حبيب مونسي
تقديم: يطرح “طه عبد الرّحمن” في كتابه “حقّ العرب في التّباين الفلسفي” إشكالاً جوهرياً يمسّ صميم العلاقة بين الفكر العربي والحداثة الفلسفية الغربية متسائلا هل الفلسفة معرفة كونية محايدة؟ أم أنّها نتاج سياقات ثقافية ولغوية خاصّة تفرض نفسها بوصفها كونية؟ وما هو الموقف الذي ينبغي أن يتّخذه العقل العربي إزاء هذا التّحدي؟ يجيب “طه عبد الرّحمن” عن هذه الأسئلة من خلال بناء مشروع فلسفي متكامل يقوم على فكرة “الحقّ الطّبيعي في الاختلاف”، لا بوصفه نزعة انعزالية، بل كشرط للحرّية الفكرية الأصيلة وللحوار الحضاري المتكافئ.
أولاً: الاختلاف الفلسفي كحقّ طبيعي:
يؤسس “طه عبد الرّحمن” مفهوم “الحق في الاختلاف” على قاعدة إبستمولوجية راسخة وهي أنّ التّفلسف حقّ طبيعي للإنسان، لا تخترعه المؤسّسات ولا تمنحه القوانين، ولا تستطيع أيّ سلطة مصادرته. وهذا الحقّ -في جوهره- لا يتحقّق إلاّ من خلال ممارسة الاختلاف؛ فالاختلاف الفلسفي هو “الشّاهد الأول والأبرز على ممارسة حقّ التّفلسف”، وهو المظهر الأجلى للحرّية الفلسفية. فالحرية لا توجد كحقّ مجرّد، بل تتجسّد في قدرة الذّات على التّباين عن غيرها، ممّا يجعل فعل الاختلاف برهاناً على حيوية العقل وتحرّره من الوصاية.
وهنا تبرز دقّة التّمييز الذي يقدّمه المؤلّف بين مستويين من الاختلاف: (اختلاف داخلي) يتولّد داخل المجال التّداولي الواحد، وهو اختلاف تغذيه آليات الحوار والمناظرة، ويهدف إلى إثراء الفكر وتحريك ركوده؛ و(اختلاف خارجي) بين دوائر حضارية وتراثات فلسفية متباعدة لا تقوم على أصول معرفية مشتركة. وهذا النّوع الثّاني هو محور أطروحة “طه عبد الرّحمن”، لأنّه يتعلّق بالحفاظ على هوية الذّات الثّقافية في مواجهة الهيمنة المعرفية.
ثانياً: تفكيك دعوى “كونية الفلسفة”:
إنّ أخطر ما يواجه مشروع الاستقلال الفلسفي العربي، في نظر “طه عبد الرّحمن”، هو الدّعوى التي تزعم أنّ الفلسفة “معرفة عقلية كونية تشمل الجميع”. وهذه الدّعوى ليست بريئة، بل هي في واقعها أداة هيمنة ثقافية تهدف إلى “الحيلولة بين العرب وبين ممارسة حريتهم الفكرية، وفرض وصاية معرفية تجعلهم تابعين لغيرهم في التّفكير”. فما يُقدّم على أنّه كوني إنّما هو في حقيقته خصوصية “آخر” فُرضت بالقوّة المعرفية، وأُلبست ثوب العالمية لتُبثّ في الأمم الأخرى “إرسالاً” كحقائق ناجزة لا تقبل الشّك.
وهنا يكمن الوجه الإبستمولوجي الخطير لهذه الآلية: حين تأتينا الفلسفة “إرسالاً”، أي كمسلمات نهائية، فإنّها تحوّل العقل العربي من حالة “الفاحص النّاقد” إلى حالة “المتلقي المستسلم”، وتغلق باب الاجتهاد والتّجديد. ولذلك يرى المؤلف أنّ “أقرب الطّرق التي توصل إلى إبداع فلسفة عربية خاصّة هو النّظر في هذه الدّعاوى نفسها التي يرسلونها إلينا إرسالاً”. ففعل “النّظر” هنا ليس تأملاً سلبياً، بل هو نقد منهجي يكشف الأسس التي تقوم عليها تلك الدّعاوى، ويُفنّد ادعاءاتها المطلقة.
ثالثاً: الاختلاف الخارجي كحماية للذّات الحضارية:
يلعب الاختلاف الفلسفي الخارجي دوراً محورياً في حماية الذّات العربية من التّبعية الفكرية والجمود المعرفي وذلك عبر آليات عدّة:
1- يكسر هذا الاختلاف احتكار “الفكر الواحد” الذي تسعى القوى المهيمنة إلى فرضه تحت غطاء العولمة الثّقافية. فالمعارضة الفلسفية تكشف أنّ ما يُروّج له على أنّه فلسفة كونية ليس سوى فلسفة قومية خاصّة، ناتجة عن سياق تاريخي ولغوي مخصوص، وبالتالي لا ينبغي إسقاطها على بيئات ثقافية أخرى.
2- يحرر الاختلاف الإرادة من سلطة “الأمر الواقع” التي تستعمل سياسياً وثقافياً لإكراه الشّعوب على القبول بالواقع السّائد كأمر لا يرتفع. ومن خلال الاعتراض الفلسفي، يستبدل المتفلسف العربي مقولة “الأمر الواقع” بمقولة “الواقع يتغيّر”، ممّا يفتح آفاق الفعل والإبداع المستقل.
3- يحفظ الاختلاف الصّلة بين المفاهيم الفلسفية والقيم المأصولة في المجال التّداولي العربي الإسلامي. فحين تقبل الأمّة الفلسفات الوافدة دون ممارسة حقّ الاختلاف، تقع في مغبة استيراد مفاهيم جافّة لا صلة لها ببيئتها، بينما الاختلاف الخارجي يشترط ربط المفاهيم بالقيم الدّينية والأخلاقية واللّغوية السّائدة، محولاً الفلسفة من تنظير مقلّد إلى أداة عملية حيّة.
4- يؤسّس الاختلاف لحوار كوني متكافئ، فالاختلاف لا يعني الانعزال، بل هو شرط قيام حوار حقيقي بين الحضارات. فبدون الاختلاف، يتحوّل الحوار إلى إملاءٍ صامتٍ من طرف مُهيمن وتلقين أعمى من طرف تابع. أمّا في ظل التّمسك بالاختلاف الخارجي، فإنّ الذّات تدخل الحوار بصفتها منتجاً ومبدعاً، لا مجرد ناقل أو مستهلك.
رابعاً: اللّغة والهوية في الإبداع الفلسفي:
يربط “طه عبد الرّحمن” بين اللّغة والهويّة الفلسفية ربطاً بنيوياً وثيقاً، معتبراً أنّ اللّغة ليست وعاءً محايداً، بل هي المحدّد الأساسي للإبداع الفلسفي. ويرفض بشدّة “أسطورة استقلال المضمون عن الشّكل اللّغوي”، ويؤكد على التّلازم المتبادل بين اللّفظ والمعنى. فالأصل أن “الاستشكال والاستدلال الفلسفي يجب أن يُصاغ وفقاً للأشكال النّصية والخصائص البلاغية للّسان الذي يوضع به هذا القول”. ويؤصل الكاتب لـ “بيانية القول الفلسفي” من خلال التّأكيد على أنّ “لا دليل فلسفي بغير لسان طبيعي”. فمحاولة تبني ترجمات حرفية منقولة دون ربطها باللّسان الطبيعي والمجال التّداولي العربي، يجمّد الطّاقة الدّلالية للمفاهيم ويعطّل فعاليتها التّأثيلية. ويقسم اللّغة الفلسفية إلى شقين متكاملين: (العبارة) التي تخضع لضوابط العقل المجرد، و(الإشارة) التي تفتح آفاق الخيال والتّمثيل الخاص بهوية الأمّة. والإبداع الحقيقي لا يقوم على محاكاة الجانب “العباري” للفلسفات الغربية، بل على التّحقق بالخصوصية الإشارية النّابعة من الموروث اللّغوي والتّاريخي.
وهنا تبرز دعوة “طه عبد الرّحمن” إلى “الإنشاء الفلسفي” بوصفه أعلى مراتب الإبداع أي: تجاوز مجرد الابتكار من الفلسفة الأجنبية إلى القدرة على صياغة قول فلسفي تندمج فيه المعاني بالألفاظ وفق قانون البلاغة العربية. فالكلام الفلسفي الحيّ ينطلق من بلاغة لسان المتلقي ليحقّق للأمّة سيادتها الفكرية واستقلال هويتها.
إن مشروع “طه عبد الرّحمن” ليس دعوة إلى انعزال ثقافي أو رفض للآخر، بل هو تأسيس ل”رشد فلسفي عربي” يمتلك الجرأة على الاختلاف، ويحوّل هذا الاختلاف إلى أفق مفتوح للإبداع الحضاري الكوني المشترك، ولكن من موقع النّدية لا التّبعية. فالحقّ في الاختلاف هو في جوهره تأكيد على أنّ التّفلسف فعل إنساني أصيل، لا يمكن اختزاله في نموذج واحد، وأنّ الحرية الفكرية الحقيقية لا تتحقّق إلاّ حين تمتلك كلّ أمّة قدرتها على صياغة رؤيتها للعالم بلغتها ومفاهيمها، ولا تبالي إن وافقت غيرها أم لم توافقها. وهكذا يتحوّل الاختلاف من عائق إلى شرط، ومن تهديد إلى إثراء، ومن أزمة إلى أفق.
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية





