المجلة الثقافية الجزائرية

السيدة وافلاطون وبوابة التركي

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

 

لماذا يستجيب كثير من الناس، في كثير من الأحيان، للكيفية التي تتجلى وتتضح بها الأشياء أكثر من استجابتهم للأشياء ذاتها؟ ولماذا يكون جل تفكيرهم أن تكون حوائجهم مسموعة ربما بقدر اكبر من حرصهم أن تكون موجودة، وكأن النفس البشرية تنزع، بحكم تكوينها، إلى أن تمنح الأولوية لما يقتحم حواسها قبل أن تعرضه على العقل ؟

 ولمثل هذا السائل أقول: إن المشكلة ليست فى الإنسان بقدر ما هى فى طبيعة النفس الإنسانية نفسها؛ فهى لا تدرك الأشياء دائما بالصورة التى يتصورها المنطق، وإنما بالطريقة التى تستقبلها بها الحواس أولًا، وربما لهذا السبب ظل الفلاسفة، منذ أن جلس أفلاطون يحاور تلاميذه، يختلفون فى تفسيرها أكثر مما اختلفوا فى تفسير كثير من ظواهر الكون والوجود الأخرى.

 ولم يكن هذا السؤال الذي افترضته ناشئا من فراغ، وإنما ساقته إلى ذهنى واقعة صغيرة شهدتها، وأنا أهم بمغادرة المستشفى التركى بولاية الخرطوم قبل أيام، بعد أن صليت الفريضة في مسجد المستشفى، وكانت صيدليتى لا تبعد عن المكان إلا خطوات معدودات، وما إن بلغت بوابة الخروج حتى شق سكون المكان صوت امرأة شابة في مقتبل العمر، كانت تستقل مركبة صغيرة ذات ثلاث عجلات التى اعتدنا أن نسميها “التوكتوك”، كانت تصرخ صرخات متلاحقة مفزعة، على نحو جعل رجال الأمن المكلفين بتنظيم الدخول والخروج ينهضون من مقاعدهم فى فزع ظاهر، وظنوا أول الأمر أن حادثًا خطيرًا قد وقع، فنهضوا من مقاعدهم وسألوا السائق: ” هل هو حادث مروري؟”.. فأجابهم فى توتر : “ولادة… إنها حالة ولادة”. فأشاروا إليه أن يتجه إلى البوابة الأخرى المؤدية إلى قسم الولادة، ثم عاد كل واحد منهم إلى مكانه.

 لم استبعد لحظتها وأنا اغالب ضحكة غصبا عني، أن الأطباء والداية أم الحسن التي تراقب الحوامل كصقر رابض، والسسترات، كلهم قد جمعتهم هذه الصرخات المتعاقبة المفزعة على قلب رجل واحد، وأخذوا كامل استعدادهم تحسبا لهذه الحالة، وهذا أمر طبيعي في هذه الحالة أو غيرها، ولست أقصد بهذا أن الصرخة كانت أمرًا زائدًا أو مبالغًا فيه؛ فالإنسان حين يبلغ به الألم منتهاه قد لا يملك إلا صوته وسيلة للإعلان عن حاله، لكن ما يعنيني هو ذلك القانون الأعمق الذى تكشفه هذه اللحظة الصغيرة: أن الحقيقة، مهما كانت واضحة لصاحبها، قد تظل عاجزة عن الوصول إلى الآخرين ما لم تجد الطريقة المناسبة التى تقدم بها نفسها إليهم، وهنا قد يسألنى سائل: وما الذى يدعو أصلًا إلى تحميل صرخة عابرة كل هذا القدر من التأمل والتفكير؟ أليست امرأة جاءها المخاض فصرخت بعلو صوتها كما تصرخ آلاف النساء كل يوم، ثم انتهى الأمر عند هذا الحد؟.. وسوف أقول: نعم، لو كانت المسألة متعلقة بتلك السيدة وحدها لما استحقت أن يكتب فيها مقال، غير أن الذى لفت انتباهى لم يكن صرختها، وإنما ذلك القانون الإنسانى الذى كشفت عنه تلك الصرخة فى لحظة خاطفة، وهو أن الناس، فى كثير من الأحيان، لا يستجيبون إلى الحقائق فى ذاتها، وإنما إلى الصورة التى تتجلى بها تلك الحقائق، وإلى الكيفية التى تعلن بها عن نفسها، ولعل هذا هو السبب الذى جعلنى أستدعى أفلاطون، لأنه كان من أوائل الذين انتبهوا إلى أن الإنسان لا يعيش دائمًا مع الحقيقة الخالصة، وإنما يعيش، فى جانب غير قليل من حياته، مع ما يقع من تلك الحقيقة تحت سمعه وبصره وإدراكه. 

ولعل أفلاطون لو كان واقفًا يومها عند بوابة المستشفى التركي، لما اهتم كثيرًا بمن صرخ أو لماذا صرخ، بقدر ما كان سيتأمل في تلك اللحظة التي انتقل فيها الناس من ظن إلى يقين، ومن صورة ذهنية إلى حقيقة مكتشفة، وربما كان سيبتسم ابتسامته الفلسفية القديمة، لأن المشهد الصغير كان يعيد أمامه وأمامنا السؤال الكبير: كم من الأشياء في حياتنا نحكم عليها من ظلالها قبل أن نعرف حقيقتها؟ وسوف يقول لى قائل آخر: وهل معنى هذا أن الإنسان لا يتحرك إلا بالصوت المرتفع؟ أو الصرخات المفزعة مثل صرخات تلك السيدة الشابة؟.. فأقول: ليس الأمر كذلك، وإنما الذى أريد قوله هو أن النفس البشرية كثيرًا ما تمنح الأولوية لما يقتحم عليها الحواس قبل أن تفرغ من وزن الأمور بميزان العقل، وربما لهذا السبب يفزع الناس إلى الاستغاثة قبل أن يسألوا عن تفاصيلها، ويهرعون إلى الدخان قبل أن يروا النار، وتستوقفهم الكلمة الصاخبة قبل أن يقرؤوا المقال الذى تحتها، ويصدقون العنوان أحيانًا قبل أن يطالعوا الخبر كله. 

ولو تأملنا حياتنا الاجتماعية والسياسية قليلًا لوجدنا أن هذه الظاهرة لا تقف عند أبواب المستشفيات ، مثل بوابة التركي، ولا تنتهى بخروج المولود إلى الدنيا، وإنما تمتد، فى صور لا تكاد تحصى، إلى أكثر ميادين الحياة؛ فكم من إنسان لم يجد من يلتفت إليه إلا بعد أن رفع صوته، وكم من قضية عادلة ظلت سنوات طويلة حبيسة الأدراج لأنها تحدثت بأدب أكثر مما يحتمله هذا العالم، وكم من باطل استطاع أن يشغل الناس والدنيا جميعًا، لأنه أحسن اختيار المسرح الذى يعرض عليه نفسه. 

ولعل الدول نفسها لا تختلف كثيرًا عن الأفراد في هذا الباب؛ فهي الأخرى تدرك، أو تتصرف على الأقل وكأنها تدرك، أن الحقائق وحدها لا تكفي دائمًا، وأن الوقائع المجردة قد تمر باردة إذا لم تُقدَّم في الصورة التي تسترعي الانتباه، ولذلك لم تعد البيانات تُكتب لمجرد الإخبار، ولا المؤتمرات تُعقد لمجرد الشرح، ولا المنصات الإعلامية تعمل لمجرد نقل الوقائع، وإنما أصبح لكل ذلك بعد آخر، هو صناعة الانطباع قبل تثبيت المعلومة، وتوجيه النظر قبل توجيه الفكر.

 سوف يسألنى سائل: وما الذى يضيرنا إذا كانت النفس البشرية تستجيب للصوت أكثر من استجابتها للحقيقة؟… وهنا أقول: الذى يضيرنا كثير؛ لأن هذه القانون الإنساني لا يقتصر على غرف الولادة، وإنما يمتد، بدرجات متفاوتة، إلى السياسة والإعلام والتجارة، بل وإلى العلاقات الإنسانية نفسه، وربما لهذا السبب لم تعد القضية، فى تقديرى، قضية تلك السيدة التى جاءت تلد عند بوابة المستشفى التركى، فقد انتهت ولادتها منذ زمن، أما السؤال الذى تركته وراءها فما يزال يولد كل يوم؛ إذ ما أكثر المرات التى استجبنا فيها لصوت الشىء قبل أن نعرف الشىء نفسه، وما أكثر الأحكام التى أصدرناها على طريقة ظهور الحقيقة، قبل أن نتعب أنفسنا فى البحث عن الحقيقة ذاتها.