المجلة الثقافية الجزائرية

إضاءة على رواية شظايا الذاكرة للروائي الاستاذ محمد سرسك

عفيف قاووق

 

بالكتابة نقاوم محو الذاكرة حين تسعى قوى الظلم إلى محو تاريخ الشعوب وطمس هويتها، لتبقى تلك المعاناة حاضرة في وجدان الأجيال مهما طال الزمن. وعندما تتعرض ذاكرة الشعب لمحاولات الطمس والتزييف يصبح القلم بمثابة خط الدفاع الأول عن الحقيقة وتصبح الكلمة وثيقة تحفظ ما عجزت الجدران عن الاحتفاظ به .

في هذا السياق نحن في حضرة “شظايا الذاكرة” للروائي الأستاذ محمد سرسك، والتي صدرت مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، رواية أقرب ما تكون إلى ما يشبة السيرة الغيريّة أو نوعا آخر من التغريبة الفلسطينية. حين يصف الجدّ أحمد كيف “فرّ الأهالي من بيوتهم متجهين على الأغلب شرقًا أو شمالًا، والقليل منهم هرب نحو البحر، فالبحر قد يكون موتًا آخر، تائهون بلا اتجاهات واضحة، ليس لغموض البلاد وعدم معرفتنا بها، بل لأننا وقعنا في فخ المباغتة، وانهيار الأمل واجتماع البؤس”.

 لا تتناول رواية “شظايا الذاكرة” الهجرة الفلسطينية من زاوية الإنتقال الجغرافي فقط، بل تشير أيضا إلى التحول في الوعي والهوية وعلاقتهما بالقضية متخذة من أسرة عائلة فلسطينية مدخلاً لها، هذه العائلة التي تشعبت مسارات أبنائها وأحفادها بعد الاقتلاع فمنهم من إستقرَ في المخيمات (عقبة جبر أو الوحدات..)، ومنهم من وجد طريقه إلى دول الشتات ومنهم من بقي في بلدته تحت حكم الإحتلال. فتباعدت المسافات واختلفت التجارب بينهم، ولم تعد هذه العائلة عائلة واحدة بالمعنى التقليدي، وإنما تحولت إلى جزر بشرية متفرقة، يحمل كل منها جزءًا من الذاكرة الفلسطينية.

 اعتمد الكاتب في عمله هذا على تقنية الإسترجاع او الفلاش باك حيث ينقل القارىء بحرفية من الحاضر إلى الماضي ليعيده مجددا لمواكبة الحدث. وكان السارد العليم حاضرا في أغلب مفاصل الرواية إلى جانب بعض التدخلات من أشخاصها مثل أحمد او صالح وغيرهم. وأكثر ما يُلفت هو هذا التعدد في السرديات فالكاتب لم يستقر عند شخصية او حدث بعينه، لذا نلحظ تعددا في الشخصيات والأماكن وحتى في الأزمنة والتنقل بين أكثر من حكاية دون ان يشعرنا بالتشتت، لأن كل حكاية هي بشكل أو بآخر تشكل امتدادا لحكاية أخرى وكل شخصية مرتبطة بغيرها من الشخصيات بالرغم من انتمائهم إلى أجيال مختلفة.لتتضح لدى القارىء مسيرة الفلسطيني سواء في الداخل او الضفة وحتى في الشتات.

 كما تبرز الرواية التباينات بين الأجيال في النظرة إلى الأمور، فالجيل الأول الذي عاش الاقتلاع يبقى أكثر التصاقًا بالمكان فالقرية أو المدينة ليست بالنسبة إليه مجرد اسم في الذاكرة، وإنما حياة انتُزعت منه بالقوة. ولذلك تتحول فلسطين لديه إلى قضية شخصية ووجودية. وفي هذا يستذكر الجدّ أحمد قريته العباسية عندما كان “يفتتح استيقاظه المنضبط قبل صياح الديك بصلاة الفجر، ومن ثم يمضي إلى بيارته لسقايتها وتفقد أشجارها، مشحونا برائحة البحر والندى. هو لا يريد أن يشطب من ذاكرته تلك الأيام، ولا أن يصدق بأن العباسية لم تعد تحتمل غياب رجل يبعد عنها بضعة كيلومترات دون أن يصدق بأن هناك يهودي انتزعها منه،يهودي ألقت به سفينة قادمة من القارة الباردة على ساحل يافا، ليصبح هو صاحب كل شيء كان يملكه. ويتابع بالقول ” لا تمر لحظة، دون أن أتحسس مفتاح منزلي هناك لقد حشرته تحت حزامي، وربطته بخيط حتى لا يضيع أو أنساه. وكلما لمسته كنت ألمس جزءًا من ذاكرتي التي لا تغيب عنها الشمس. لقد مسختنا النكبة وجعلت منا مسوخًا غريبين حتى عن أنفسنا. أعادت بناء جيناتنا كما لو أننا فئران مخبرية، وزرعت فينا جينات مخلوقات جديدة، صار يطلق العالم عليها بدمه البارد اسم لاجئ”. 

 كذلك تبرز الرواية التشوهات أو التشظيات التي أصابت صالح الذي بقي وعائلته في يافا في ظل الإحتلال فيقول: ” لم أعد قادرًا على إدارة حياتي وأسرتي، فقدت الزمام، وتفرق الأمر بين حاكم عسكري يعد أنفاسك وبين رفض أولادي لكل ما حرصت على توريثه لهم من قيم أخذناها عمن سبقونا، ماذا أفعل؟ وكيف؟ لا أدري.بعد أن دانت الأمور لحكومة اليهود بدأت رحلة جديدة في مأساتنا أشد قسوةً وألمًا مما يمكن لأي عقل تخيله. بدؤوا بمحو ذاكرتنا، هوّدوا مدننا، وغيروا أسماءها وأسماء شوارعها وأسواقها ومرافقها كافة، ومرافق تاريخها أكبر من عمرهم في التاريخ كله”.    

   أما جيل الأبناء فالمسافة بينهم وبين فلسطين تبدأ بالاتساع. ويكون همهم الأساس العمل أو الزواج وتحسين الظروف الاقتصادية وبناء المستقبل. وهنا قد تظهر ازدواجية الانتماء لتكون فلسطين حاضرة في الذاكرة، لكنها غائبة عن التجربة اليومية. وهذا ما قد نلحظه في شخصية إسماعيل إبن يوسف الذي رغب في أن يكون جزءًا من السوق وصاحب ثروة، وأن يكون جزءًا من دورة عجلة الاستهلاك. لن يكلف نفسه بالندم أو الإحساس بالخطيئة إذا ما سار إلى حلمه الذي لم يعد معنيًا بسواه، سيعمل بكل طاقته لأجل هذا الهدف الذي من أجله سافر للعمل في إحدى دول الخليج ليعود مع عائلته ويبني لهم فيلا في جبل عمّان.

كذلك فإن فتحي ابن عمه صالح والذي بقي في يافا فقد انتسب للحزب الشيوعي الإسرائيلي لقد أصبح وأفراد عائلته يحملون بطاقات هوية من الاحتلال وكان عليهم الانسجام مع هذه البطاقات التي لا تمت إليهم بصلة، وأن يخلصوا لها، ومن ثم يصبحون بعضًا من أدواته”. إنها مهمةٌ تحطم كل ما في داخلك، فهي تخلق منك مسخًا يرضى عنه كيان جديد، وفيه عليك التنكر لذاتك ولكل من غادر من أحبائك، وأن تمحو معتقداتك السابقة من صدرك وعقلك”. 

 بالحديث عن الجيل الثالث وهو الأحفاد،هذا الجيل الذي ولد وبقي في الداخل الفلسطيني بعد النكبة ، فالمسافة تزداد تعقيدًا. فبالنسبة إلى بعضهم، تصبح فلسطين حكاية عائلية موروثة أكثر مما هي تجربة عاشوها. وقد تتراجع القضية الوطنية أمام قضايا أخرى في مجتمعهم الجديد والبحث عن هوية خاصة لا تكون بالضرورة نسخة عن هوية الآباء والأجداد. هم أقبلوا على الدنيا بقليل من حكايا وذكريات الأجداد التي سمعوها عرضًا من أبائهم وأجدادهم، حكايا خاطبت وجدانهم وغاصت عميقًا في جيناتهم. في هذه الظروف بدأ الاحفاد بصناعة جيناتهم التي سوف تقودهم في حياتهم القادمة، لذا كانوا ينظرون إلى الماضي بأنه غير صالح لحاضرهم فقد عفا عليه الزمن، وعليهم ألا يغرقوا فيه، انصبت أنظارهم على التعليم، بخاصة مهن الطب والصيدلة، لأنها تؤهلهم للعمل في أوساط محترمة، وتجلب لهم دخلًا جيدًا.بسبب كل ذلك، بدأ الأحفاد ينظرون لآبائهم وأجدادهم بازدراء واحتقار، يتهمونهم بالاستسلام السهل للاذلال والإهانات، والتخلي عن كرامتهم وهويتهم دون مقاومة أو نضال. تمردوا عليهم، بعدم إطاعتهم في كثير من الأمور، لقد هجرتهم جينات أجدادهم التي سرقت، وهم الآن يحاولون الحصول على جينات جديدة تمامًا، لا تحمل شيئًا من تاريخهم وحياة أجدادهم. ومن هؤلاء الأحفاد تشير الرواية إلى الحفيد صالح وهو إبن فتحي فتصفه بأنه أصبح (صالحان)، ففي المدرسة يتحدث العبرية بطلاقة، وفي المنزل يتحدث العربية بلهجة فلسطينية بطلاقة وبارتياح. وفي المدرسة أيضًا، يستمع لتاريخ يعرف أن عمره أصغر من عمر أرصفة شوارع البلدة التي يقطن فيها مع عائلته. كل شيء هنا يحمل صورتين، صورة تؤكد له أن ثمة عالمين، عالمًا لا يستشعر جذوره لكن عليه التفاعل معه، وعالمًا يدرك بأنه هو المركب الجيني الأصلي له داخل بيته ومجتمعه العربي المحيط به. لقد انتسب كما والده إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وسافرإلى “هنغاريا” لدراسة الصيدلة بمنحة من الحزب. كما تبرز الرواية الصراع الداخلي الذي يعيشه صالح الإبن فهو يعاني من عقدتين رئيسيتين تخنقانه باستمرار، أولهما أنه عضو في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والثانية اعتقاده أن عالم أبيه وجده قد انتهى ولا يصلح للبقاء، فكيف يستطيع الخلاص من كل هذا الإرث المعقد الذي يخنقه وهل من سبيل إلى خلاص أبدي، وحياة بلا متناقضات وعلاقات بلا حسابات، وحياة بلا سياسة وأحزاب”. لذا نجده قد استغرق في حياته الجديدة، وأصبح يتقبل ما هو عليه الحال في البلاد. غطى ما تبقى من جيناته الأصلية ليحصل على ما يريد واعتبر زياراته القليلة لأبناء عمومته في الضفة تعويضًا لإخفاء جيناته، فهو برغم انسلاخه عنها شكليًا، إلا أنه يحافظ عليها في أعماقه، كما كان يوهم نفسه.

 هذا التباين في الإهتمامات بين هذه الأجيال الثلاثة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خيانة للقضية. فالذي ولد في المخيم ليس كالذي ولد في الخارج والذي حمل مفتاح بيته القديم ليس كالذي لم يرَ ذلك البيت إلا في صورة أو حكاية. فالشتات لا يشتت الجغرافيا فقط، بل يعيد تشكيل الإنسان نفسه . هذا التمايز بين أجيال الرواية يضعنا أمام أسئلتهم، فالجيل الأول يسأل هل سنعود ومتى؟ والجيل الثاني قد يسأل: هل نستطيع ان نحافظ على هويتنا ونحن نعيش بعيدًا عن الوطن؟ أما الجيل الثالث فقد يسأل: ماذا تعني فلسطين بالنسبة إليّ وأنا لم أعش فيها؟ وهذه الأسئلة تكشف تطور العلاقة بالقضية من المباشر إلى الموروث، ومن التجربة إلى الوعي، ومن الذاكرة إلى البحث عن المعنى.

   تشير الرواية إلى ذاك الصراع الذي عبر عنه الكاتب بصراع الجينات الموروثة وتلك المستحدثة او المفروضة على الفلسطيني اللاجىء الذي أينما ذهب عليه أن “يبدأ باقتناء جينات جديدة لا تشبهه بشيء بحيث أصبح يعيش في صورتين ويفكر بطريقتين لكنه يحزن بقلب واحد.” ومن الأمثلة التي أوردها الكاتب عن مثل هذا التجاذب حال صالح وأفراد عائلته الذين حملوا بطاقات هوية من الإحتلال وعليهم الإنسجام معها، ومثله حال لطفي ابن فتحي الذي اسس فرقة موسيقية مع شبان فلسطينيين ويهود وكم كانت حيرته وحسرته عندما يطالبه الجمهور بإنشاد ال”هاتكفاه”. وفي المدرسة يتكلم العبرية ويستمع لنشيد دولة وليدة بدون تاريخ لكنه في المنزل تكون اللهجة الفلسطينية هي الطاغية.  

 وبالرغم من كل هذا الصراع الذي عاشه جيل الابناء والأحفاد بين الجينات الموروثة والجينات الهجينة إلا أنهم حملوا على عاتقهم حلمًا جديدًا، وهو إنهاء الاحتلال، وانشغل فتحي ورفاقه بتأسيس “هيئة الدفاع عن الأرض”،وبرز إسم الشاعر والمناضل توفيق زيّاد الذي يعتبر في نظر الكثيرين بطلًا قوميًا، كما تشير الرواية إلى بدايات العمل الفدائي المنظم والمقاومة المسلحة، فها هو يسري حفيد يوسف يتحدث عن المقاومة المسلحة بأنها هي فقط السبيل لتحرير أرض أجداده. فكانت طوابير المتطوعين تخرج للتدريب عند الفجر من المخيم إلى السهول والجبال الشرقية، حيث يغيبون إلى آخر النهار، وأحيانًا يتجاوزون ذلك، وكان يسري يرافق مجموعته على الدوام.

  في هذه الرواية لم تغب خيبة الأمل التي تكونت لدى الفلسطيني نتيجة ما لمسه من تخاذل عربي لنصرة قضيته، وقد لخص الكاتب هذه الخيبة بما ورد على لسان إحدى شخصياته عندما وصف “جنود الجيش العربي يحملون أكياس الخبز والارز لتوزيعها على اللاجئين بينما فوهات مدافع كتائبهم منكسة لا تستطيع رفع رأسها إلى أعلى”. وفي إشارة إلى ما سمي بنكسة 67 وبعد ان انقشعت سماء الحقيقة بعد تلبدها بغيوم البيانات الحماسية والأغاني القومية وإلقاء اليهود في البحر، لتنحت في ذاكرة العرب اسم هزيمة جديدة، صعقت الجد أحمد وعائلته، وحملت اسم “النّكسة”، وفيها احتلت إسرائيل الضفة الغربية والجولان وسيناء وقطاع غزة، متمّمة بذلك احتلال فلسطين وجزءًا من الأراضي العربية في سوريا ومصر.ليتساءل الحج أحمد قائلَا: “إذًا بعد النكبة نكسة… شو رح نسمي المصيبة الجاية؟”.  

 كما نلحظ إشارة ملفتة من الكاتب إلى المستعمر الغربي بشقيّه الأميركي والبريطاني والذي تجسد بشخصيات كل من سام الأميركي وجيمس الإنكيزي وابنه، وكيف استطاع هذا المستعمر نهب ثروات المنطقة عبر شركاته وأنشطتها المتنوعة وتحويل المجتمع العربي إلى سوق استهلاكي كبير يلهث أفراده وراء الماركات العالمية والسلع الأجنبية.

 كلمة أخيرة نقول أن شظايا الذاكرة كتبت لتحول الذكريات من ذكريات فردية إلى إرث إنساني وكتبت أيضا لتحمي الحقيقة من الضياع ولتصون الهوية من المحو فالشعوب التي تكتب ذاكرتها لا تموت. رواية شظايا الذاكرة لا تحكي حكاية عائلة فلسطينية تفرقت في المنافي فحسب، وإنما تحكي رحلة القضية الفلسطينية داخل الوعي الإنساني عبر ثلاثة أجيال. فالاقتلاع الأول كان اقتلاعًا من المكان، لكن الشتات الطويل أضاف اقتلاعات أخرى: اقتلاعًا من الذاكرة، وتبدلًا في الأولويات، وتحوّلًا في مفهوم الوطن. ومع ذلك، فإن تراجع حضور فلسطين في حياة بعض الأبناء والأحفاد لا يعني بالضرورة نهايتها، فقد تعود القضية من أبواب أخرى: من حكاية الجد، أو صورة قديمة، أو مفتاح صدئ، أو اسم قرية، أو قبر بعيد، أو رواية يكتبها أحدهم كما فعل الاستاذ محمد سرسك وهنا تكمن قوة الرواية: إنها لا تسأل فقط أين ذهب الفلسطيني بعد أن فقد وطنه، بل تسأل أيضًا: ماذا فعل الزمن بالفلسطيني، وماذا فعل الفلسطيني بذاكرته، وكيف يمكن لقضية عمرها أجيال أن تنتقل من الذاكرة إلى الوعي، ومن الوعي إلى فعل يحفظ الحق؟ ويبقى السؤال يطرح نفسه : هل يمكن أن تبقى القضية الفلسطينية حيّة إذا تحولت من تجربة معيشة إلى ذاكرة موروثة؟

 

عفيف قاووق – لبنان