المجلة الثقافية الجزائرية

الشاعر والكاهن

يونس علي الحمداني

الشاعر:
الخَرزُ والقلائدُ في أعناقِ الكهان
فلسفةُ الإنسانِ في أخيهِ الإنسان
وعالمُ الرقِ والقيود بلا قضبان
حلم ٌ يخامر نعساناً بلا أمان
لم يتلذّذ بعْدُ في أمواجهِ
هو هوسٌ أو بعض هذيانْ
الكاهن:
نشيدٌ هذا.. أم حكمة عتيقة
الشاعر:
نشيدُ أناشيدي إذا ترنمتُ بها
دموعٌ ضاحكةٌ من غيرِ تعبيس
أرتلها ترتيلاً صارخاً وأشدو بها
فهي في قلبي سـرٌّ حـبيسْ
هي توراتي وإنجيلي وقرآني
بل هي كل غالٍ ونفيسْ
الكاهن:
“الشعراءُ يتبعهم الغاوون”
ألا تراهم في كلِ وادٍ يهيمون
يقولون مالا يفعلون
وأكثرهم للحق كارهون
يرطنون في كلِ ناد
يبكون حظًهم العاثر بجنون
الشاعر:
أتدري أن أعظم البكاءِ صمتٌ
لا تحضره الندّاباتُ والنائحون
إن مَن يمت ويدري ما الممّات
لا يستحق البكاء من النمّامين
ربما هذا ما قالته الشرائعُ والدين
وأتلفه من الناسِ المتفوقون المجانينْ
الكاهن:
لا تكن فلسفتك في أخيك الإنسان
كفلسفتك في ركبِ الحيوانْ
الشاعر:
سواحٌ لستُ بسائح
أتبصّرُ شارد اللّبِ ليس مخبول
أثبُ وثبة الذئبِ حين
يُجاري البراري والفصول
لستُ فيلسوفاً بل أُروِّضُ ذهني
وكذلك الخيالة بالخيول
والخيلُ تسطو سطوتها
إن كان على متنها أبناءُ الأصول
الكاهن:
إن من البيان لسحرا
وإن من الشعرِ لحكمة
ونحنُ ليس لنا مِن الشعراء
سوى التشكيك بنواياهم والمظنّة
الشاعر:
إنّنا الشُعراءُ في بكائِنا نكهة الغناء
وفي غنائِنا كأننا في عزاء
نقولُ للحُبِ أطربنا وخذ ما تشاء
لا يُفرحُ الأعمى بزوغُ الضياء
فإذا غابَ النهارُ أشرق المساءُ
قمره كالحادي بضياعِ الشُعراء
لا تعطني شيئاً وخذ ما تشاء
أنت أعمى قبل هبوطِ المساءْ
الكاهن:
بلى .. لا ضير للأعمى
إن هبط المساء
أيها النّرجسي …
ولا يُفرحُ الصباحُ التعساء
وإن قاد أقدامهم إلى رجاء
الشاعر:
ألا إلى حيث الهوى تسري
الرِجلُ تمشي إلى هواها
مَن علّمَها؟ مَن أترعها محبة؟
هل استحال الفؤادُ مثواها!
الكاهن:
أعابرُ سبيلٍ أضَلّـه الهوى
أم فيلسوفٌ في خلوة
الشاعر:
تستهزئ بي بالحياةِ كُن كالأرض
إذا كرهتْ امرئ رفسته عنها
وأردَته إليها مِن جديد..
طيبةٌ فبعد زَخّات نيسان
يفوحُ أريجُها ولادة وتعميد
الكاهن:
دب الفسادُ في عقلِ أمتي
واثقاً يجري برجلين مِن حديد
فإذا فرسان الأخلاقِ رفَسُوه
أنقض واثباً كالذئبِ مِن جديد
له عشراتُ الوجوهِ والأفنان
لكل مناسبة قناعها الفريد
الشاعر:
أن ألعَن شهوة… يا شيخنا
تلك التي لا تشتهي النساء
الكاهن:
لا تطلب من النساءِ يوماً
أن يصلنْ حـدّ الكمال
فأحلى شهوات المرأة لديها
تلك التي تسرفُ بالخيال
الشاعر:
ياله.. شوقك إلى النساءِ ياله
صَخبُ الخريفِ على أوراقِ اصفراره
وغضبُ المغربِ على نهارٍ يولى
إذ يضخه بليلٍ ظلامُهُ مدراراً
الكاهن:
لو انجرفتُ إلى شوقهنّ لخضتُ
في معتركِ اللهو والفجور
الشاعر:
بلى مثلما تسكبُ الغيومُ
بليلنا دمعها المحموم
شوقك إليهن في تلامع
زاهٍ في عينيك كالنجوم
الكاهن:
ليس كما تغرد طيورُ الظلامِ
بفرحها الحاناً.. أيما ألحان سموم
الشاعر:
يا أيّها التماسيحُ يا بعض الإنسان
عينا التّمساح على الأقل تدمعان
الكاهن:
أنا لا ألومك على مهاجمتي
أبداً.. بل أراك ثقلتْ هُمومك
الشاعر:
أنا مِن نفسي لسانُ حالها
تبوحُ بما تشتهي وتنكرُ ما تكره
وأنا مِن نفسي بخورُ سريرتها
يطيرُ أبدا مِن معدنٍ أصيلْ
وما.. وما أقول.. وما.. و
الكاهن:
يا أيها الشاعرُ المسكين
لا أقول يا متمثلاً بصورةِ شيطانٍ حكيم
يمكرُ ويراوغُ مِن أجلِ عقيدته
ولا يثلج صدري أبداً باليقين
وما.. وما أقول.. وما.. و
الشاعر:
نعم.. أغفر ليّ فأنا مسكين
مثلما الكبرياءُ في العَرينْ
الكاهن:
المسكينُ عِندنا مَـن ليس له أهل
مَن ليس له مالٌ وعَشِيرٌ وولد
الشاعر:
أيّها الناسُ مِن حَولي افقهوا
إن رحلت الروحُ فالجسم فَطَيس
أنكم تروني الآن أمشي بينكم
جميلُ الجسمِ من غير تقديس
أما روحي ففي السماءِ طائرة
تداعبُ النور والملائكة والنّواميس
دَربها كدربِ الماء أخضرٌ
تزرعُ الطّيّب فرحة مثل عَريسْ
أما جسمي فانهشوا فيه ما تنهشوا
أو أهرسوا فيه أي تهريس
الكاهن:
هذه ليست مِن صفاتِ الشعراء
الذين يمشون بين الناسِ كالوباءْ
الشاعر:
أنا أحملُ محبة لا تكره الأحياء
وأنظر أملاً يحدقُ في البؤساء
الكاهن:
يا ربّ أني أكادُ أختنق
ما أصعب الحياة مع السّفهاء
الشاعر:
يا أيّها السّوائمُ الحرون هل
منكن مَن يعرني صفوناً؟
لأنصت على ما تبث العواصف
واعرفُ أي غالٍ تبكِ الغيوم
الكاهن:
الأولى أن تعرف متى تغض
الطرف ولأي حدثٍ تفتحُ الجفون!!
الشاعر:
ليس ثمة شيءٌ أولى مِن غيره
كلُ شيء في وقتهِ أحلى
الكاهن:
أتستهزئ بي يا إمام الجاحدين
أم أنك تستهزئ بالناسِ والدّين
الشاعر:
النورُ سلامٌ قليلاً ما يؤنسني
فلا هجوع لمَن صاحبه وصاحبني
الليلُ مقيمٌ فأنّى يفارقني؟
والنّومُ لا يعود فكيف يودعني؟
الغريبُ قريبٌ أن رافقني
والصّديق صديق أن فارقني
الكاهن:
أنا لا أفهمُ كل ما تقول ولقد
خمنتُ اهتمامك بروحِ الطُلُول
لذا فالموت شفاء مِن شقاء
يمدك دوما بالظنونِ والجنون
الشاعر:
مرحبا أيّها الموتُ
كنا قد تصَاحبنا أنا وأنت
أياماً طِوالاً والليالي مرّتْ
وما غابَ جحيمُك مِن ناري
الكاهن وهو يمشي بعيدا عن الشاعر:
الغوث .. الغوث ..
شاعرٌ ملعون
مجنونٌ .. ملحدٌ .. فاجر..
لا يسمع ويتدبر كلام عاقل
الشاعر وقد بقي وحده:
هل أنسى
أنغام سواقي الليل
تتهادى بين أحلامٍ لم ترها عيونه
وعبق تفاح
أحلّ الحُبُ بقوانينه
التي ليست بقوانين
قطفها من الخدودِ الحُمر
حينها سأستمع إلى صوت
يشبه صوتي
وأنا نائم