المجلة الثقافية الجزائرية

المثقف والمفكر.. عباءة فري سايز للجميع

أ.د. أمين أحمد ثابت

ورثنا عهد الايديولوجيات كما عدديا هائلا من الاصطلاحات، وتسابق الطامحون لوسم اسمائهم بشخوصهم ك (مثقفين او مفكرين) بوضع مثل تلك الاصطلاحات في فردية أي منها عنوانا مشحونا بالعواطف الذاتية (للإحساس بالتفوق والسبق) – وهو ما ننساق وراءه توهما – ليكون محورا لعديد من سلاسل المقالات أو الدراسات المقدمة للندوات، او رافعة لعدد من المؤلفات، وأخرى كأساس لتحمية الجدل النقاشي الشفهي في الملتقيات – وذات الأمر مستمرا علينا كأجيال عقدية نخبوية متتابعة خلال تسعين عاما ماضية وحتى اللحظة – والأمر المغفول عنه عند كافة تلك الاجيال، ويظل الحال مستمرا مستقبلا بفعل غفوتنا وعبور كل شيء علينا وتداولها بيننا كأمر طبيعي – بينما الحقيقة الغائبة عنا أن كل تلك الشحنات الكتابية التعريفية والكلامية المهولة.. ليست سوى اجترارات نقلية لما سوقته الايديولوجيات الفكرية ومدارسها المتعددة واحيانا في حالات فردية تذهب لبناء تعديلي مفهومي لاصطلاح او اكثر بنوع من المزاوجة التقريبية بين مدرسة فكرية او اكثر من بنى الإيديولوجيات المتقابلة بتضاد فكري، حيث يتوهم مثل هؤلاء حالة تفردهم الفكري كمحدثين او مخلقين للفكر – وجميعها تسلك مسلكا (خداعيا زائفا) لعقولنا العربية الانقيادية للانبهار بها وتضخيم قدرها، بينما هي في الحقيقة أشبه بقول يمني عامي تشبيهي على من يفعل ذلك بادعاء الفرادة في أنه (يفسر الماء بالماء)، فكلها ليست سوى اجترارات نقلية لمذاهب فكر الايديولوجيات السابقة – وطبعا بتخريج اسلوبي متعرج بين الاسهاب او الفهلوة الفكرية في اصطناع جدل التناقضات بطريقة سفسطية – يغيب عند الكثير إدراكها – كعبث لغوي ليس اكثر، حيث لا يكتفي الكاتب بتصديق وهمه الذاتي في اجتراح الفرادة في التفكير، بل يسعى بجل ما يقدر عليه ليصدق المتلقين وهمه ذاك كحقيقة موصفه لعقله النابغ.
فالحقيقة الغائبة لن ندركها إلا بعودتنا إلى أسس وقواعد المعرفة كقيمة (فكرية أو علمية)، فالتلقي الثقافي للمعرفة النظرية (قيمة) يفضل أخذها من مصدرها الاساسي، أما أخذها عن ناقل لناقل لناقل وهكذا فإن المعرفة المستقاة لا تكون مستقيمة او قويمة، فما هو منقول حرفي عن القديم لا نعرفه إلا وفق ما يقوله الكاتب او المتحدث، وما هو يشير إليه بالبنان كطروحات تجديدية لا نعرف عن صحتها إلا ثقة إنقيادية لموجهات الكاتب أو المتحدث – ومن جانب اخر ، نعم لا يمكن ظهور جديد من فراغ، فالإرث المعرفي البشري السابق بكل تراكماته يمثل الزاد المولد لكل متخلقات جديدة لاحقة – وهنا القاعدة الثانية المفهومة خطأ في العقل المعرفي العربي، فالإرث المعرفي القديم أو السابق قد يعد مولدا للجديد (غير الحقيقي)، حيث تكون معرفات هذا الجديد (ليس سوى عملا ناسخا أو ناسخا مشوها عن الإرث القديم بفعل تدخل ذات الكاتب وأناته في الكتابة والمعالجة الفكرية)، بينما مولدات الجديد (النوعي) يتسم بتخليق الفكر الجديدة وطرق التحليل الاستقرائي والحكمي الجديد – وليس الانتقائية الترقيعية للفكر بين مختلف المذاهب او المدارس، أو في الاسهاب الجزل لغويا لما اقتنع به الكاتب اعتقادا فأعاد إخراجه بأسلوب آخر يخصه شخصيا وكيف فهم ما اعتقد به وعلق في مخيلته الادراكية – من هنا ، نكتشف حقيقتنا (المفرغة) كفهم قيمي في التمييز فيمن نصفهم بالمثقف او المفكر، فجميعهم مثقفين ومفكرين، وننبهر بتمييز تفريدي لمن يصدر أكثر في النشر عن ذات الامر، ونصعق إعجابا بمن يمتلك الإغراق التلاعبي في اللغة والمتضادات التخريجية للوصول إلى أحكام يريد أن يقنعنا بها، حين يكون قصورنا في فهم شبكة لعبة ذلك التحليل او متابعتها، يجعل موقفنا عكسيا في الحكم.. بحيث نرفع قيمة تلك الكتابة أو المؤلف من خلال بنية الغموض الواقع لدينا كتعظيم لها ولمؤلفها كمفكر متفرد عن غيره – وعليه تظهر آلاف الأسماء وتغيب وتأتي غيرها.. ولا يقف العقل العربي على قيمة (فكرية أو علمية) تميز وعيه الاجتماعي أو تغير سلوكياته أو تحل أزماته الواقعية المزمنة أو حتى.. تهذب طباعه ونزعاته وقناعاته.

اليمن/ جامعة تعز