المجلة الثقافية الجزائرية

الإنجليزية في الثالثة… والفرنسية في الرابعة: ماذا عن الطفل؟

وهيبة جمال عبد الكريم 

أعلن وزير التربية الوطنية اعتماد اللغة الإنجليزية لغةً أجنبية وحيدة في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، على أن يبدأ تدريس اللغة الفرنسية ابتداءً من السنة الرابعة، وذلك ضمن مراجعة تنظيم تدريس اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية ابتداءً من الدخول المدرسي 2026-2027.

لكن خلف هذا القرار الذي أثار نقاشًا واسعًا، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل يحتاج طفل في الثامنة من عمره إلى أن يحمل حقيبةً مليئةً باللغات، أم أنه يحتاج أولًا إلى أن يحب المدرسة؟

فمنذ الإعلان عن تدريس الإنجليزية في السنة الثالثة وتأجيل الفرنسية إلى السنة الرابعة، انقسمت الآراء بين من اعتبر القرار خطوةً نحو مواكبة لغة المستقبل ومتطلبات العصر، ومن رآه مجرد تغيير في ترتيب المواد الدراسية. لكن وسط هذا الجدل، غاب السؤال الأهم: ماذا عن الطفل نفسه؟ هل فكرنا في الكيفية التي سيتلقى بها هذه التحولات؟ وهل يكفي تغيير توقيت تدريس اللغات لتحقيق إصلاح تربوي حقيقي؟

قد يمتلك الأطفال قدرة كبيرة على اكتساب اللغات في سن مبكرة، فمرحلة الطفولة تُعد من المراحل التي يكون فيها التعلم أكثر مرونة واستعدادًا لاستقبال المعارف الجديدة. لكن هذه القدرة وحدها لا تكفي، فالطفل لا يتعلم داخل بيئة مثالية معزولة، بل داخل قسم له ظروفه، ومعلم يبذل جهده، ومنهج قد يثقل كاهله أكثر مما يثير فضوله. لذلك، فإن نجاح أي إصلاح لا يرتبط بعمر المتعلم وحده، بل بمدى جاهزية البيئة التعليمية التي تحتضنه.

كما أن الطفل في هذه المرحلة لا يزال يبني أساسه في القراءة والكتابة والتعبير بلغته الأم. فإذا كانت هذه الأسس متينة، فإن تعلم لغة جديدة يصبح أكثر سهولة وفاعلية. أما إذا كانت هشة، فإن التحدي لن يكون في الإنجليزية أو الفرنسية بحد ذاتهما، وإنما في غياب قاعدة تعليمية صلبة ينطلق منها المتعلم.

لا أحد ينكر المكانة العالمية للغة الإنجليزية، فهي اليوم لغة البحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد والاتصال الدولي، وأصبح إتقانها ضرورة أكثر منه خيارًا. ومن هذا المنطلق، يبدو منحها مكانة أكبر في المدرسة الجزائرية خطوة تنسجم مع التحولات التي يشهدها العالم.

لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي تقديم تدريس الإنجليزية على الفرنسية بسنة واحدة لتحقيق الأهداف المرجوة؟ أم أن فاعلية أي لغة داخل المدرسة لا ترتبط فقط بموعد تدريسها، بل بالطريقة التي تُقدَّم بها، والوسائل التي تُسخَّر لإنجاحها؟

إن الإصلاح التربوي الحقيقي لا يبدأ بتغيير ترتيب اللغات فقط، بل يبدأ من تحسين جودة التعليم، وتكوين المعلمين، وتخفيف الاكتظاظ، وإعداد مناهج تجعل الطفل يكتشف اللغة بالممارسة والحوار، لا بالحفظ والتلقين.

فالتحدي الحقيقي ليس في اختيار الإنجليزية أو الفرنسية، وإنما في قدرة المدرسة على تقديم أي لغة بطريقة تجعلها وسيلة للفهم والتواصل، لا عبئًا إضافيًا على المتعلم. وربما لا يكمن القلق في إدخال لغة جديدة، بقدر ما يكمن في كثرة التغييرات التي لا تُمنح دائمًا الوقت الكافي للتقييم ومعرفة نتائجها قبل الانتقال إلى إصلاح جديد.

لذلك، فإن قيمة هذا القرار لن تُقاس بتاريخ دخوله حيز التنفيذ، بل بما سيحققه على أرض الواقع بعد سنوات: هل سيخرج تلميذًا قادرًا على التواصل والفهم، أم سيضيف مادة جديدة إلى قائمة المواد التي يحفظها ثم ينساها؟

وربما ينجح هذا القرار، وربما يكشف التطبيق عن تحديات لم تكن في الحسبان، فكل إصلاح تربوي يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه الحقيقية. لكن ما ينبغي ألا نغفله هو أن الطفل ليس حقلًا للتجارب، بل هو الغاية التي وُجدت من أجلها كل إصلاحات التعليم.

إن الإصلاح التربوي لا يبدأ من اسم اللغة، بل من جودة التعليم. فقد نُغيّر الكتب، ونُعدّل البرامج، ونُبدّل ترتيب المواد، لكننا قد لا نحقق الأهداف المرجوة إذا ظل الطفل يتعلم بالحفظ أكثر مما يتعلم بالفهم، وإذا بقي القسم مكتظًا، والمعلم مثقلًا، والوقت غير كافٍ.

وربما لا يكون القلق من الإنجليزية ولا من الفرنسية، بل من كثرة التغييرات التي لا تُمنح دائمًا الوقت الكافي لتُقيَّم نتائجها قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة.

لسنا بحاجة إلى أن نختلف حول أي اللغتين أولى، بل إلى أن نتفق على أن الطفل هو الأول. فإذا خرج من المدرسة وهو يحب التعلم، ويتقن ما تعلمه، فقد نجح الإصلاح. أما إذا خرج مثقلًا بالكتب، مشتتًا بين المناهج، فإن المشكلة لن تكون في الإنجليزية ولا في الفرنسية، بل في الطريقة التي نفكر بها في التعليم.

فهل نعيد ترتيب اللغات فقط… أم نعيد ترتيب أولوياتنا أيضًا؟