إعداد: حبيبة صلاح المليجي
المقدمة: يُعد العنف ضد المرأة أحد أكثر التحديات الاجتماعية خطورة وتعقيدًا، لما يخلفه من آثار عميقة على بنية الأسرة واستقرار المجتمع. فعلى الرغم من التقدم الملحوظ في مجالات الوعي والتعليم والتشريعات، لا تزال ملايين النساء حول العالم يتعرضن لأشكال متعددة من العنف، سواء كان جسديًا أو نفسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا. ويتجاوز تأثير هذا العنف حدود المرأة نفسها، ليطال الأطفال، ويفكك الروابط الأسرية، ويضعف التماسك المجتمعي، الأمر الذي يجعل مواجهته مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا جماعيًا وإرادة حقيقية للتغيير.
ماذا نعني بالعنف ضد المرأة؟
عرفته المادة الأولى من الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة: هو كل فعل عنف قائم على أساس نوع الجنس، يترتب عنه أو يحتمل أن يترتب عنه أي أذى بدني أو جنسي، أو نفسي للمرأة بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء أوقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة
كما يُعرف بأنه سوء معاملة المرأة، والذي يتجسد في سلوك عدواني ضدها يقوم به في كثير من الأحيان الزوج أو الأب أو الأخ أو أحد الأقارب ويمكن أن يقوم به شخص غريب، ويلحق بها ضرراً مادياً كالضرب أو الجرح أو الحرق أو الاغتصاب، أو ضرراً معنوياً كالإهانة، أو الشتم والسب أو التحقير، أو كليهما معا.
أشكال العنف ضد المرأة
تتعدد أشكال العنف التي قد تتعرض لها المرأة، وتختلف في شدتها وتأثيرها، لكنها جميعًا تمسّ كرامتها وحقوقها الأساسية، ومنها:
العنف الجسدي: استعمال القوة البدنية لفرض سلطة طرف قوي على آخر ضعيف، كما أنه أي فعل تكون نتائجه الإصابة أو الألم أو المضايقة، ومن امثلته الضرب الصفع الركل، الحرق التشويه استعمال السلاح أو اشياء حادة ومؤذية كالسكين، العض، لي الذراع أو القدم، وغيرها.
العنف الجنسي: وبعرف بأنه كل فعل جنسي أو محاولة للحصول على فعل جنسي أو أية مبادرات أو تعليقات جنسية أو ممارسات الاتجار بالآخر أو أي فعل موجه ضد نشاطه الجنسي عن طريق الاكراه ويرتكب من قبل أي شخص بغض النظر عن علاقته بالناجي، ويشمل العنف الجنسي الاغتصاب الاعتداء الجنسي الاستغلال والإيذاء الجنسي، التحرش الجنسي.
الإيذاء النفسي/ العاطفي: ويعني إيقاع الألم أو الأذى النفسي والعاطفي، كالتهديد بالعنف والإساءة الشفهية غير الجنسية، أو السخرية والاهانة.
العنف الاقتصادي – الاجتماعي: ويعني الحرمان من الموارد الاقتصادية والفرص الاجتماعية والخدمات، كمنع الحصول المشروع على الموارد والأصول الاقتصادية والصحة والتعليم.
العنف الإلكتروني / الرقمي: هو نوع من أنواع العنف الذي برز مؤخرا، وأصبح المصطلح الخاص به متداولاً إلى حد كبير، حيث يجري اقترافه باستخدام أي من وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ويشمل التنمر، أو رسائل ابتزاز وتهديد، أو رسائل جنسية غير مرغوب فيها، عن طريق البريد الإلكتروني أو الهواتف المحمولة أو وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها
الممارسات التقليدية المؤذية ويراد بها الممارسات التقليدية المؤذية التي تم ارتكابها بشكل أولي ضد النساء والفتيات في مجتمعات محددة ولفترة طويلة من الزمن، بحيث أصبحت أو يقدمها مرتكبوها على أنها أصبحت جزءا من الممارسات المقبولة ثقافيا، ومنها تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، الزواج المبكر الإجبار على الزواج، جرائم الشرف، حرمان الأفراد من التعليم بناء على النوع الاجتماعي.
لماذا يحدث العنف ضد المرأة؟ _ أسباب العنف_
أسباب ثقافية واجتماعية
انتشار الأفكار التي تبرّر تفوّق الرجل وتمنحه سلطة أكبر داخل الأسرة، مثل اعتبار الرجل المسؤول الأول عن الانضباط المالي والاجتماعي للأسرة، ما يعطيه شعورًا بالحق في التحكم واتخاذ القرارات بالقوة.
الأعراف التي تعتبر العنف “وسيلة تأديب” أو “حقًا للرجل”، حيث تنشأ بعض المجتمعات على مقولات مثل “الضرب للتربية”، مما يبرر سلوكيات العنف ويقلل من إدراك الضرر النفسي والجسدي للمرأة.
التنشئة الاجتماعية القائمة على التمييز بين الجنسين، حيث يُربّى الذكور على السيطرة والإناث على الطاعة، تساهم في ترسيخ فكرة أن السيطرة والعنف جزء طبيعي من الحياة الأسرية، وأن العنف وسيلة لحل النزاعات وفرض السيطرة، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة إنتاجه عبر الأجيال ويعزز الفجوة بين الجنسين ويرفع احتمالات وقوع العنف اكثر.
أسباب اقتصادية
اعتماد المرأة ماليًا على الزوج، مما يجعلها أكثر عرضة للسيطرة والعنف، إذ يقلّ قدرتها على مغادرة علاقة عنيفة أو المطالبة بحقوقها القانونية.
الضغوط الاقتصادية والبطالة التي تزيد التوتر الأسري وتدفع بعض الرجال إلى السلوك العدواني، حيث ترتفع معدلات الصراع داخل الأسرة في فترات الأزمات المالية.
الفقر وانعدام الفرص الاقتصادية للنساء يزيد من ضعف موقفهن القانوني والاجتماعي، ويحول دون حصولهن على الدعم اللازم للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
أسباب نفسية وشخصية
اضطرابات في ضبط السلوك والانفعالات لدى الجاني، مثل الغضب السريع أو عدم القدرة على التحكم في العدوان، ما يؤدي إلى العنف تجاه الزوجة أو أفراد الأسرة.
مشكلات نفسية مثل الغضب المرضي، أو الخبرات العنيفة في الطفولة، حيث يكون التعرض للعنف في الصغر عاملًا مؤثرًا في تكرار السلوك العنيف لاحقًا.
الإدمان على المخدرات أو الكحول مما يزيد من احتمالات العنف الجسدي والنفسي، إذ تقل القدرة على التفكير العقلاني واتخاذ القرارات الصحيحة تحت تأثير المواد.
أسباب مرتبطة بالإعلام والتكنولوجيا
انتشار محتوى يروّج للسيطرة والعدوانية تجاه النساء في الأفلام والألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي.
ظاهرة التنمّر الإلكتروني والتحرش عبر الإنترنت، ما يزيد من العنف النفسي ضد النساء.
ضعف الحملات التوعوية الإعلامية التي تصحح هذه المفاهيم الخاطئة ويزيد من قبول المجتمع لسلوكيات عنيفة.
كيف يهدد العنف المرأة ونسيج الأسرة والمجتمع بأكمله؟
علي المستوي الشخصي
التأثير النفسي على المرأة: حيث تُظهر النساء اللواتي يتعرضن للعنف معدلات أعلى من القلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس واضطرابات ما بعد الصدمة، بما في ذلك ذكريات مؤلمة، كوابيس، ومشكلات في التركيز والتحكم في الانفعالات، مما يؤثر على حياتهن اليومية وقدرتهن على اتخاذ القرارات والدفاع عن أنفسهن وحماية حقوقهن
التأثير الصحي: يتسبب العنف في آثار صحية على المرأة تشمل الإصابات الجسدية والكسور والكدمات والمضاعفات المزمنة، إضافة إلى مشكلات صحية مرتبطة بالتوتر المستمر مثل أمراض القلب واضطرابات النوم والجهاز الهضمي، كما أن النساء اللواتي يتعرضن للعنف الشريك الحميم يُعانين من معدلات أعلى للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، انخفاض وزن المواليد، وزيادة معدلات الوفيات مقارنة باللواتي لم يتعرضن للعنف
التأثير الاجتماعي: يتسبب العنف في آثار اجتماعية على المرأة تشمل فقدان العلاقات الاجتماعية والدعم، شعورًا بالعزلة وضعف المشاركة المجتمعية، وانخفاض التمكين الاقتصادي والاجتماعي، حيث يقل ارتباطها بالأصدقاء والمجتمع، ويحد خوفها وخجلها من المشاركة في الأنشطة العامة، ما يؤثر على استقلاليتها وقدرتها على حماية نفسها.
علي المستوي الأسري:
العنف ضد المرأة يولّد بيئة مشحونة بالخوف والتوتر داخل الأسرة، حيث يسيطر الخوف والعدوانية على التفاعلات اليومية بين الزوجين وأفراد الأسرة، مما يقلل من الاحترام المتبادل ويضعف الروابط العاطفية.
ضعف التواصل بين الزوجين وأفراد الأسرة حيث أن التوتر المستمر والخلافات الناتجة عن العنف تؤدي إلى قلة الحوار المفتوح، وسوء الفهم، والانكماش العاطفي، مما يجعل حل النزاعات أكثر صعوبة ويزيد من شعور كل طرف بالعزلة.
الانسحاب العاطفي حيث أن بعض أفراد الأسرة قد يبتعدون نفسيًا أو جسديًا لتجنب مواجهة العنف، ما يقلل من التفاعل الأسري الإيجابي ويضعف الدعم المتبادل بين أفراد الأسرة.
انخفاض الاستقرار الأسري فالتوتر والخلافات المستمرة تجعل الأسرة أقل قدرة على المحافظة على استقرارها، وقد تؤدي إلى زيادة معدلات الطلاق أو الانفصال، ما يؤثر على استقرار الأطفال وبيئة نموهم.
تأثيره على الأطفال: الأطفال الذين يشهدون العنف داخل الأسرة قد يعانون من مشاكل سلوكية وعاطفية، مثل القلق والاكتئاب أو العدوانية، وقد يكتسبون نماذج عنف يكررونها لاحقًا، مما يعيد إنتاج دورة العنف عبر الأجيال.
إضعاف الروابط الأسرية الأساسية حيث كل هذه العوامل معًا تؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية، وتقويض قدرة الأسرة على تقديم الدعم العاطفي والاجتماعي لأفرادها، ما يؤثر على الاستقرار الأسري والاجتماعي العام ويزيد من هشاشة المجتمع.
علي مستوي المجتمع ككل:
تدهور التماسك الاجتماعي حيث يؤدي انتشار العنف ضد النساء إلى زيادة الخلافات والنزاعات، وخلق شعور عام بعدم الأمان، ما يُضعف الروابط بين الأفراد والجماعات ويُعمّق الانقسامات الاجتماعية، ويهدد استقرار المجتمع.
ارتفاع معدلات الجريمة والعنف العام حيث يمتد أثر العنف ضد المرأة ليؤثر على المجتمع ككل، حيث يزيد من احتمالات وقوع الجرائم والسلوكيات العدوانية، ما يهدد السلامة العامة والاستقرار المجتمعي.
تراجع الإنتاجية الاقتصادية وضعف التنمية المجتمعية حيث يقلل العنف من مشاركة النساء في سوق العمل، ويزيد من غيابهن أو فقدانهن للوظائف، مما يؤثر سلبًا على الناتج القومي. كما يحد من فرص تعليم الأطفال ونموهم السليم، فيضعف جودة رأس المال البشري ويؤثر على مستقبل المجتمع.
زيادة الأعباء على المجتمع والمؤسسات لارتفاع الحاجة إلى الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية نتيجة العنف يثقل كاهل المؤسسات ويستنزف الموارد المتاحة، ما يقلل قدرة المجتمع على التقدم والاستثمار في التنمية.
انتشار ثقافة الخوف والعنف حيث في البيئات التي يتفشى فيها العنف، تصبح السيطرة والخوف جزءًا من الحياة اليومية، مما يعزز تقبّل السلوك العدواني ويضعف الالتزام بالقيم المدنية الإيجابية
تعميق الفجوة بين الجنسين حيث استمرار العنف يعزز التفاوت بين الرجال والنساء في الحقوق والفرص، ويضعف قدرة المجتمع على تحقيق المساواة والعدالة والتنمية المستدامة
كيف نكسر دائرة العنف ضد المرأة؟ _ الأليات وسبل المواجهة _
الدعم النفسي والاجتماعي عن طريق توفير خدمات متخصصة للنساء الناجيات من العنف مثل الإرشاد النفسي، وخطوط المساعدة، ومراكز الإيواء، وبرامج إعادة التأهيل، لضمان تعافيهن واستعادة قدرتهن على الاندماج والعيش بأمان.
سنّ وتشديد القوانين التي تجرّم جميع أشكال العنف ضد المرأة الجسدية والنفسية والجنسية، وتفعيل هذه التشريعات بشكل فعّال من خلال آليات إبلاغ سهلة وسريعة لا تتضمن تعقيدات أو وصم اجتماعي. كما يتضمن فرض
عقوبات رادعة على الجناة لضمان الحد من الانتهاكات ومنع تكرارها، مع توفير إجراءات قانونية واضحة تضمن حماية الضحايا ودعمهن طوال مسار التقاضي.
العمل على إعادة تشكيل الموروثات الثقافية والاجتماعية التي تُبرّر العنف أو تُطبع وجوده، من خلال تعزيز قيم المساواة والاحترام في المناهج التعليمية، وتوجيه الخطاب الإعلامي نحو نبذ العنف، وتفعيل دور منابر المساجد في نشر الوعي وتأكيد حرمة العنف بكافة أشكاله.
دمج التكنولوجيا في مكافحة العنف علي سبيل المثال وليس الحصر استخدام التطبيقات الذكية وخطوط المساعدة الرقمية، وتوفير منصات إلكترونية للدعم والاستشارات، مما يسهل الوصول للمساعدة خاصة في المناطق البعيدة أو عند صعوبة الإبلاغ المباشر.
إصلاح الخطاب الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي عن طريق وضع ضوابط مهنية للإعلام التقليدي والرقمي لضمان عدم تبرير العنف أو تصويره بشكل طبيعي، مع منع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يدعم العنف أو يبرره. كما يجب الالتزام بعرض نماذج إيجابية عن المساواة بين الجنسين، مما يساعد على إعادة تشكيل تصورات المجتمع حول المرأة وتعزيز ثقافة الاحترام وعدم العنف.
إضافة محتوى تربوي في المدارس يرسخ قيم العدالة وعدم التمييز، ويعزز مهارات حل النزاعات دون عنف، لضمان بناء جيل واعٍ بحقوق المرأة منذ المراحل المبكرة.
تعزيز دور الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في تقديم الخدمات والدعم، وتنفيذ مبادرات وقائية، وتدريب العاملين في القطاعات الصحية والقضائية والأمنية على التعامل المهني مع قضايا العنف.
تعزيز الدراسات والبحوث حول العنف عن طريق دعم الجامعات ومراكز الأبحاث لإعداد دراسات دورية حول أشكال العنف وأسبابه وآثاره، مع جمع وتحليل إحصائيات دقيقة لقياس حجم المشكلة وانتشارها. تهدف هذه الجهود إلى بناء سياسات وبرامج قائمة على الأدلة العلمية، تساعد على الوقاية من العنف وحماية المرأة بشكل فعّال.
الخاتمة:
في ضوء ما تم استعراضه من أسباب العنف ضد المرأة وآثاره على المستويات المختلفة، يتضح أن هذه الظاهرة ليست مجرد قضية فردية، بل مشكلة اجتماعية معقدة تؤثر على جميع أبعاد الحياة، لأنها تعكس خللاً في القيم الثقافية والاجتماعية والقانونية، وتترك آثارًا طويلة المدى على الضحايا وعلى محيطهن الأسري والاجتماعي.
إلا أن معالجة هذه الظاهرة ممكنة من خلال تكامل الجهود، بدءًا من تمكين المرأة، وتوفير الدعم النفسي والقانوني، وتعزيز التوعية المجتمعية، وإصلاح الخطاب الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى تطبيق القوانين الصارمة، وإن كسر دائرة العنف يتطلب التزام المجتمع بأكمله—أسرة، مؤسسات، حكومة، ومنظمات—لتوفير بيئة آمنة للمرأة، تعزز كرامتها، وتحمي حقوقها، وتضمن لها فرصة العيش بحرية ومساواة. إن تحقيق ذلك ليس واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا فقط، بل استثمارًا في استقرار الأسرة والمجتمع وتنميته المستدامة.
المراجع:
جمال طلب، العنف الأسري ضد المرأة في ضوء نظريات النوع الاجتماعي: دراسة ميدانية لعينة من السيدات بمحافظة بني سويف،المجلة العربية لعلم الاجتماع، ع18، 2016
عمران يوسف، العنف ضد المرأة في الوسط الأسري، مجلة سوسيولوجيا الجريمة للبحوث والدراسات في الظواهر الاجرامية، مج 5، ع 2، 2024
محمد السيد فرج، دراسة العنف ضد المرأة في قرية مصرية رؤية تربوية للمواجهة، مجلة كلية التربية – جامعة بنها، مج 32 ع126، 2021
Violence against women, World Health Organization, https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/violence-against-women , 2024
Global report highlights impact of violence on women’s health, World Health Organization, https://www.emro.who.int/media/news/global-report-violence-women.html , 2013
التاريخ: نوفمبر 2025





