المجلة الثقافية الجزائرية

الأخرس

صالح جبار خلفاوي 
البارحة قررت قبل النوم أن أنقل قبري إلى مكان مجهول لأني اكتشفت أنهم اغتالوا ظلي. 
تورمت مشاعري جراء نزيف أعضائي المركبة بصورة مخالفة للسائد من المعتاد..
رأيت فمي ممحوا من رأسي. لم تظهر أسناني المنخورة في المرآة. فكرت أن السبب قد يكون في المرآة التي نست أن تغسل وجهها عند الصباح فبقيت نتوءات عالقة في خدها الأيمن.. اختفت حاسة من حواسي العشرين.. تصورت أني من بقايا العمالقة الذين اختفوا في ظروف غامضة ما بين عمان والبحرين، يقال أن الرمال ابتلعتهم ومن وقتها جفت في بدني صلة الرد على الأسئلة. 
أحدق في ملامحه وفي وداخلي يمور ألف سؤال: أين رأيت هذا الوجه..؟ حاجباه الغليظان نظراته الحادة ابتسامته الساخرة..
شعره المنسرح بلونه الأسود نحو أذنيه المربوطتين بصيوان يشبه قرصاً مدمجاً. 
حاولت الحديث معه.. لكن القرود لحست سقف رأسي فتبخرت الأحرف وخفت بريقها.. وبرزت جمجمتي التي تحولت إلى كوة مغلقة لا أرى من خلالها سوى بصيص ضوء منحسر.. تركني واقفا وسط علامات الدهشة التي غزت حدقاتي الجافة لمنظر مشوه لم أستسغه لكني مجبر على القبول به.
قبل شروق الشمس كانت زقزقة العصافير ونداءات الديكة.. تخبر أمي أن هذه الأصوات لها تسبيحاتها التي لا نفهمها.. فكانت ترجع إلى غرفتها لتعيد صلوات يومها بارتعاش مبكي.. بقيت ملامح الأخرس مطبوعة في ذاكرتي تسري وفي تفاصيل حركتي اليومية.. سحنته تشبه سحنة هندي بائس..
آخر مرة رأيته فيها كان قد انقلب على عالمه المكتظ بالسكوت ليتحول إلى كائن متخبط يقع بالفواحش والدنس وليستعير ضحكة توحي بالتحلل.. أنه اضطراب في الشخصية ينبع من الزيف الرائج وسط بوتقات الأمراض والأوبئة التي ملأت التاريخ  وحصدت الملايين ولم تتوقف، ترى ما كان  وقع الطاعون لما ألقى التتر  نيرانهم على  بغداد التي كانت تعاني من حمى النفاس سببه فايروس غير مكتشف أنه  طعم المرارة،   يشبه نكهة الذل حين تشتعل الحروب على اختلافها بلا ضمير.. من هنا قررت نقل قبري الى اللامكان!