بقلم محمد بصري*
في زمن قريب جدا كان الفلاسفة يُحذِّرون من الآلة والتقنية. ويبشرون بمستقبل مريب ومشؤوم ينتظر البشرية ويهددها في وجودها الآدمي ويمتد إلى حضورها الانساني الأنطولوجي بل يهدم البنية البيولوجية والجينوم البشري بفعل الأثر السلبي للتقنية والميكانيكا. الحداثة لم تبشر الانسان إلا بما يخدم نوازعه المادية وشهوته التقنية للتسلط والسلطة وغريزة المعرفة .يعتبر الذكاء الاصطناعي طفرة ونموذج لاختراق رهيب للتقنية و لما هو انساني وروحي بل هو الذروة النهائية القصوى للآلية ما يجعلنا نتساءل .
هل يمكن أن يعوض الذكاء الاصطناعيintelligence artificielle المُعلم والمُدرس بل بالأحرى هل يمكن أن يمثل الذكاء الاصطناعي بديلا تقويميا وتقيميا؟ هل يمكن أن تُقوِّم الآلة الاصطناعية والرقمية تعلمات التلميذ وتعتمد كوسيلة اشهادية تتوج مراس تعليمي سنوي وتنهيه تقيميا؟
مابعد الحداثة postmodernisme أفرزت نمطا من الذكاء الهجين والخطير هو ميلاد لتركيبة تقنية جينية آلية بين ذكاء البشر و التقنية، فالخوارزميات بإمكانها أن تحل أعقد المشاكل الثقافية والعلمية والتطبيقية بضغطة زر. هذا التواطؤ الغريب بإمكانه أن يعيد تشكيل العلاقة بين البشر ذاتهم وبينهم وبين النفوذ الغريب للتقنية.
يثار تفعيل الذكاء الاصطناعي في التحصيل الدراسي كآلية لإرساء دعائم الفهم والتفكير في مخرجات التعليم وتأسيسه في مخيال المتمدرسين، ويكون بذلك قد تجاوز بمراحل كبيرة التعليم الكلاسيكي القائم على الوسائط العتيقة، بل إن التعليم باللوح الالكتروني أو السبورة العجيبة أصبح بدائيا مقارنة بهذا النمط الجديد من الذكاءات المابعد حداثية .
الحديث عن استراتيجيات التقويم والديسيمولوجيا Docimology ( علم التقويم والامتحانات)الحديثة لمواكبة العصرنة الفعل التربوي وتوظيف التقنية في تنمية تمهير التلاميذ والطلبة تحت مفهوم الانسجام مع التنمية المستدامة.في القرن العشرين .
. يتجه المفكر هاورد غارنر Howard Gardner في نظرية الذكاءات المتعددة Theory of multiple intelligences الذكاء إلى تقسيمها أنواعا : لغوي / موسيقي/ مجرد /اجتماعي /نفسي /معرفي/جسدي أو فيزيولوجي/ اقتصادي كان عليه أن يضيف نمطا جديدا هو الذكاء التقني حين تبتلع الآلة النماذج الحية للذكاء وُتحولها إلى خوارزميات وبيانات في الداتا data.
ما السبيل لتحقيق أجرأة تقنية موضوعية في تقويم أعمال ومنتوج التلاميذ في البكالوريا؟ بمعنى تعويض المصحح بالتقنية المعاصرة بدل تحشيد الأساتذة في مراكز التقويم وهذا ينطبق على المجال التطبيقي العالمي في الأنظمة التربوية الدولية التي مازال فيها التقييم بشريا نافذا يخضع لإجراءات تقنية معقدة ومركبة تنظيميا ترهق خزينة الدول ماليا وماديا وتضع الجهد البشري أمام نمط من الاستلاب التعليمي الجبري.
الأستاذ المقوم وفق نصوص تشريعية ومدرسية يقوم ويقيم أداء وعمل التلاميذ بناءا على سلالم تنقيط بشرية أو اجتهادات انسانية مغلقة هي حصيلة لتنفيذ منهاج وقراءة في برامج تربوية و مختلف المواد والبرامج التعلمية والمعرفية والبيداغوجية .
ما يؤهل الأستاذ للتصحيح هو الخبرة ومشروعية التدريس التي تحيل إلى مشروعية التقويم.هذا ينقلنا إلى فتح امكانية دمج الذكاء الاصطناعي في التقويم و الامتحانات الاشهادية “البكالوريا ” والفلسفة نموذجا ” .في زمن قريب معمول به كانت مهمة الديسمولوجيا هي تقليص نسب الخطأ في تقييم منتوج وأوراق التلاميذ وهو ما أشار اليه كارينجي في علم الديسمولوجيا وجاءت توصياته كالآتي :
1_ أثر الانجذاب المركزيéffet centripété L: أي أن السلم التنقيطي من 0الى 20 مجرد تنقيط نظري .
2_ التضاد : تصحيح ورقة ما تنعكس سلبا على الاوراق التي تأتي بعدها ( الورقة الجيدة في رأي المصحح تنعكس على التي تأتي بعدها )
3_ أثر العدوى : التأثر بالآراء القيمية الأخرى ( التأثر بسرعة مصحح أو رأيه في سلم التنقيط ) .
يؤكد كارينجي أن المواد المختلفة تختلف حسب تراتبيتها في التجريد والدقة والاختلاف من المجال المادي الحسي إلى الانساني العقلاني فورقة التلميذ والمترشح في الرياضيات تحتاج من 13 إلى 20 مصحح كي نصل إلى النقطة القارة، كذلك الفيزياء من 17 إلى 20 هذا يمتد إلى اللغات الاجنبية الانجليزية والفرنسية من 40 إلى 60 مصحح أما الحديث عن المنتوج الفلسفي فهناك عزاء تقويمي جديد واحراج رهيب ، فنموذج الاجابة يحتاج إلى أكثر من 120 محاولة تصحيح حتى نصل إلى نقطة نهائية كاملة .وهنا تكمن صعوبة القياس بسبب تعقيد المؤشرات بلغة مقاربة الكفاءات فمن المستحيل أن نصل إلى كفايات التحليل والنقد والتركيب والحجاج والبرهنة اللهم إلا بصورة نسبية .هذه الثغرة التقويمية مدعاتها الضعف البشري والتعب والنقص في التركيز رغم تراكمات التجربة البشرية التعليمية لذا قد نجد تعدد المصححين الذين يتناوبون على تقييم أوراق التلاميذ وإجاباتهم هو حل إجرائي ولكنه مؤقت ، بالمقابل المفارقة الغريبة لروجيريس كزافيي Xavier Roegiers الذي يرى أن :التقويم في الفلسفة يكاد يكون خيانة ( خيانة المصحح , فنحن ندرس لكن نهدم ما قمنا بتبليغه من مضامين و كفاءات بإغفالنا لطرائق و أنواع التقويم و الكيفيات المثلى لتطبيق خارطة تربوية عميقة للتقويم ( و لا بأس هنا أن نشير الى الأنواع التى تقترحها مقاربة الكفاءات استنادا إلى المقاربات الكلاسيكية العتيقة والمتمثلة :
1_ التقويم التشخيصي : يكون في بداية الحصة أو الموسم الدراسي .
2_ التقويم المرحلي : يوظف في كل مراحل و تمفصلات العملية التعلمية
3_ التقويم البعدي أو النهائي و الشامل: يكون في نهاية الحصة أو الموسم الدراسي
لذا يقترح كزافيي مبادئ في التقويم البراغماتية و الصدق والثبات والغائية.
تفعيل الذكاء .الاصطناعي في معالجة معارف المتعلمين واتخاذ القرار التقويمي يستند إلى جهد تقني عميق يبدأ من الانسجام والتوافق مع الجزء الطبيعي في البشر أو ما يدعى محاكاة من خلال تجميع البيانات والمعلومات وتبيئتها تربويا وخلق نمط من التآزر اللامرئي بين الحاسوب والإنسان. وفي هذا الاتجاه يمكننا الحديث عن تحسين أداء التقويم وتأهيله نحو الدقة المتناهية والصارمة ونكون قد مهدنا إلى المعلم الآلي الذكي بعدما نكون قد استأنسنا وأذعنا إلى تجربة التقويم الاصطناعي الذكي. بمعنى هل يمكنا أن نرى مستقبلا في القرية الذكية مراكز رقمية يوجهها مهندس في الاعلامي الآلي عالم في ميدانه خبير في صنعته، كبديل لمراكز تضم المئات بل الآلاف من المصححين والإداريين والمشرفين والأعوان.
رغم أنه تصور مثالي غارق في التجريد والطوباوية لكن أمام تمدد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تقييم الطلبة خاصة الجامعة حيث يكون هناك مقوم آلي اتجاه إجابة آلية ولله الامر من قبل ومن بعد .
*باحث جزائري





