران.
بالنسبة لموضوع النخب العربية ودورها في مكافحة التطرف، فيؤسفني القول إنه لا يوجد عندنا نخب عربية مستقلة، بل هناك “تجمعات” انتهازية تتاجر بالولاء والانتماء، وهي أشبه بـ”قراد الخيل”، ونلاحظ أن المجتمع الدولي لم يتفق حتى اللحظة على تعريف الإرهاب الذي يضرب وطننا العربي منذ عام 1992 وكانت البداية في الجزائر.

التطرف والإرهاب الحقيقيان يعششان في عقول ونفوس الصهاينة ومعتقداتهم وممارساتهم اللحظية، أما نحن العرب والمسلمين فنحن أهل التسامح والمحبة، بدليل أن اليهود عاشوا أبهى أيامهم تحت ظل الخلافة الإسلامية وكذلك العرب المسيحيين، وهل ننسى أن الخلافة العثمانية أرسلت سفنها للأندلس بإسبانيا لإنقاذ اليهود والمسلمين الذين كانوا يتعرضون للحرق والقتل في إسبانيا قبل ما يزيد على 500 عام، وبما كان يعرف ب”محاكم التفتيش”، وقد عاش اليهود مرفهين في إستانبول لكنهم غدروا وهذا ديدنهم. ما يتعلق بداعش فهو فرع خدمات الاستخبارات السرية الإسرائيلية المعروف ب”ISIS”، جيء به لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد وخطة كيفونيم ،تمهيدا لتنفيذ صفقة القرن التي تهدف لشطب القضية الفلسطينية لصالح الصهاينة، وتهميش دور الهاشميين في الأردن لصالح البترودولار العربي المتحالف مع مستدمرة إسرائيل. ودليلنا على صهيونية داعش أنهم رغم إدعائهم بالجهاد فإنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على مستدمرة إسرائيل الخزرية، ولا أظن أنهم لا يعرفون حدود فلسطين الملاصقة لسوريا وسيناء.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك الآن عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟
أسعد العزوني:
علاقتي مع الجزائر بشكل عام بدأت مذ كنت في سني دراستي الأولى في مدرسة عزون الثانوية للبنين في عزون، وكنت آنذاك أمين صندوق التبرعات للثورة الجزائرية، وكان شعارنا اللحظي الذي نردده على الدوام :تحيا تحيا الجزائر، وكنا نتابع أخبار الثورة الجزائرية ونعشق المناضلة الجزائرية جميلة بو حيرد، ونتفاخر بها، وكنا في الأردن وفلسطين أكثر العرب الداعمين للثورة الجزائرية رغم إمكانياتنا المتواضعة ولا ننسى بطبيعة الحال دور المحروسة مصر عبد الناصر رائدة التحرر العربي من الاستعمار قبل أن يتمكنوا منها بعد قتلهم عبد الناصر بالسم. وبعد أن كبرت وبدأت المطالعة والقراءة كان للأدب الجزائري نصيب كبير من الاهتمام، وبدأت بالمبدع الراحل الطاهر وطار ومن أهم رواياته :الزلزال وثنائية اللاز وتجربة في العشق، وهناك المبدع واسيني الأعرج الذي زارنا في الأردن مؤخراً والتقيت به، ومحمد السائحي وياسمينة صالح التي شرفت بتقديم قراءة لروايتها “في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا” ولحبيب الصالح وآخرون، وكنت أقرأ بنهم كل ما يتعلق بالاستعمار الفرنسي للجزائر وبثورة الشعب الجزائري.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق