حسن لمين
كان مقهى “الشرق” يقبع عند ناصية شارع قديم، كأنه آخر ما تبقى من زمن رفض أن يرحل.
كانت ساعة الحائط الضخمة تشير دائما إلى السادسة تماماً، عقربها المكسور تجمد هناك منذ عقود، حتى صار رواد المقهى يتندرون بأن الزمن نفسه يخشى مغادرة هذا المكان. أما “العم منصور”، صاحب المقهى، فكان يجلس خلف منصته الخشبية المرتفعة، يمسح الكؤوس الزجاجية بخرقة رمادية فقدت لونها الأصلي، بينما لا تغادر عيناه الوجوه. لم يكن ينظر إلى الناس بقدر ما كان يقرأ ما تخفيه ملامحهم، حتى شاع بين الزبائن أنه يعرف ما لم يقل أكثر مما يسمع ما يقال.
كان المقهى يعج بأصوات متداخلة؛ لاعبا دومينو يختلفان حول نقطة ضائعة، شيخ يطالع صحيفة صفراء تجاوزها الزمن، وشابان يتجادلان في مباراة كرة قدم لم تنته بعد في ذاكرتهما. رائحة البن المحمص تمتزج بدخان السجائر، فيما تتسلل من النافذة المطلة على الشارع خيوط شمس حارة تعلن أن الصيف بلغ ذروته.
في الزاوية اليمنى، بعيدا عن الضجيج، جلس شاب نحيل يرتدي قميصا أبيض بسيطا منكفئا على دفتر أسود ذي غلاف جلدي مهترئ. كانت يده تتحرك بسرعة فوق الصفحات، كأنها تلاحق فكرة تخشى أن تتبخر. وبين الفينة والأخرى كان يرفع رأسه، يتلفت حوله بحذر، ثم يعود إلى الكتابة، وقد ارتسم على وجهه ذلك التركيز الذي يميز من يكتب أكثر مما يميز من يقرأ.
راقبه العم منصور طويلا، ثم تنهد في صمت، وكأنه رأى المشهد نفسه قبل سنوات بعيدة.
فجأة انفتح باب المقهى بعنف، فاصطدم مصراعه بالجدار، وساد صمت ثقيل. دخل رجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، يرتدي معطفا صوفيا بني اللون، رغم أن حرارة الصيف كانت في أوجها وتدفع الجميع إلى البحث عن الظل. كان المعطف يبدو أثقل من أن يلبس في هذا الفصل، ومع ذلك سار الرجل بثبات، كأن الحرارة لا تعنيه.
توقفت الأحاديث. رفع بعض الزبائن رؤوسهم ثم عادوا إلى أكوابهم متظاهرين بعدم الاكتراث، بينما تبادل آخرون نظرات خاطفة سرعان ما أخفوها. وحده العم منصور لم يتغير وجهه، لكنه توقف عن مسح الكأس التي بين يديه.
اتجه الرجل بخطوات محسوبة نحو الزاوية اليمنى، ولم يحد ببصره عن الشاب الجالس هناك. كانت عيناه الثاقبتان تقتربان قبل أن يقترب جسده.
شعر الشاب بذلك الحضور الثقيل قبل أن يرفع رأسه. وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى تغير لون وجهه، وانقبضت ملامحه فجأة. ارتجفت أصابعه، فأغلق الدفتر بسرعة، وضغط عليه بكلتا يديه، كأنه يحاول أن يحمي شيئا أثمن من الورق.
اقترب الرجل حتى صار واقفا بمحاذاة الطاولة.
قال بصوت أجش يشبه دوي الرعد:
– مساء الخير…
لم يجب الشاب إلا بإيماءة باهتة.
مد الرجل يده الخشنة، وفي حركة خاطفة استل الدفتر من بين يدي الشاب، رغم محاولته اليائسة للاحتفاظ به. ارتطمت الطاولة بالأرض، واهتز فنجان القهوة حتى انسكبت قطرات سوداء على الخشب.
فتح الرجل الدفتر بعنف، والغضب يرتسم على محياه، كأنه يستعد لقراءة اعتراف طال انتظاره.
اقتربت الأنظار من بعيد، وتوقفت أنفاس الجالسين.
لكن…
لم يكن في الدفتر شيء.
صفحات بيضاء، ناصعة كالثلج، تمتد من الغلاف إلى الغلاف، بلا حرف واحد، ولا نقطة حبر، ولا أثر لكتابة.
تجمدت ملامح الرجل، ثم أخذ يقلب الصفحات بسرعة، واحدة تلو الأخرى، وكأن الكلمات ستظهر إذا استعجلها. ازدادت حركته عنفا حتى تناثرت بعض الصفحات المرتخية على الأرض.
أما الشاب، فقد ظل جالسا في مكانه، وقد اختفت من وجهه علامات الخوف، وحل محلها هدوء غريب، أقرب إلى ابتسامة لم تكتمل.
رفع العم منصور رأسه للمرة الأولى منذ دقائق، وأعاد الكأس إلى الرف دون أن يكمل مسحها.
وفي تلك اللحظة… دوى صوت الساعة العتيقة المعلقة على الجدار.
ست دقات متتالية.
مع أن عقربيها لم يتحركا قط منذ عشرات السنين.
*كاتب مغربي


