بقلم: أمين الساطي
عندما يتعايش الواحد منا مع سرّ خطير، يجد صعوبة بالغة في الاحتفاظ به، لأنه يتعرض لضغط نفسي يمنحه شعورًا دائمًا بالخوف والقلق وعدم الأمان.
لذلك خطر ببالي أن أفضل وسيلة للتخلص من هذا الوضع هي أن أرسل قصتي إلى مجلة أسبوعية، من كمبيوتر أختي، وباسم مستعار، لتنشر كقصة قصيرة بطريقة يصعب معها تتبّع اسم كاتبها.
بعد أن عدت أنا وزوجي من الحفلة في فندق الهيلتون، التي أقامها زوجي بمناسبة عيد ميلادي، دخلت إلى غرفة نومنا، بينما ذهب زوجي ليأخذ دوشًا.
كنت أشعر بنشوة كبيرة من كؤوس الشمبانيا التي تناولتها في السهرة، إضافة إلى أن زوجي كان قد أهداني سيارة مرسيدس جديدة بهذه المناسبة. خلعت ملابسي ولحقت به، لأعبّر له عن امتناني لحياة الرفاهية والبذخ التي نعيشها في هذه الأيام الصعبة التي يمر بها لبنان.
لم أصدق عينيّ وأنا أنظر إليه.
كان منظره مخيفًا.
جسم هلامي أزرق نيلي، عارٍ، واقف تحت دوش الماء الساخن، وبخار الماء يملأ الحمام، لكن تقاطيعه ما زالت نسخة طبق الأصل عن ملامح زوجي.
اكتشفت في تلك اللحظة أنه مخلوق فضائي تشكّل على هيئة زوجي.
عدت إلى الوراء بطريقة لا شعورية، وحاولت أن أصرخ بأعلى صوتي لأوقظ الخادمة وأولادي، لكن لم يكن لصراخي صوت. لم تخرج الكلمات من حنجرتي لشدة رهبتي وانفعالي.
اقترب الجسم الهلامي ووضع يده بلطف على فمي.
قال بصوت هادئ:
” لا تخافي. لن أؤذيك. خذي نفسًا عميقًا وركّزي في كلامي.”
ثم تابع، بصوت مطابق تمامًا لصوت زوجي:
” هل كنت تصدقين أن معمل علب الكرتون الذي يملكه زوجك قادر على أن يجعلك تملكين كل ما تريدين؟”
أدركت في تلك اللحظة الحقيقة التي كنت أعرفها وأحاول إخفاءها عن نفسي.
ليس من المعقول أن يغطي المعمل مصروفنا الشهري الذي يزيد على خمسة عشر ألف دولار، وخصوصًا في هذه الأيام الصعبة التي يعيشها لبنان.
نظر إلى عينيّ مباشرة، محاولًا أن يمنحني شعورًا بالتعاطف والثقة.
قال:
” إن زوجك رياض كان يعمل معنا في إدارة المخلوقات الفضائية منذ أربع سنوات. لقد توفي البارحة بجلطة قلبية، وتم دفنه. ما اضطرني إلى التشكل على صورته لمتابعة الأعمال التي كان مكلفًا بها.
إن الشركات المتعددة الجنسيات التي تحاول التحكم في البشرية تستغل المخلوقات الفضائية الموجودة على الأرض للاستفادة من تقنياتها المتطورة، لكي تتمكن من الهيمنة على الحكومات التي تدير دول العالم.”
نظرت إليه بفزع، وحاولت ابتلاع ريقي. كان فمي قد أصبح جافًا، ولم أعد قادرة على الكلام.
أدرك ذلك، فتابع:
” أنت امرأة مثقفة وجميلة، وعليك أن تفكري في مستقبلك ومستقبل أولادك. تعرفين أنه من المستحيل أن نقيم بيننا علاقة عاطفية، فلا أمانع في أن تجدي لنفسك عشيقًا سريًا يليق بك. المهم أن نحافظ على مكانتنا الاجتماعية، لكي أتمكن من القيام بأعمالي.”
صمت لحظة، ثم قال:
” لكن عليك ألا تخبري أحدًا، مهما كان، بسرّنا الصغير، حتى لا تضطر الإدارة إلى تصفيتك مع جميع الأشخاص المحيطين بك.
صدقيني، من مصلحتك ألا تعرفي أكثر من ذلك.”
ارتدى رداء الحمام، ثم تشكّل من جديد بصورة طبق الأصل عن زوجي.
قال:
” عليك الآن أن تقرري فيما إذا كنت موافقة على الانضمام إلينا.”
تصورت ماذا سيحدث لي ولأولادي لو رفضت هذا العرض، ومن أين لي أن أحصل على خمسة عشر ألف دولار شهريًا لأستمر مع أولادي على مستوى الحياة التي اعتدنا عليها؟
وبطريقة لا شعورية، مرّ في ذهني حبّي الأول لابن خالتي، وعشت ذكريات المراهقة التي لم أستطع يومًا التخلص منها.
واجهت صعوبة في تجاوز تلك العلاقة بعد أن اقترنت برياض، وعلى الرغم من مضي أكثر من ست سنوات، فإنني لم أتجاوزها حتى الآن.
ربما كانت هذه فرصتي الأخيرة لاستعادة حبّي الأول.
نظرت في عيني المخلوق الفضائي بحدة، لأعطيه الانطباع بأنني مصممة على القرار الذي اتخذته.
قلت بصوت مبحوح:
” أنا موافقة.”
هزّ رأسه بارتياح.
ثم سحب هاتفه من جيب رداء الحمام وقال بنبرة رياض العملية:
” ممتاز. في اتصال لازم أجريه حالًا بخصوص ترتيبات البارحة. ما بدي الأولاد يعرفوا شي قبل ما نجهز القصة المناسبة.”
خرج إلى الشرفة وأغلق الباب الزجاجي.
من وراء الزجاج رأيته يهمس في الهاتف، ثم يمسح دمعة واحدة.
عاد بعد دقيقتين وقال:
“خلص. العزاء، وجرى الدفن بسرية تامة دون الإعلام، لكي لا يؤثر موته على أعمال الشركة.”
صدّقته.
أو أقنعت نفسي بأنني أصدّق رياض، الذي كان طوال عمره يخاف على سمعة المعمل أكثر من سمعته.
عاد إلى الحمام ليكمل الدوش.
ارتديت رداء الحمام، وخرجت أبحث عن أولادي لأطمئن عليهم قبل النوم.
في الصالة، كانت الخادمة تشاهد نشرة الأخبار.
كان المذيع يقول بنبرة متوترة:
” تم مساء اليوم العثور على جثة رجل الأعمال رياض… في معمل الكرتون الذي يملكه. وقد حدثت الوفاة قبل أربعة أيام، وذلك بعد بلاغ من عامل النظافة الذي شمّ رائحة غريبة في المخزن الخلفي.”
تجمّدت في مكاني.
أربعة أيام…
عامل نظافة؟
من الحمام، سمعت صوته يصفر لحن عيد ميلادي، وصوت الماء ينهمر.
تراجعت خطوة.
ثم أخرى.
همست:
” إذا كان رياض قد مات قبل أربعة أيام… فمن الذي دُفن البارحة.”
في اللحظة نفسها، توقف صوت الماء.
وتوقف الصفير.
ثم سمعت صوت رياض من خلف باب الحمام:
“لا تخافي… أنا رياض.”


