المجلة الثقافية الجزائرية

الرقطاء وبنت الدهر والسيد الوزير

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

قطع حبل أفكاري وأنا متمدد على فراشي يوم أمس، بعد أن أديت الفريضة وتنسمت الهواء البارد الندي الذي ينساب على ولاية الخرطوم كل صباح، وقد تركت لذهني العنان كما أفعل دائماً، وهو يستعيد لي قليلا من الحاضر وكثيرا من ذكريات الماضي وقليلا أيضا من المستقبليات ،..قطع حبل أفكاري وراحتي كائن صغير كان يطير حولي في خفة وإصرار، وكانت مصيبتي عظيمة عندما اقتربت منه قليلا وادركت أنه البعوضة الرقطاء كما درجنا على تسميتها أو الزاعجة المصرية إيدِس ايجبتاي!

ورغم أن الزاعجة المصرية أو الرقطاء قد قطعت حبل أفكاري وراحتي من حيث لا احتسب، لكنها ادخلتني رغما في حبل آخر من التفكير، يختلف عما كان ذهني يعيد فيه، وقفزت فجأة إلى ذهني الكثير من الأسئلة المتلاحقة المزعجة؛ هل عادت الرقطاء وأخواتها إلى ولاية الخرطوم مجددا بعد أن اختفت جيوشها العام الماضي؟ هل يعني هذا أننا سنشهد في هذا العام ايضا تفشي جديد لوباء حمى الضنك الوخيمة بنس القدر الذي انتشر العام الماضي بصورة مفزعة؟ ألم تعزز الوزارة مناهج الترصد البيولوجي بطريقة منتظمة ودورية بما يكفي للكشف المبكر عن كل هذه الهوام، والتعامل معها من ثم بصورة استباقية؟

   

وقفز إلى ذهني أيضا ذلك البحث الذي كتبته في نفس هذا الشهر من العام الماضي وأنا متوعك بحمى الضنك، عن فاشيات حمى الضنك في ولاية الخرطوم والذي كلفني وقتا وجهدا واستعنت فيه بالمراجع والدراسات، خاصة الدراسة التي امدتني بها الدكتورة “عفاف حسن” عن حمى الضنك: دعوة لتدخلات عاجلة للتصدي لمرض مستجد سريع التوسع، صادرة عن منظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، ومراجع عدة بما يكفي لأن يجعلني أنظر إلى الموضوع باعتباره أكثر من حالة مرضية عابرة (يمكن الرجوع للبحث والدراسة على هذا الرابط https://democraticac.de/?p=106328 ) والذي انتهيت فيه إلى جملة من التوصيات لعلها تجد طريقها لمن يستطيع أن يفعل شيئا، ولم اكتف وقتذاك بنشر البحث في أحد مراكز البحث مثل المركز العربي الديمقراطي بل حرصت أيضا أن يصل إلى وزير الصحة الاتحادي، وكان ما أكده لي زميلي ودفعتي الدكتور “نجم الدين المجذوب” بالادارة العامة للصيدلة، كافيا بالنسبة لي لأطمئن أن البحث وصل بالفعل إلى السيد الوزير. 

ولست هنا بصدد أن أنسب إلى ذلك البحث ما ليس له، ولا أن اقول أن ما حدث بعده كان نتيجة مباشرة لما كتبته، فالأمر اكبر من ذلك بكثير، والإنصاف يقتضي أن نقول أن الوزارة لم تدخر جهدا في تنفيذ بعض التوصيات التي جاءت في البحث وربما في غيره، وأنها بذلت جهدا مقدرا لا يستطيع أحد انكاره، وانتهى الأمر بالفعل إلى انحسار الوباء من الولاية، غير أن الانصاف نفسه يقتضي ألا ننسب كل ذلك إلى جهد الوزارة واداراتها وحدها، فقد حدث في الوقت نفسه ما يشبه المعجزة، حين دخلت البلاد إذ ذاك في موجات من الحر القاسي، وارتفعت معها درجات الحرارة إلى معدلات قياسية كادت أن تقتل البشر أنفسهم، فما بالك بالزواعج وغير الزواعج، وربما كان من نتيجة تلك التداخلات المناخية أن اختفت اسراب البعوض، وقلت زيارات بنت الدهر، وتراجع الوباء والخوف معا، وعاد الناس إلى حياتهم وبدأنا نتعامل مع الأمر كأنه صفحة طويت وانتهت، إلى جاءتني الرقطاء صبيحة اليوم.

وتذكرت وأنا أقول «قلت زيارات بنت الدهر» قول أبي الطيب المتنبي في الحمى:

 أبنت الدهرِ عندي كل بنت** فكيف وصلت أنت من الزحام

فبنت الدهر عند أبي الطيب هي تلك الحمى التي وجدها واحدة من بنات الدهر الكثيرة، أما انا فلا أعرف لماذا خطر لي، وأنا أراقب الزاعجة المصرية وهي تحوم حولي، أن بنات الدهر في زماننا لم يعدن يكتفين بالوصول من الزحام، بل صارت الزيارة تكلف مسكنات ومحاليل وريدية وأدوية فادحة الثمن.

ولأنني لا أعرف إن كانت هذه الزاعجة المصرية التي زارتني هذا الصباح، قد جاءت وحدها أم أنها كانت طليعة لجيوش أخرى، فإنني لن استعجل الحكم عليها، وربما كان من الأفضل أن يترك أمرها لأهل الاختصاص والخبراء في وزارة الصحة والترصد الوبائي، فهم أقدر مني على معرفة ما إذا كان ظهور بعوضة واحدة في هذا الوقت مجرد حادث عابر، أم أنه شيء آخر ينبغي أن يؤخذ في الحسبان، لكن يبقى عندي سؤال واحد لا أجد له جوابا حتى الان، وربما لا يكون السؤال عن الوباء وحده بقدر ما هو عن طريقتنا نحن في النظر إلى الأشياء؛ فهل ينتهي الخطر حقاً حين ينحسر أثره، أم نحن الذين نركن إلى غيابه لمجرد أننا لم نعد نراه، هل كل ما يغيب عن أعيننا يكون قد غاب بالفعل عن حياتنا، أم أن بعض الأشياء لا تفعل أكثر من أنها تتوارى قليلا، وتتركنا نعود إلى عاداتنا القديمة ثم تنتظر اللحظة التي تتهيأ لها فيها الظروف من جديد؟