قصة: صلاح معاطي
أحاطوا بالجسد المسجى في ثبات عميق، تركزت العيون على الوجه القاتم وقد فرت منه دماء الحياة، امتدت الأيدي تفحص العيون المسبلة والجراح العميقة والعظام المهشمة، بينما انتصبت أكياس الدم وقوارير الجلوكوز وهي تدفع ما بداخلها عبر أنابيب وكأنها تقوم بدورها التقليدي بحكم العادة. هز الطبيب رأسه في يأس:
– لا فائدة.
رد مساعده:
– ومع ذلك مازال القلب ينبض والمخ يعمل.
– مسألة وقت. فالإصابة بالغة.
أظلمت الحجرة وترك الجسد المتهرئ وحيدا داخلها لحين خروج السر الإلهي بهدوء وسكينة، بينما وقف جنديان يتحدثان بالخارج:
– ياله من بطل عظيم. أسقط بمفرده طائرتين وأحرق خمس دبابات وقتل ما يقرب من عشرين من جنود العدو.
– أ كنت معه حين أصيب؟
– أنا دائما معه. لم أفارقه منذ ألحقنا بالكتيبة. اشتركنا سويا في معارك الاستنزاف وكانت معظم عملياتنا في الخطوط الأمامية. وعندما عبرنا القناة كنا نتسابق للوصول إلى الضفة الشرقية وتحطيم خط بارليف. وفي معارك الدبابات كنا نتصيد الواحدة تلو الأخرى. حتى صدرت لنا الأوامر بالتوقف والعودة. عندئذ لم يستطع “نجدي” أن يتوقف، ظل يقاتل بضراوة حتى وقع ما وقع.
– كيف حدث ذلك؟
– النجدي له إرادة من حديد وكلنا نعلم عنه ذلك. لو وضع شيئا في رأسه لابد وأن يحققه مهما كلفه الأمر. بالأمس قرر اقتحام أحد الحصون المنيعة في أعماق الجبهة. صرخت فيه. مستحيل يا نجدي لقد صدرت إلينا الأوامر بالتوقف والعودة إلى مواقعنا، لن نستطيع بمفردنا تدمير هذا الموقع. قال لي وهو يندفع نحو الموقع. بل أستطيع عليه وحدي. فجأة انهال علينا القصف من كل جانب، احتميت خلف أحد التلال الصغيرة وسقط النجدي مضرجا في دمائه.
يقول ذلك وتسقط دمعتان ساخنتان على وجنتيه، ثم يفتح فرجة من الباب ليرنو إلى الجسد الممدد على الفراش لا تربطه بالحياة سوى أنفاس ضعيفة تكاد أن تتوقف، ثم أردف محدثا زميله:
– ما يدهشني حقا أنه مازال حيا بعد كم الرصاصات والشظايا التي اخترقت جسده، وبعد ما نزفه من دماء سالت على الأرض.
يرنو ثانية إلى الجسد برهبة ثم يحدث صاحبه بصوت خفيض:
– أشعر أنه يسمعنا ويدرك كل ما يدور حوله. كأن إرادته تأبى عليه أن يموت، ومازال في أعماقه حلم لم يتحقق.
أي رجل هذا؟ تتمزق أعضاؤه وتتقطع أوصاله ويحترق جسده، ومازال فيه قلب ينبض. كأن للموت أرقا كأرق السهاد يظل صاحبه متقلبا بين الموت والحياة، يتمنى أن يستريح بالموت من عذاب الألم، لكن الحياة تجسم بكل ثقلها عليه ليفر منه الموت إلى حين.
يفتح عينيه قليلا. يدير بصره في المكان. ما الذي أتى به إلى هذه الغرفة؟ ما كان ينبغي أن يكون هنا. بدأ يسترد وعيا مفقودا وإدراكا ساربا وذاكرة فقدت بين أعاصير الألم التي تعتصر أنحاء جسده. أجل كان يتجه بكل قوته نحو موقع العدو، كله عزيمة وإصرار لتحقيق هدفه المنشود. تدمير آخر المواقع الحصينة حتى لو دفع ثمن ذلك حياته.
فجأة. آه. أين قوتك يا نجدي؟ أين إرادتك التي لا تلين؟ أين عزيمتك التي لا تفتر؟ سيأخذك الموت دون أن تحقق آخر أمل في حياتك. الموقع الأخير. آخر الحصون المنيعة. بعدها كل شيء يهون.
يا الهي. ما هذا؟ شعور غريب ينتابني. أهو الموت يقترب شيئا فشيئا ليقهر الحياة، أم غيبوبة الألم بدأت تعصف بي لتأكل وعيي وإدراكي وذاكرتي ووجودي. لا. ليس موتا ولا غيبوبة. بل قوة جديدة تنمو داخلي، تدب في أوصالي، تنتشر داخل كياني. أستطيع التحرك بحرية أكثر الآن. ها أنا أترك الفراش. أحلق إلى هناك. أرى كل شيء أمامي كالحلم.
ها هو الموقع ينتفخ على أرضنا كالخنزير القميء، حوله جنود العدو يروحون جيئة وذهابا وهم يطلقون ضحكاتهم الكريهة في صلف وغرور. من بطنه تمتد فوهات المدافع نحو مواقعنا التي سيطرنا عليها في أكتوبر. ما أبشعه من مشهد! النيران تتأجج داخل صدري الدماء تندفع إلى رأسي ، قلبي. قلبي يكاد أن ينفجر. لا أستطيع احتمال ذلك. أندفع نحو الموقع بقوتي الجديدة، القنابل في يدي، ألقيها داخل الموقع الواحدة تلو الأخرى. الموقع يتحول إلى كتلة من النيران المتأججة، الأجساد تترنح وتتطاير في الهواء، صرخات جنود العدو تملأ المكان.
– الله أكبر . الله أكبر
يندفع صاحبه داخل غرفة العمليات لدى سماعه صوت نجدي وهو يردد “الله أكبر”. ينادي الطبيب، جاء مسرعا. داخل الحجرة صمت كل شيء. توقف الصدر عن الحركة لم تعد الأنفاس تتلاحق. سكنت العين في لحاظها. غير أن الوجه استعاد نضارته وقد أضاءته ابتسامة عذبة.
يغطي الطبيب وجهه وهو يردد. البقاء لله. يرتمي صاحبه على جسد الشهيد وهو يجهش، بينما كان المذياع يلقي بيانا عسكريا:
– تدمير آخر المواقع الحصينة في سيناء. *


