أمين الساطي
في البداية، ظنَّ أهل القرية أن الأمر لا يعدو كونه حادثاً عابراً.
كلبٌ شاردٌ هاجم نعجةً عند أطراف الحقول في قرية زيدة، الواقعة على السفوح الغربية لجبال الباروك في لبنان، والمطلة على أحراج السنديان والصنوبر التي تمتد حتى سهل البقاع. لم يثر الخبر اهتماماً كبيراً؛ فالكلاب الضالة كانت تظهر بين حين وآخر، ثم تختفي كما جاءت.
لكن في الليلة التالية، تغيّر كل شيء.
مع انتصاف الليل، دوّى عواء طويل قادم من جهة المقبرة القديمة، أعقبه عواء آخر، ثم ثالث، حتى بدا وكأن عشرات الكلاب تتبادل نداءً غامضاً في الظلام. لم يكن عواء الجوع المعتاد، بل كان أقرب إلى إعلان سيطرة، تتقدمه نبرات كلب ضخم أجشّ الصوت، كأنه قائد القطيع.
أغلق الناس نوافذهم بإحكام، وأقنع كل واحد منهم نفسه بأن الصباح كفيل بتبديد هذا الخوف الغامض.
لكن الصباح جاء ومعه ما هو أسوأ.
وجد جمال، ابن مدير المخفر، عنزته ملقاة قرب السياج الخارجي لبستان التفاح. لم يبق منها إلا بقايا ممزقة وآثار أنياب غائرة في العنق والأضلاع. ظل واقفاً يتأمل المشهد طويلاً، ثم تمتم بصوت مرتجف:
«هذه ليست كلاباً جائعة… هناك شيء تغيّر فيها.»
خلال الأيام التالية بدأت الكلاب تظهر عند أطراف القرية في أوقات مختلفة، لكنها لم تكن تتجول عشوائياً كما في السابق. كانت تتحرك في مجموعات صغيرة، بصمت مريب، وكأن بينها نظاماً لا يراه البشر. أجسادها نحيلة، وضلوعها بارزة تحت فراء متسخ، أما عيونها فكانت تلمع في الليل بلون أصفر بارد، يختفي ما إن يسلط أحد عليها الضوء.
لم يعد الأطفال يخرجون للعب بعد المغيب، وأصبح الرجال يحملون العصي والفؤوس إذا اضطروا إلى مغادرة بيوتهم ليلاً. حتى رعاة الأغنام غيّروا مساراتهم، مبتعدين عن المقبرة القديمة، بعد أن أخذت الكلاب تعتبر المنطقة كلها أرضاً لها، وتستقبل كل غريب بعواء متوتر يثير القشعريرة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان جمال عائداً من سهرة مع أصدقائه، سمع حفيفاً خلفه.
التفت فلم يرَ شيئاً.
تابع سيره بخطوات مترددة، ثم سمع الحفيف مرة أخرى، أقرب هذه المرة.
وقبل أن يستدير، خرجت ثلاثة كلاب من بين الأشجار دفعة واحدة.لم تنبح.لم تهدر.اندفعت نحوه مباشرة.
سقط أرضاً وهو يصرخ، بينما كانت الأنياب تقترب من وجهه. ولولا أن رجالاً من القرية سمعوا صراخه وأسرعوا يحملون المصابيح والعصي، لانتهت حياته في تلك الليلة.
تراجعت الكلاب ببطء، وهي تكشف عن أنيابها في صمت، ثم اختفت بين الأشجار كما لو أنها لم تكن هناك أصلاً.
لكن شيئاً واحداً بقي معلقاً في ذاكرة كل من شهد الحادثة…
لقد بدت الكلاب، وهي تنسحب، وكأنها لا تهرب…
بل تؤجل المعركة. لم يكن جميع أهل القرية ينظرون إلى ما يحدث بالطريقة نفسها.
فبينما ازداد خوف الناس يوماً بعد يوم، كان أبو محمود، العريف في المخفر، يتابع الأخبار بابتسامة خفية لا تكاد تُرى. كان يعمل منذ سنوات تحت إمرة مدير المخفر، والد جمال، ويعتقد في قرارة نفسه أنه الأحق بمنصبه. غير أن القدر لم يمنحه الفرصة التي انتظرها طويلاً.
ولمّا رأى ابن مدير المخفر يعود إلى بيته مضرجاً بالدماء بعد هجوم الكلاب، خطرت في ذهنه فكرة لم يستطع طردها.
قال في نفسه:
“إذا عجز المدير عن حماية ابنه، فكيف سيحمي أهل القرية؟”
بعد يومين، قصد بيت مدير المخفر وقت الظهيرة، متذرعاً بالاطمئنان على جمال.
استقبله الشاب وهو ما يزال يضع الضمادات على ذراعه وساقه.
تبادل الرجلان حديثاً قصيراً، قبل أن يقترب أبو محمود منه ويقول بصوت خفيض:
“كل شباب القرية يتحدثون عما جرى معك.”
خفض جمال رأسه دون أن يجيب.
تابع أبو محمود:
“الناس لا ترحم يا بني… بعضهم يقول إن ثلاثة كلاب أرعبت ابن مدير المخفر.”
ارتجفت عضلات وجه جمال، لكنه بقي صامتاً.
اقترب أبو محمود أكثر، ثم قال وكأنه يواسيه:
“لو كنت مكانك، لما نمت ليلة واحدة قبل أن أقتل ذلك القطيع.”
رفع جمال رأسه فجأة.
كانت كلماته قد أصابت أكثر مواضع كبريائه ألماً.
أشار أبو محمود نحو الغرفة الداخلية حيث يحتفظ والده ببندقيته الآلية الفرنسية.
“بندقية والدك تكفي لإنهاء الأمر كله. الكلاب تختبئ قرب المقبرة عند الفجر. هناك تكون متعبة، ولن تستطيع الهرب.”
ظل جمال صامتاً.
لكن الفكرة كانت قد استقرت في رأسه
في فجر اليوم التالي، خرج جمال من البيت حاملاً البندقية الآلية.
لم يخبر والده.
ولم يخبر أحداً.
وعندما شاهده أخوه الأصغر يستعد للمغادرة، أصرّ على مرافقته، حاملاً بندقية صيد قديمة. أما ابن الجيران، فقد لحق بهما بعدما سمع بخطته، مقتنعاً أن ثلاثة رجال مسلحين قادرون على إنهاء المشكلة في دقائق.
كان الضباب يهبط ببطء فوق المقبرة القديمة.والندى يلمع فوق الأعشاب.
حتى العصافير، التي اعتادت أن تستقبل الصباح بزقزقتها، بدت وكأنها هجرت المكان.
توقف جمال عند أول شاهد قبر.أمسك بندقيته بقوة.
وقال بصوت حاول أن يبدو ثابتاً:
“إذا خرجت، فلن تعود إلى هنا مرة أخرى.”
كان المكان ساكناً على نحو غير طبيعي، حتى ان الصمت نفسه بدا وكأنه يراقبهم.
وفجاة
انقطع الصمت.
خرج عواء واحد طويل وعميق، من خلف شجرة سرو هرمة، وخلال ثواني قليلة تحولت المقبرة كلها إلى بحر من الأصوات. انطلقت الكلاب كلها دفعة واحدة.
أطلق جمال أول رشقة من بندقيته الآلية، فتدحرج كلبان على الأرض، لكن بقية القطيع لم تتوقف، واختلط صوت الطلقات النارية بصيحات الفزع وعواء الكلاب. لقد انتهت المعركة قبل ان تبدا.
ثم ساد صمت ثقيل لبضع ثوانٍ، قبل أن يقطعه عواء الكلب الأسود.
كان عواءً مختلفاً هذه المرة…
قصيراً، حاداً، يشبه إشارةً متفقاً عليها.
وفي اللحظة التالية، انطلق القطيع بأكمله نحو القرية.
كان الفلاحون قد بدأوا يتجهون إلى حقولهم، يحمل بعضهم معاولهم، بينما يقود آخرون مواشيهم نحو المراعي.
لم يخطر في بال أحد منهم أن الخطر لم يعد في المقبرة…
بل أصبح يركض نحوهم.
خرجت الكلاب من بين الأشجار كالسيل.
لم تكن تطارد ضحية بعينها، بل كل ما يتحرك.
تعالت الصرخات، وتناثرت المعاول والسلال على الطرقات الترابية، بينما أخذ الرجال يركضون بلا اتجاه، والكلاب خلفهم، لا تتوقف ولا تتراجع.
من نجا منهم، ركض نحو بيته.
لكن القطيع كان أسرع.
دخلت الكلاب الأزقة الضيقة، وقفزت فوق الأسوار الحجرية، وراحت تدفع الأبواب بأجسادها حتى تكسرت مصاريعها الواحدة تلو الأخرى.
ارتفع بكاء الأطفال.
وتعالت استغاثات النساء.
وحاول بعض الرجال الدفاع عن بيوتهم بما وجدوه أمامهم من عصي وفؤوس وبنادق صيد قديمة.
لكنها كانت معركة خاسرة منذ اللحظة الأولى.
قبل غروب الشمس…
لم يعد في القرية صوتٌ بشري.
وفي صباح اليوم التالي، مرّ سائق شاحنة صغيرة بالطريق المؤدي إلى زيدة.
استغرب أن أبواب البيوت كلها مفتوحة.
لا دخان يتصاعد من المداخن.
ولا أطفال يركضون في الأزقة.
ولا امرأة تكنس أمام منزلها.
أوقف شاحنته عند الساحة الصغيرة.
ترجل منها بحذر.
كان الهواء ساكناً على نحو غير مألوف.
وعلى الأرض، تناثرت بقايا أحذية، وسلال خضار، ولعبة طفل خشبية، وبندقية مكسورة.
أما القرية…
فبدت كأن أهلها اختفوا في لحظة واحدة.
وبينما كان يهم بالعودة إلى شاحنته، لمح الكلب الأسود يخرج ببطء من باب المخفر.
وقف في منتصف الطريق.
حدّق إليه طويلاً بعينين ثابتتين.
ثم ارتفع من خلفه عواءٌ واحد…
تبعته عشرات العواءات القادمة من بين البيوت.
أدار الرجل محرك شاحنته بيدين مرتجفتين، وانطلق مسرعاً من دون أن يلتفت خلفه.
بعد أسابيع، أغلقت السلطات الطريق المؤدي إلى قرية زيدة، ووضعت لافتة كتب عليها:
“ممنوع الدخول… منطقة موبوءة.”
لكن اللافتة لم تمنع شيئاً.
ففي الليالي الماطرة، كان سكان القرى المجاورة يقسمون أنهم يسمعون العواء يقترب أكثر…
ليلةً بعد أخرى


