المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

العمارة الإسلامية فى مدينة شريش الأندلسية

دكتورة: دعاء فتحي الشريف

مقدمة: كانت مدينة شريش Jerez قائمة منذ العصر القوطي، وكان يطلق عليها اسم Ceret، وهى تقع إلى الشمال من مدينة شذونة فى جنوب الأندلس وعلى مقربة من مدينة قادس حيث تبعد عنها بمسافة اثنى عشر ميلا، وهى قريبة من ساحل المحيط الأطلسي، وبينها وبين قلسانة Calsena خمسة وعشرون ميلا، وتوصف فى المصادر بأنها مدينة حصينة مسورة الجنبات حسنة الجهات، أطافت بها الكروم وشجر الزيتون والتين .

أولاً: التخطيط العام لمدينة شريش:

مما لا شك فيه أن المظهر العمرانى فى المدن الإسلامية يكاد يكون متشابهًا من حيث التخطيط العام لتلك المدن وتوزيع مراكزها العمرانية، فكان أول ما يتجه إليه المسلمون هو إقامة المساجد الجامعة فى جميع المدن المفتوحة، وعلى أساسه يتم توزيع المنشآت العمرانية الأخرى، وتخطيط الطرق المختلفة التى تؤدى إلى ظاهر المدينة .
أما عن تخطيط مدينة شريش Jerez فهى مدينة سهلية، حصينة ومسورة ، يصفها ابن سعيد بأنها نهاية العمارة، وكان المسجد الجامع بها يقع على مقربة من القصر (أى قصر الإمارة) فى الطرف الجنوبى الغربى للمدينة، وتحيط به الحومات أى الأحياء والدروب والشوارع الضيقة.

أما عن شوارع شريش فقد أشارت المصادر الإسبانية المسيحية إلى بعض الشوارع، عقب الاسترداد المسيحى (أى بعد سقوطها فى أيدى القشتاليين) ومنها شارع الحمام القديم La calle de Baño Viejo، وشارع النجارة calle de Carpintería، وشارع الحرير la calle sederia.

ثانيًا : مظاهر العمران الدينى
المساجد:
لم تكن المساجد الجامعة فى المدن الأندلسية بيت عبادة فحسب بل كانت المركز الذى تدور حوله الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية فى المدينة وتتركز حولها الحياة الاقتصادية، وتعقد فيها الاجتماعات وتنظر فيها القضايا، وتعطى الدروس، ومن فوق المنبر كانت تقرأ المنشورات الرسمية والخطابات التى تتضمن الأخبار الهامة كالانتصارات الحربية وغيرها.

ويقع جامع مدينة شريش فى نفس الموضع الذى تشغله الآن الكاتدرائية والتى تعرف باسم la colegiata، وهى تقع على مقربة من القصر (مقر الإمارة)، فى الطرف الجنوبى الغربى للمدينة، فوق ربوة مرتفعة، ومن المرجح أن مدينة شريش كانت تضم عدة مساجد أخرى صغيرة تحولت إلى كنائس بعد سقوطها فى أيدى الإسبان القشتاليين كما جرت العادة مثل كنيسة سانتياجو ، وسان ماتيو، وسان خوان، وسان ماركوس، وسان لوكاس، وسان ميجل .

ثالثًا : مظاهر العمران المدنى

أ- القصور
عندما فتح المسلمون الأندلس كان الولاة أو الأمراء يقيمون فى القصور الكبرى التى أصبحت خاوية فى المدن المفتوحة ، فلكل مدينة قصبة بداخلها قصر يحكم منه الأمير رعيته ، وقد استولى المسلمون على تلك القصاب، ولم يبدأ المسلمون فى الاهتمام ببناء قصور خاصة بهم إلا فى عصر الدولة الأموية عندما شهدت الفنون الإسلامية الأندلسية تقدمًا واضحًا ، وقامت حركة عمرانية قوية فى بلاد الأندلس خاصة فى عصر الخلافة ( القرن 4 هـ / 10 م ) .

وكانت تلك القصور (قصور الحكام) تتخذ مظهرًا عمرانيًا مميزًا، حيث تضم إلى جوارها بعض القصور والدور الفخمة لأفراد أسرته وحاشيته وخاصته وكبار رجال الدولة، كما كانت تقع على مقربة منها أيضًا الأسواق والحمامات علاوة على المسجد الجامع وغير ذلك من المنشآت الهامة فى المدن الأندلسية .

وقد تميز عصر دويلات الطوائف (القرن 5 هـ / 11 م) بأنه من أزهى عصور العمران المدنى على الإطلاق، حيث أقام أمراء الطوائف القصور الشاهقة والآثار الجليلة الرائعة، والتى بالغ المؤرخون فى وصفها، وذلك بدافع المنافسة فيما بينهم، رغم حالة الضعف السياسى والحربى الذى آلت إليه الأندلس فى ذلك العصر .

ومن المرجح أن قصور علية القوم من الطبقة العليا الحاكمة كانت تحتوى على الفرش الفاخر والستور الجميلة من الديباج وغيره، وكانت الحوائط تغلف بالحصر الفاخرة المبهجة، كما تكسى أرضية القاعات بنوع يعرف فى الشرق باسم الفسيفساء، أما فى الأندلس فيسمى الزليجى، وهو يشبه الرخام الملون.

أما عن قصر مدينة شريش ، فهو عبارة عن صرح ضخم يوجد فوق مدخله برجان كبيران متماثلان ثم يلى البرج الأيسر برجان آخران كبيران ومن بعدهما برج صغير ومشارف متدرجة، وداخل هذا القصر كنيسة صغيرة كانت فى الأصل عبارة عن مسجد صغير يحتفظ بطابعه وعقوده القديمة، وينقسم هذا المصلى إلى قسمين : القسم الكبير وبه أربعة عقود قد سد فيما بينهما بالبناء ، ثم ينفذ منه إلى قسم أصغر ، وفى هذا القسم أربعة عقود متقابلة ، وتقوم فوق القسم الكبير قبة عربية كبيرة ذات ثمانية أضلاع ، وأمام هذا المصلى الأثرى فناء صغير به عقد عربى ، ويبدو أن هذا القصر يرجع إلى القرن 5 هـ / 11 م ، ويبدو أنه كان حصنًا كما تدل على ذلك أبراجه ، وموقعه فى طرف المدينة فى إحدى مواقعها الدفاعية، حيث يقع فى ميدان شاسع على الطريق المؤدى إلى مدينة قادس .

ب- الحمامات :
كان وجود الحمامات فى الأندلس مثل المشرق الإسلامى، ضرورة حتمية لما تلعبه من دور بارز فى المدينة الإسلامية، فهو يأتى أهميته بعد المساجد مباشرة، إذ كانت عادة الاستحمام والنظافة والطهارة من العادات المتأصلة فى المجتمع الإسلامى، ولم يقف دور الحمامات عند هذا الحد، بل كانت مركزًا للمجالس المرحة ومجالس الأنس واللهو والغناء، كما كانت فرصة للنساء للتمتع بحرية نسبية والتسرية عن أنفسهن .

ويشير الباحث الأثرى الإسبانى باسيليو مالدونادو إلى أحد الحمامات فى مدينة شريش والذى كان يقع فى شارع الحمام القديم la calle de Baño Viejo والمعروف الآن باسم حمام سان لوكاس San lucas، ويضيف أن المدينة احتوت على حمام يرجع إلى القرن 7 هـ / 13 م ولا تزال بقاياه فى حالة جيدة حتى الآن .

وكانت تلك الحمامات تخضع لرقابة الدولة واختص بذلك المحتسب وذلك للحفاظ على نظافتها وطهارة المياه بها علاوة على الآداب العامة، وكان يتم تغطية صهاريج المياه، بالإضافة إلى ذلك فإن أرضية الحمام كانت تكسى عادة بالرخام، وتحلى جدرانه بالرسوم الجميلة، وكان يخصص حمام للرجال وآخر للنساء، أو يحدد لكل منهما أيام معينة، وغالبًا كانت الدولة تؤجرها لأشخاص نظير مبلغ معين عن طريق نظام القبالة.

ج- الأسواق والقيساريات :
السوق عبارة عن المكان الذى تجتمع فيه المتاجر والحوانيت الدائمة والمؤقتة، ومن الممكن أن يقام السوق فى شارع أو أكثر من شوارع المدينة، أو فى رحبة (أى ميدان)، أو فى الأرباض خارج المدينة بالقرب من أحد أبوابها، فلم يكن له موضع بعينه، ولكن يتوزع فى مناطق شتى فى المدينة ، وغالبًا ما كانت الأسواق الأندلسية تقام حول المساجد الجامعة .

أما البضائع القيمة فكانت تباع فى بناء كبير على شكل مستطيل بداخله طريق تتوزع فيه الحوانيت على كلا الصفين ، وكان يطلق على هذا البناء اسم قيسارية، أى السوق المشيد بالبناء، وهى كلمة يونانية الأصل ( Kaisareie ) وتعنى السوق القيصرى أى المركزى التابع للدولة .

وكانت القيسارية فى مدن الأندلس ومنها شريش عبارة عن صحن واسع مطوق بأروقة وممرات مغطاة فيها الحوانيت والمتاجر والورش (أو المعامل) والمخازن وحتى المساكن والفنادق ، وأحيانًا أخرى كانت عبارة عن شارع مغطى أو غير مغطى بالأروقة وبالحوانيت المطلة عليها، وفى بعض الأحيان كان يطلق اسم القيسارية على حى تجارى صغير مؤلف من حارات ضيقة، أو على رحبة محاطة بالحوانيت والمتاجر والمراكز التجارية .

ويشير الباحث الأثرى الإسبانى توريس بالباس نقلاً عن المصادر الإسبانية إلى وجود 14 متجرًا فى قيسارية شريش عقب سقوطها فى أيدى الإسبان .

رابعًا: مظاهر العمران الحربى

أ- الأسوار :
كانت معظم المدن الأندلسية محاطة بأسوار منيعة، لحمايتها من غارات الأعداء، وكانت تلك الأسوار تبنى غالبًا إما بالطوب اللبن أو من الحجارة المنحوتة.

وكانت أسوارها مبنية بقطع الحجارة وعليها أشرطة ضيقة مزخرفة منتظمة ، وكان السور فى الأندلس يتألف عادة فى أعلاه من درب يسير عليه المحاربون ( يسميه المؤرخون أحيانًا بممشى السور)، وشرفات يقذفون منها سهامهم، وقد تبقى من أسوار المدن الأندلسية عدد كبير ما يزال سليمًا فى أكثر أجزائه كما هو الحال فى أسوار مدينة شريش .

وكانت أسوار بعض المدن الأندلسية تتألف من ستارة أساسية تدور حول الحصن أو المدينة، ثم سور أمامى آخر أقل من السور الأساسى ارتفاعًا ، حيث كانت وظيفة هذا السور الأمامى منع العدو المهاجم من شن هجومه مباشرة على الأسوار الرئيسية ، ويعطل من تقدمه لفتح الثغرات التى تمكنه من أن ينفذ منها إلى داخل المدينة .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموحدين قاموا بتشييد هذا النوع من الأسوار الأمامية فى مدينة شريش، وكانت أسوارها بارزة وبنيت من الحجارة والطابية .

ب- الأبراج :
كانت أسوار المدن الأندلسية مزودة ببعض الأبراج التى كانت تعمل للحراسة والدفاع والإنارة والتصنت، وكان بين البرج والآخر مرمى السهم، أى نحو من عشرين مترًا، وهذه الأبراج ليست من مستحدثات المسلمين فى الأندلس .

ومن الملاحظ أن معظم تلك الأبراج تتخذ شكلاً مربعًا ، وذات بروز ملحوظ، وقاعدتها مصمتة دائمًا، وكانت تبنى من الحجارة ، وقد وجد هذا النوع من الأبراج فى مدينة شريش، وعلاوة على ذلك هناك الأبراج المثمنة التى اشتهرت بها أيضًا مدينة شريش، كما يذكر الباحث الأثرى الإسبانى باسيليو مالدونادو ويقع عند ملتقى السور بين شارع بوربيرا porvera وبين شارع كاناليخاس Canalejas، وهذا البرج له طابق واحد عند مستوى الدروب، والشرفة لها حاجز يبلغ ارتفاعه 70 م وسمكه 0.63 ومنها يتم الدخول إلى الغرفة بواسطة سلم يدوى، وفى الوسط نجد غرفة ذات ثمانية أضلاع ، أما الأرضية فهى منخفضة بحيث تبدو كأنها صهريج صغير لتخزين المياه .

وكان البرج المثمن أفضل كثيرًا من البرج المربع من وجهة النظر الدفاعية حيث أن كثرة ضلوعه تمكن المدافعين من التحرك فى كافة الجهات والزوايا.

ج- الأبواب :
كان ينفتح فى الأسوار التى تحيط بالمدينة عدة أبواب تصل داخل المدينة بخارجها، وقد ابتدع المرابطون نوعًا من الأبواب وهى ذات المرافق أو الممرات المنكسرة، أما الموحدون فقد أنشأوا الأبواب ذات المرافق المزدوجة، ولا تزال مدينة شريش تحتفظ بتلك الأبواب المزدوجة .

وكان عدد أبواب السور يتناسب طرديًا مع أهمية المدينة ومدى مساحتها، وكانت الأبواب فى أغلب الأحيان تسمى بأسماء المدن المجاورة لها، فنجد من أبواب مدينة شريش: باب إشبيلية وباب روطة، كذلك كان لمدينة شريش باب آخر يطلق عليه باب القصبة والذى كان يقع إلى جوار المسجد الصغير المتاخم له .

وجدير بالذكر أن تلك الأبواب تغلق ليلاً، ويخصص لها حراس لتلك المهمة ، وعند ذلك تصبح المدينة معزولة عن الخارج ، ويأمر المحتسب بفتحها مبكرًا ، ومع خروج أى شخص منها فى ذلك الوقت المبكر حتى لا يتمكن اللصوص من الهرب بمسروقاتهم إلى خارج المدينة .

د- القصبة :
القصبة فى المصطلح الأندلسى هى الحصن أو القلعة، وتحتل الجزء الأعلى فى المدينة، وهى عبارة عن مدينة صغيرة محاطة بسور لحمايتها ، وتعد القصبة هى القلعة القوية التى يقام فيها القصر (مقر الإمارة) لسكنى الأمير أو حاكم المدينة، وغالبًا ما تقام القصبة بجوار السور للخروج منها دون المرور بشوارع المدينة المزدحمة بالسكان، وكانت تقع قصبة مدينة شريش فى الزاوية الجنوبية الغربية من المدينة، وتشغل مساحة كبيرة منها ، وتضم مقر الأمير أو الحاكم .

ونظرًا لأن القصبة هى مقر السلطة فقد كانت تحتوى أيضًا علاوة على القصر المسجد أو الجامع كما هو الحال فى قصبة شريش .

المصادر والمراجع:-
– شيخ الربوة : نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر ،مكتبة المثنى، بغداد، د.ت .
– ابن عبدون : رسالة فى الحسبة، نشر ليفي بروفنسال ، المعهد العلمي للآثار الشرقية ، القاهرة ، 1955.

– الإدريسي: نزهة المشتاق فى اختراق الافاق، دار الثقافة الدينية، القاهرة، 1989
– ابن سعيد: المغرب فى حلى المغرب، ج1 ، تحقيق شوقى ضيف ، دار المعارف ، القاهرة ، 1955 .

– الحميرى : صفة جزيرة الأندلس، نشر ليفي بروفنسال، بيروت، 1988 .
عبد الله عنان: الآثار الأندلسية الباقية ، ص 300 .

– السيد عبد العزيز سالم: التخطيط ومظاهر العمران فى العصور الوسطى ، مجلة المجلة ، عدد 9 ، 1957

– السيد عبد العزيز سالم: العمارة المدنية، مقال بدائرة معارف الشعب، عدد 64 ، القاهرة ، 1959 .

– السيد عبد العزيز سالم : المساجد والقصور الإسلامية فى الأندلس، الإسكندرية ، 1986

– توريس بالباس: المدن الإسبانية الإسلامية، ترجمة إليو دورو دى لابنيا، مراجعة نادية محمد جمال الدين وعبدالله بن إبراهيم، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، الرياض ، 2003 .

– – ليفى بروفنسال: تاريخ أسبانيا الإسلامية، (النظم والمؤسسات والحياة الاجتماعية والفكرية) ، ترجمه إلى الإسبانية إميليو جارثيا جومث، ترجمه إلى العربيه علي عبدالرؤوف البمبي، وآخرون، مراجعة صلاح فضل، المجلد الثانى، المجلس الأعلي للثقافة، القاهرة ، 2002

– بيرتون بيج: البرج فى العمارة الإسلامية، ترجمة إبراهيم خورشيد، عبدالحميد يونس، دار الكتاب اللبنانى، بيروت، 1981

– محمد عبد العاطى محمد عبده: الحمامات الإسلامية فى الأندلس فى العصر الإسلامى، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 2012

Basilio Pavón : Ciudades Hispano Musulmanas ,Madrid , 1992

*دكتوراه فى التاريخ الإسلامى – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية