نعم، أنا أرفع شعار “العلم للعلم” و”الفن للفن” و”الفلسفة للفلسفة”، و”الثقافة للثقافة”..
كتبت: نور بسام حريري
من أكثر الشعارات والنظريات التي أُسيء فهمها وتداولها على نحوٍ سطحي وسياسوي مبتذل، شعار “العلم للعلم” أو “الفن للفن”. كثيرًا ما يُوظَّف هذا الشعار للطعن في فن معين أو فلسفة معينة، بوصفه فنًا أو علمًا يزعم الاستقلال عن الأخلاق، وأن غايته تنحصر في ذاته، من دون أي منفعة أو علاقة بالقيم أو التاريخ أو المجتمع.
إن “الفن للفن”، و”العلم للعلم”، و”الفلسفة للفلسفة” لا تعني إطلاقًا عزل الأخلاق أو التاريخ أو السياسة عن الفن والعلم والفلسفة والثقافة، بل، على العكس، هي نظرية مضادة لتحويل هذه الحقول إلى مجرد أدوات خارجية (أخلاقوية أو سياسية أو أيديولوجية).
المقصود بـ”الفن للفن” هو أن الفن يُمارَس ويُقوَّم بأدواته الخاصة؛ أي أن نقد الفن يكون من داخل الفن نفسه، وكذلك العلم يُنقد بأدوات العلم، والفلسفة بأدوات الفلسفة. بمعنى أن كل حقل معرفي يمتلك معاييره الداخلية التي تسمح له بالنقد والتقويم من دون الحاجة إلى اختزاله في معيار خارجي واحد.
ففي الفن، لدينا مفاهيم مثل: الجميل، الجليل، القبيح، الشائن، الفظيع، الكيتش، الغروتسك، المقرف، المشهدي، الغرائبي، الهزلي، الكوميدي، التراجيدي، الاستهلاكي، الاستبطاني وغيرها. هذه المفاهيم تتيح لنا نقد أفظع الظواهر الفنية من داخل اللغة الفنية نفسها..
وفي صميم العلم ذاته، تتأسس معايير دقيقة وأنيقة تمكّنه من نقد نفسه من دون حاجة إلى سلطة خارجية تفرض عليه أحكامًا جاهزة: الدقة، البساطة والتعقيد، القوة التفسيرية، التماسك الداخلي، القوة التنبؤية، القابلية للانهيار الواقعي، القابلية للتعميم أو التخصيص، والاتساق مع النظريات الأخرى.
هذه المعايير لا تعمل كأدوات تقنية أو سلطوية، بل تشكّل نظامًا نقديًا داخليًا صارمًا يسمح بمراجعة النظريات وتقويمها من داخل بنيتها العلمية نفسها، بدل إخضاعها مباشرة لمنطق أخلاقوي إقصائي أو سياسي خارجي يدمر في نهاية المطاف الحقل المعرفي نفسه..
*من صفحة الكاتبة على الفيس بوك





