حبيب مونسي
تمهيد:
01- حين يصبح التراث ساحة صراع:
يلزمنا كتابُ جمال البدري “اليهود وألف ليلة وليلة” -قبل البدء- وقفةَ تأمّل منهجية. فهناك فرق شاسع بين القول بأنّ ثمّة حضوراً يهودياً في تشكيل اللّيالي، والقول بأنّ اللّيالي هي مشروعٌ يهودي بامتياز. فالأول مسألة تاريخية يمكن تتبُّعها في المخطوطات، والثّاني أطروحة تغذيها نزعات تأويلية تتجاوز حدود الدّليل إلى آفاق الفرض والتّخمين.
كتاب البدري، الذي صدر في بغداد عام 1998 ثمّ في طبعة ثانية بالقاهرة عام 2000، يطرح سؤالاً جريئاً ومزعجاً: هل كانت ألف ليلة وليلة، من تأليف سنهدرين يهود بغداد؟ السّؤال في حد ذاته مشروع، لكن الإجابة التي يقدّمها البدري تثير من الجدل ما يستدعي وقفة متأنّية.
02- أيادٍ وأقلام أخرى خلف اللّيالي، بين الحقيقة التّاريخية والافتراء التّأويلي:
أ. الحضور اليهودي في المخطوطات: أدلة لا تُنكر:
لا يمكن إنكار أنّ للحضور اليهودي علاقة وثيقة بتاريخ ألف ليلة وليلة. فأقدم إشارة معروفة لكتاب بهذا الاسم تأتي من إيصال من بائع كتب يهودي في القاهرة في القرن الثّاني عشر الميلادي، يسجل إعارة نسخة من “ألف ليلة وليلة”. وهذا يعني أنّ اليهود كانوا من أوائل المتعاملين مع هذا السّفر، بل ومن روّاده في عالم المخطوطات. كما أنّ أقدم المخطوطات الباقية من اللّيالي كُتبت بالعربية اليهودية (أي العربية المكتوبة بالحروف العبرية)، وكانت موجهة لقرّاء يهود. وهذا دليل مادّي لا يُستهان به على أنّ المجتمع اليهودي في العصر الوسيط كان جزءاً من جمهور اللّيالي، بل ومن ناقليها ومدوّنيها.
وتذكر الموسوعة اليهودية (The Jewish Encyclopedia, 1901) أنّ “الاهتمام اليهودي ب”اللّيالي العربية” يتّصل بالقسمين الأول والثّالث من المجموعة” وتحدّد مجموعة من الحكايات التي تبدو من مصادر يهودية، وتشير إلى أنّ بعضها ربّما استُخرج من أعمال وهب بن منبه (638-738م)، وهو يهودي اعتنق الإسلام. بل إنّ بعض الباحثين ذهبوا إلى أنّ الحكايات اليهودية في اللّيالي ربّما أُدخلت على يد أحد آخر المحررين.
هذا كله لا يترك مجالاً للشّك أنّ ثمّة حضور يهودي في تشكيل اللّيالي، ونقلها، وتحريرها. وهو أمر يثري فهمنا لتاريخ الليالي كنتاج للحضارة العربية الإسلامية التي احتضنت ثقافات متعدّدة.
ب. أطروحة البدري، من الحضور إلى “التّأليف اليهودي”:
لا يقف البدري عند هذا الحدّ -هو يذهب إلى ما هو أبعد بكثير- فيزعم أنّ اليهود هم المؤلِّفون الحقيقيون لألف ليلة وليلة، وأنّ الكتاب ليس مجرّد مجموعة حكايات، بل “برنامج فكري شامل” وُضع في “سنهدرين يهود بغداد” (أي المجلس الدّيني الأعلى لليهود) في عهد الخليفة المعتضد (892م). ويُحدد الشّخصية المحورية في هذا المشروع ألا وهو سعيد بن يوسف الفيومي (المعروف أيضاً بسعديا غاون)، الفيلسوف اليهودي المصري الذي هاجر إلى العراق وأصبح رئيساً لمدرسة سورا اليهودية. ويضيف البدري أنّ النّسخة العراقية الأصلية نُقلت إلى الأندلس خلال خلافة القادر (991-1031م) بعد إغلاق المراكز الثّقافية اليهودية في العراق، ثمّ تطوّرت في مصر الفاطمية لتخرج النّسخة المصرية التي نعرفها اليوم.
ثانياً: هل كانت الليالي مجرد تسلية أم مشروعاً فكرياً مغايراً؟
ت. جوهر الأطروحة، ملخص العرض:
يمكن تلخيص أطروحة البدري في النّقاط التّالية:
• التّأصيل اليهودي: يذهب البدري إلى أن “ألف ليلة وليلة” في نسختها العراقية (البغدادية) الأصلية، لم تكن مجرد نتاج ثقافي عربي-إسلامي، بل استندت إلى رؤية خاصة تهدف إلى خدمة أهداف غير منظورة، يعزوها إلى الفكر اليهودي.
• فريق التّأليف: يزعم أن فريقاً من أحبار اليهود (ما يشبه “سنهدرين” العصر العباسي) هو من تولى وضع اللّيالي، وليس مؤلّفاً واحداً، مستنداً في ذلك إلى غياب اسم المؤلف وتعدّد الأساليب.
• الرّمزية الكابالية: يرى أنّ الحكايات محمّلة برموز يهودية وكابالية (مثل “ملكة الحيّات”، “العجوز”، “شهرزاد”)، وأنّ هذه الرّموز ليست مجرّد زخرف قصصي، بل هي نواة الرّسائل المضمرة.
• الهدف السّياسي: يعتبر أنّ الهدف من هذا المشروع هو “تشويه الشّخصية العربية-الإسلامية” في “البنى التّحتية” لها، عبر التّرويج لصور عن العهر، والفجور، والجهل، والسّحر، وهو ما استفاد منه لاحقاً الاستشراق والإعلام الغربي لتشكيل صورة نمطية عن الشّرق وعن العرب. (صفحة 8).
03. قراءة نقدية في منهجية الكتاب وأدلته:
على الرّغم من ضخامة المادة التّاريخية التي اعتمد عليها البدري في الفصول التّمهيدية (خصوصاً حول تاريخ اليهود في العراق)، فإنّ الأطروحة الأساسية تعاني من عدّة إشكاليات منهجية:
أ. مشكلة الخَلط بين السّياق التّاريخي والنّص الأدبي :
يعتمد البدري على إثبات وجودٍ يهوديٍّ كثيف في العراق العباسي، وعلى نفوذهم السّياسي والاقتصادي، ثمّ يقفز استنتاجاً إلى أنّهم هم من خططوا لهذا العمل الأدبي الضّخم. يصر البدري على تأويل كلّ عنصر في اللّيالي رمزياً لخدمة رؤيته. هذا النّوع من التّأويل يحتاج إلى ضوابط صارمة في النّقد الأدبي. فما الدّليل على أنّ القارئ في العصر العباسي كان سيفهم هذه الرّموز؟ وما الدّليل على أنّ “العجوز” ترمز إلى “الحاخام”؟ هذا تأويل اجتهادي لا يمكن الجزم به، ويُعتبر قفزاً في الاستنتاج.
ب. مشكلة تعميم التّجربة اليهودية على مرّ العصور :
يحاول البدري ربط “ألف ليلة وليلة” بالماسونية والبروتستانتية والرّؤية الأمريكية للعالم. وهذا الرّبط يبدو “مفتعلاً” إلى حد كبير، ويعاني من اختزال التّاريخ العالمي المعقّد في مؤامرة واحدة مستمرة. فهو يفترض أنّ الحكايات التي ظهرت في بغداد العباسية هي نفسها التي ألهمت ثورة البيوريتان في أمريكا بعد قرون، وهذا افتراض يحتاج إلى سلاسل من الأدلة غير الموجودة في النّص.
3. نقاط القوة الحقيقية في الكتاب:
مع هذا النّقد الواسع الذي واجه المؤلّف، يقدم الكتاب بعض الفوائد، من أهمّها:
• التأكيد على دور اليهود في الحضارة العربية الإسلامية: يقرّ البدري في أكثر من موضع (صفحة 8) بأنّ اليهود كانوا “جزءاً من المجتمع العباسي” و”مواطنون مثل باقي أهل الذّمة”، وهذا صحيح تاريخياً. فقد شاركوا في التّرجمة، والطّب، والمال، وليس مستبعداً أن يكون لهم تأثير في الحياة الثّقافية.
• نفي التّقديس عن الموروث الشّعبي: يدعو إلى عدم تقديس “ألف ليلة وليلة”، وأنّه من حقّ الباحثين دراستها ونقدها، وهذا مبدأ أكاديمي سليم.
• رصد التّأثيرات الثّقافية المتبادلة: يلفت النّظر إلى أنّ التّراث الإنساني نتاج تفاعل، وأنّ العزلة الثّقافية غير موجودة في منطقة الشّرق الأوسط.
• بين الحقيقة والافتراء (استناداً إلى النص):
بيد أنّ ما استقر عليه رأي الدّارسين في شأن “ألف ليلة وليلة” أنّها نتاج بيئة عربية إسلامية، امتزجت فيها عناصر من حضارات متجاورة، بما فيها التّوراتية واليهودية. فيزعمون أنّ هذا الأمر لا يحتاج إلى كتاب لإثباته، فهو بديهي لأيّ باحث في التّراث المقارن. والكتاب نفسه يؤكّد على هذا التّداخل الثّقافي، وهو ما يعني أنّ هناك “حقيقة” في رصد التّأثيرات. فهم يرون أنّ المبالغة تكمن في أنّ هذا التّأثير يتحوّل على يد الملّف إلى “مشروع” متكامل بقيادة “سنهدرين يهودي” كان يسعى لتشويه صورة الإسلام والمسلمين. هذا “الادعاء” هو “الافتراء” أو “المبالغة” التي يفتقر فيها الكتاب إلى الدّليل القاطع. فحتى قراءات البدري الرّمزية للحكايات تبقى في دائرة الاحتمال، ولا تصل إلى درجة اليقين التّاريخي الذي يُبنى عليه مثل هذا الاتهام الخطير. لكن هذا الرّفض النّقدي لا يجيب عن غياب اسم المؤلف من اللّيالي كما غاب اسم المؤلف عن برتوكولات حكماء صهيون من بعد. ولا يفسّر ظهور كلّ واحد منهما على نحو المصادفة من خلال مُعيرٍ للكتب في القاهرة أو صحفيّ بريطاني في روسيا بالنسبة للبرتوكولات؟ ثمّ إنّ الغاية وراء التّأليف إن كانت لإفساد سمعة شخصيات مسلم حاكمة وإلحاق المجون بمجتمع مسلم، لابد أن ويكون وراءها قدر كبير من التّستر والكتمان فلا يظهر لها أثر في واقع النّاس يشير إلى مصدرها. وقد التمس لها اليهود عربية خاصة لكتابتها.
إنّ تصديق أطروحة البدري في جوهرها الذي يعترف أنّ للتّراث اليهودي تأثيراً حقيقياً في صياغة بعض حكايات اللّيالي، وذلك بسبب التّفاعل الحضاري العميق بين الثّقافات في العصر العباسي. يجعل فكرة اللّيالي بوصفها “مؤامرة ممنهجة” ممكنة قائمة، فالكاتب يطرح سؤالاً مهمّاً عن الهوية الثّقافية للّيالي، ويظل عمله مفتوحاً للنّقاش والنّقد، وهو ما يثري الحقل الدّراسي ويدفع إلى مزيد من البحث.”
04- قراءة البدري: اللّيالي كـ”برنامج فكري”
يرى البدري أنّ اللّيالي ليست مجرد تسلية، بل هي مشروع فكري متكامل، له أهدافه ومراميه. فهو ليس متفرّدا في هذا الادعاء، بل يرى كثير من الباحثين في بنية اللّيالي عمقاً فكرياً يتجاوز مجرد التّسلية. لكنّ البدري يذهب إلى أن هذا المشروع “يهودي الهويّة”، وأنّه يهدف إلى:
• تكييف الواقع الاجتماعي والثّقافي والسّياسي في المشرق العربي الإسلامي وفق رؤية يهودية.
• رسم طريق مستقرة لاستمرارية هذا التكييف.
• استعمال اللّغة الرّمزية في إيصال البرنامج الفكري، بحيث لا يفكُّ شفرته إلاّ المطّلعون.
ويُضيف البدري أنّ شخصيات اللّيالي الأساسية تحمل دلالات رمزية يهودية: فـ “شهرزاد” هي رمز للمرأة اليهودية، وتُشبه في دورها شخصية “إستير” في التّوراة التي أنقذت بني جنسها بدهائها. كما يرى في شخصية “العجوز” رمزاً للحاخام، وفي “السندباد” تجسيداً للفردية اليهودية المغامرة التي تسعى لتحقيق الذّات والنّفع.
05- القراءة النّاقدة، اللّيالي بين التّسلية والفكر:
***لكن هذه الأطروحة تواجه إشكاليات كبرى يحسن بنا تفصيلها حتى يدرك القارئ مدى العراك الفكري الذي أنتجه الكتاب، والذي قسّم الرّأي الفكري والأدبي إلى قسمين رافضين لبعضهما بعض، يدفع كل واحد منهما حجج الطّرف الثّاني، حتى بدا النّقد المضادُّ وكأنّه دفاعٌ مستميتٌ عن اليهود. يذكّر بذلك الدّفاع الذي رأيناه في كتبات كثير من العرب -قبل غيرهم من الأمم- في دفع إثبات صلة كتاب “برتوكولات حكماء صهيون” لليهود، وهذا تفصيل المرافعة النقدية ضدّ كتاب البدري :
أولاً: إنّ القول بأنّ اللّيالي “مشروع يهودي متكامل” يتجاهل الطبيعة التّراكمية للكتاب. فاللّيالي ليست عملاً واحداً كُتب في زمان ومكان محدّدين، بل هي طبقات متراكمة من حكايات من مصادر متعددة: هندية، فارسية، عربية، مصرية، وشعبية. وقد ذكر المسعودي في “مروج الذهب” أنّ أصل الكتاب فارسي، وهو ما تؤكّده المصادر الغربية. فنسبة المجموعة كلّها إلى مصدر واحد، يهودي أو غيره، هو تبسيط مخلّ. بيد أنّ الجزم بأنّها عمل تراكمي نشأ قي مختلفٍ من الأزمنة والأمكنة يحتاج إلى دليل قاطع هو الآخر. فالذي يقرأ اللّيالي لا يكاد يشعر بتغيير في الأسلوب، ولا بتغيير في الأزمنة، ولا في المواقع. فهو يخرج من قصة ليدخل أخرى في نظام لولبي تتناسل فيه الحكايات وتتشجّر من بعضها بعض. وهذا يعني أنّ النظام السّردي واحد في كلّ اللّيالي.
ثانياً: إنّ “الإسرائيليات” (أي الحكايات والمرويات ذات الأصول اليهودية) كانت جزءاً من النّسيج الثّقافي العربي الإسلامي منذ القرون الأولى، ودخلت في التّفسير، والحديث، والأدب، دون أن يعني ذلك أنّ هذه النّصوص مشاريع يهودية. فالتّفاعل الثّقافي بين الأديان في العصر العباسي كان ظاهرة طبيعية، لا مؤامرة. لكن الاحتجاج بالإسرائيليات وشيوعها في العلوم الدّينية لم يكن هو الآخر عملا بريئا. وحين نتحدث عن “الإسرائيليات” في التّراث الإسلامي، فإنّنا غالبًا ما نستحضر صورة محدّدة ألا وهي: روايات يهودية تسرّبت إلى كتب التّفسير، ثمّ تناقلها المفسّرون، والمحدّثون، والمؤرّخون، فاختلط الصّحيح بالموضوع، والقرآني بالكتابي، والتّاريخي بالأسطوري. وهذه الصورة صحيحة من حيث وجود الظّاهرة، لكنّها لا تكفي لفهمها. لأنّ المسألة أوسع من مجرد “روايات يهودية”. إذ نحن أمام عملية تاريخية طويلة من التّفاعل بين الإسلام النّاشئ والبيئات اليهودية، والمسيحية، والسّريانية، والفارسيّة، والعربيّة القديمة، نتج عنها انتقال قصص، ومفاهيم، وطرائق في الجدل، والتّفسير، ثمّ إعادة صياغتها داخل منظومات إسلامية جديدة. ومن هنا يصبح السّؤال الأدق ليس: هل تسرّبت الإسرائيليات إلى الإسلام؟ فهذا ثابت في حدود واسعة. وإنّما: كيف انتقلت؟ ولماذا انتقلت؟ ومن الذي نقلها؟ وكيف أعاد المسلمون توظيفها؟ وهل كان انتقالها عفويًا نتيجة التّفاعل الثّقافي، أم أنّ وراءه قصدًا منظّمًا لتغيير العقيدة والمعرفة الإسلامية؟
إنّ الجواب التّاريخي -في تقديري- هو أنّ العاملين موجودان، ولكن بدرجات مختلفة جدًا: التّفاعل الثّقافي حقيقة واسعة، أمّا المشروع المنظم لتغيير الإسلام فدعوى تحتاج إلى أدلة خاصّة لا توفّرها الظّاهرة في عمومها.
ثالثاً: إنّ قراءة اللّيالي كـ”برنامج فكري يهودي” تتجاهل التنوّع الهائل في الحكايات، واختلاف نبراتها وأغراضها. فثمّة حكايات صوفية، وأخرى سياسية، وثالثة فكاهية، ورابعة شهوانية. ومن العبث محاولة إخضاع هذا التنوّع لمشروع واحد.
رابعاً: إنّ محاولة البدري ربط شخصيات اللّيالي برموز يهودية (شهرزاد = إستير، العجوز = الحاخام) هي تأويلات ذاتية لا تستند إلى أدلّة نصّية أو تاريخية. وكما يشير الناقد، فإنّ غياب المرأة اليهودية المباشرة في اللّيالي لا يعني بالضّرورة أنّها حاضرة رمزياً.
3- قراءة استشراقية أم صراع فكري؟:
أ. البدري والاستشراق المعكوس:
ما يفعله البدري في كتابه يمكن وصفه بأنّه استشراق معكوس: فكما نظر المستشرقون إلى الشّرق بعيون غربية مسبقة، ينظر البدري إلى اللّيالي بعيون تبحث عن مؤامرة يهودية. وهو بذلك يكرّس ذات المنهج الذي ينتقده: قراءة النّص من خارج سياقه، وفرض إطار تأويلي عليه لا يستند إلى معطيات موضوعية. واللاّفت أنّ بعض الأفكار التي يطرحها البدري تجد صدى لها لدى باحثين إسرائيليين! فالباحث “فيكتور بوخمن” مثلاً، ينسب أصل اللّيالي إلى الفرس. أمّا الباحثون اليهود في الغرب، فقد أشاروا منذ القرن التّاسع عشر إلى التّشابه بين الإطار السّردي في اللّيالي وقصّة إستير التّوراتية، وذهب بعضهم إلى إمكانية وجود أصل يهودي للإطار السّردي، لكنّهم لم يزعموا بأنّ المجموعة كلّها يهودية.
ب. اللّيالي في سياقها التّاريخي:
الواقع أن اللّيالي نشأت في بيئة عربية إسلامية، لكنّها استوعبت ثقافات الشّعوب التي دخلت الإسلام، ومن بينها اليهود. وهذا هو شأن أيّ حضارة عظمى. فالحضارة العربية الإسلامية لم تكن جزيرة معزولة، بل كانت ملتقى ثقافات، ونتاج هذا التّلاقح هو كتبٌ مثل اللّيالي. والأدلة المادية تشير إلى أنّ اليهود كانوا جزءاً من هذه البيئة الثّقافية، ليس كمؤلفين خفيين، بل كقراء، وناقلين، ومدوّنين. ولكنّ القول بأنّهم المؤلفون هو قفزة غير مبرّرة. فالجمهورية التي احتضنت اللّيالي كانت عربية إسلامية، واللّغة التي كُتبت بها عربية، والإطار الثّقافي العام إسلامي. وما دخل من عناصر يهودية، أو فارسية، أو هندية، فهو مكوّن وليس مصدراً، والفرق بين المكوّن والمصدر هو الفرق بين الحقيقة والافتراء.
ت. بين الحقيقة والافتراء:
إن كتاب جمال البدري يطرح سؤالاً مهمّاً، فالحضور اليهودي في تاريخ ألف ليلة وليلة حقيقة تاريخية لا تُنكر، تشهد بها المخطوطات والإشارات التّاريخية. وتحويل هذا الحضور إلى “تأليف يهودي” و”برنامج فكري” هو مغامرة تأويلية لأنّ الليالي -في جوهرها- نتاج الحضارة العربية الإسلامية في أزهى عصورها، وقد استوعبت عناصر من ثقافات متعدّدة، بما فيها اليهودية. وهذا الاستيعاب هو سرّ خلودها وانتشارها، لا عيب فيها ولا مأخذ. فالثّقافات العظيمة لا تُنتج في عزلة، بل في تفاعل، واللّيالي خير شاهد على ذلك. ختم به البدري كتابه المثير للجدل قائلا: “وأدرك شهرزاد الصّباح، فسكتت عن الكلام المباح، وغير المباح” إشارة منه إلى جيوب الظّل التاريخية، والسّياسية، والأيديولوجية، التي لا تزال في حاجة إلى إنارة وكشف. فالحقيقة، مثل شهرزاد، تحتاج إلى ألف ليلة وليلة لتُروى، لكنّها لا تستطيع أن تخفي وجهها إلى الأبد.
04- الشخصية اليهودية في ألف ليلة وليلة:
تنبثق عبقرية “ألف ليلة وليلة” من كونها “سلطة معرفية” موازية للتّاريخ الرّسمي، فهي ليست ركاما من حكايات السّمر، بل هي خزّان أنطولوجي للأمشاج الثّقافية التي شكلت الوعي الجمعي العربي في العصر الوسيط. يتجاوز هذا الأثر الأدبي -من منظور جمال البدري- حدوده السّردية ليكون وثيقة سوسيولوجية تستنطق صمت التّاريخ حول وجود “الآخر”، حيث لم تكن الشّخصية اليهودية في اللّيالي محض كائن ورقي، بل ضرورة بنيوية لإعادة صياغة الواقع وتأطير التّعددية.
إنّ دراسة هذا المتخيّل تتيح لنا فهم التّفاعل المعقّد بين “التّاريخي” بوقائعه الصّارمة و”المتخيّل” بقدرته الفائقة على تحويل الوجود الإنساني إلى رموز مكثّفة، وهو ما يضعنا أمام نصّ لا يكتفي برصد الواقع، بل يعيد اختراعه بما يتوافق مع الرّؤية الكونية للمجتمع، مشكلاً جذوراً تضرب في أعماق التّربة العراقية قبل أن ترحل عبر الجغرافيا والزمان.
إنّ التّكوين الجنيني للشّخصية اليهودية في اللّيالي يستمدّ مادّته الخام من مشهد تاريخي عريق يمتدُّ من بابل القديمة، حيث تشكّلت “الصّورة الذّهنية” لليهودي في بلاد الرّافدين عبر تداخل الموروثات الفكرية والدّينية المتمثّلة في العهد القديم والتّلمود البابلي. هذا الموروث لم يكن غائباً عن الوعي الشّعبي العباسي الذي احتضن نضج هذه الشّخصية. فالسبي البابلي تحوّل من واقعة تاريخية إلى “مؤثّر سردي” يفسّر الذّهنية الاقتصادية والمعرفية التي وسمت اليهودي في القصّ الشّعبي.
لقد ساهمت البيئة العراقية، بتعقيداتها السّياسية والجغرافية، في صياغة ملامح الشّخصية التي انتقلت من جفاف النّصوص الدّينية والتّاريخية إلى رحابة الفضاء القصصي، محمّلة بخصوصية بابل وتألّق بغداد العباسية، ممّا جعل اليهودي في النّص العباسي يبدو قريباً من مراكز القوّة والمال، ممهّداً الطّريق لرحلة نصّية كبرى ستغير ملامحه عند انتقالها من ضفاف الفرات إلى ضفاف النّيل. وفي هذه الرّحلة بين الجغرافيات السّردية، تبرز “اللّيالي البغدادية” و”اللّيالي المصرية” كنموذجين لمقارنة أدبية تكشف أثر المكان على تمثيلات “الآخر”.
فبينما كانت النّسخة البغدادية تعكس مجتمع الخلافة المركزي حيث يتماس اليهودي مع دوائر المال والسّياسة، جاءت “الليالي المصرية” لتنغمس في التّفاصيل الحرفية والاجتماعية للقاهرة المُعزِّيَة. لقد تحوّر تمثيل الشّخصية في مصر ليصبح جزءاً من “الزّقاق والحارة”، مشبعة بروح المجتمع المصري الذي أعاد إنتاج اليهودي بنبرة محلّية تركّز على الحراك الشّعبي واليومي. هذا التحوُّل الجغرافي لم يكن مجرّد تغيير في الأسماء، بل كان تغييراً في “النّبرة السّردية”. فالفوارق الجوهرية بين بغداد والقاهرة أدّت إلى أن يصبح اليهودي في النّسخ اللاّحقة مرآة للتّحولات الاجتماعية المصرية، حيث تبرز التّفاصيل الدّقيقة للمعيشة والمهن كأداة لتنميط الشّخصية أو منحها أبعاداً جديدة تتناسب مع بيئة النيل. ويتجلّى التّشريح الاجتماعي لهذه الشّخصية عبر استعراض المهن الثّماني التي حصر فيها الخيال الشّعبي الوجود اليهودي، وهي مهنُ (التّاجر، الصّائغ، الصّيرفي، الطبيب، الدبّاغ، الخيّاط، الحايك، الكحّال)
إنّ هذا الحصر المهني لم يكن عفويّاً، بل كان “قناعاً أيديولوجياً” يربط بين الحرفة والمكانة؛ فبينما يمثل “الطبيب” و”الكحّال” هيمنة على أسرار الجسد والمعرفة العلمية التي تثير الرّهبة والثّقة في آن واحد، تأتي مهنة “الدبّاغ” لتربط الشّخصية أحياناً بنوع من الدّونية الاجتماعية المرتبطة بطبيعة العمل اليدوي الشّاق. استخدم المتخيل الشّعبي هذه المهن ليُحكم قبضة السّرد على الشّخصية، جاعلاً من “التّاجر” و”الصائغ” محرّكين للدّورة المادّية في الحكاية، بينما تحوّلت “الحرفة” إلى هويّة تعريفية تسبق الوجود الإنساني، ممّا أثّر على الحراك الاقتصادي داخل النّص، وجعل من المهنة وسيلة لتفسير طبيعة العلاقة بين المجتمع واليهودي كعنصر وظيفي بامتياز.
وفي عمق الاشتباك النّقدي مع النّص، تبرز المحاور الأربعة الكبرى التي حدّدها البدري: (الإعلام والسّياسة، المال والتّجارة والرّبا، الجنس والمرأة، والسّحر، والخرافة، والميثولوجيا). إنّ ربط اليهودي بـ “الرّبا” لم يكن مجرّد إعادة إنتاج لقوالب نمطيّة، بل كان انعكاساً لضغوط اقتصادية تاريخية استوعبها الخيال الشّعبي وأعاد صياغتها سردياً. ولعل المحور الرّابع، المتعلّق بالسّحر والميثولوجيا، هو الأكثر إثارة للقلق. فقد ارتبط اليهودي بالسّحر في المخيال الجمعي كنوع من الخوف من” “المجهول” ومن امتلاك “الآخر” لقوى غيبية لا يخضع لها المجتمع.
إنّ اللّيالي هنا لا تصف واقعاً بقدر ما تعبّر عن صراعات القوّة والسّيطرة، حيث يتحوّل “الرّبا” إلى رمز للهيمنة المادية، و”السحر” إلى رمز للهيمنة المعرفية، ممّا يجعل الشّخصية اليهودية ساحةً لتفريغ مخاوف المجتمع وتطلُّعاته في سياق سردي محكم. أمّا ما يُعرف بـ “الخطاب غير المسموح به” فإنّه يمثّل الفضاء الأكثر إثارة للجدل في أطروحة البدري، حيث يتناول قضايا الماسونية، وتعدّد النّسخ، وكيفية استقبال هذا الأثر في الغرب.
إنّ محاولة ربط “الليالي” بالماسونية في بعض القراءات المعاصرة، أو تحويل النّص إلى “أداة استشراقية” عند وصوله إلى أمريكا، يكشف عن الصّراع الأيديولوجي حول ملكية النّص. ويشير البدري إلى أنّ “تعدّد النسخ” كان أداة لتمرير خطابات معينة وتغييب أخرى، ممّا أثّر على الصّورة النّهائية للشّخصية اليهودية التي استُهلكت في الغرب كعنصر غرائبي. هذا التّباين بين النّسخ الأصلية والاستقبال العالمي يوضح كيف يمكن لنصّ تراثي أن يتحوّل من مُنْتَجٍ شرقي خالصٍ إلى أداة لإنتاج صورة “الآخر” وفق معايير غربية، ممّا يفقد الحكايات براءتها الأولى ويقحمها في صراعات الهويّة الحديثة. وتتبدى دراسة جمال البدري كرؤية نقدية رصينة نجحت في استنطاق المسكوت عنه في “ألف ليلة وليلة” كاشفة عن بنية ترفض الاختزال وتصرّ على تعقيد الشّخصية اليهودية ككيان تاريخي وسوسيولوجي.
إنّ تمثيلات اليهود في اللّيالي ليست مجرد هوامش قصصية، بل هي جزء أصيل من فهمنا للهويّة العربية وتاريخها في التعدّدية؛ فهي تعكس قدرة الوعي العربي القديم على “هضم الآخر” سردياً وتحويله إلى جزء من نسيجه الفنّي. والرّسالة الفكرية التي نخلص إليها هي أنّ دراسة هذه التّمثيلات تمنحنا بصيرة أعمق لكيفية تشكُّل الهويّات، وتؤكد أنّ “الليالي” تظل حارسة لذاكرة التعدّدية الثّقافية، معترفةً بأنّ التّباين داخل النسيج المجتمعي هو المحرك الحقيقي للتّاريخ والمتخيّل على حد سواء.
في كواليس “ألف ليلة وليلة” العجيبة:
إنّ الغوص في تفاصيل تلك المحاور الموضوعية الأربعة التي تشكّل الهيكل الأساسي الذي يتحرّك في فلكه اليهودي في فضاء الحكايات. إنّ تأمل تلك السّمات بشيء من البسط والعمق، يمنح التحليل فرصة أن يرى كيف رسم الخيال الشّعبي ملامح هذه الشّخصية الممتدّة بين الواقع والرّمز:
أ. المال، والتّجارة، والرّبا:
لا يظهر المال في حكايات اللّيالي، كوسيلة عابرة للعيش، بل يستحيل إلى جوهر وجودي ومرتكز نفسي تدور حوله الشّخصية اليهودية. فاليهودي لا يكتمل حضوره الدّرامي والجمالي في النّص إلاّ من خلال المال، والعمل، والتّبادل التّجاري. يرسمه الخيال الشّعبي دائماً في صورة التّاجر الحريص، أو الصّائغ الذي يفتن العقول بالمعادن، أو الصّيرفي الحذق الذي يحصي الدّينار والدّرهم بدقّة متناهية. هذا الولع بجمع الثّروة والتّكالب عليها يتجاوز السّلوك الاقتصادي العادي ليتحوّل إلى غاية تبرّر المغامرة، وتبرز بوضوح في التّعامل بالرّبا والحرص الصّارم على الرّبح، حيث يُصور اليهودي غالباً وهو يقايض الآخرين بشروط مادّية قاسية تعكس بخلاً وشحاً مفرطاً، يحرّك وجدانه ويحكم علاقاته الاجتماعية بالآخرين.
ب. السّحر ،والخرافة، والميثولوجيا:
ينتقل النّص بنا -بعد ذلك- من دكاكين التّجارة الواقعية إلى عوالم ميثولوجية غامضة، حيث يبرز المحور الثّاني ليرسم صورة “اليهودي السّاحر” الذي يمتلك مفاتيح الغيب، ويسيطر على القوى الخفيّة. في هذا الفضاء العجائبي، لا يكون السّحر ترفاً، بل يتحوّل في يد الشّخصية اليهودية إلى أداة للمراوغة وتحقيق مآرب غامضة ومريبة، وغالباً ما تلتصق به في وجدان الحكايات تهم إلحاق الأذى والضّرر بالآخرين. هذا التّداخل بين السّحر والمعتقد يكرّس النّظرة الشّعبية لليهودي ككائن يلفُّه الغموض والرّهبة، كائن يستعين بالطلاسم والتّعاويذ لينسج من خلف أستارها شبّاك مكره ودهائه، مما يضفي على ملامحه بعداً أسطورياً مخيفاً يثير توجّس أبطال الحكايات.
ت. الجنس والمرأة:
وحين نلج إلى المحور الثّالث، نجد أنّ اللّيالي تفتح أبواب غرفها المغلقة لتستكشف العلاقة الشّائكة بين الجسد والشّهوة من خلال المرأة اليهودية وعوالمها الخاصّة. وهنا، تتناول الحكايات أدواراً متعدّدة للمرأة اليهودية، متمحوّرة حول جاذبية الجسد وعلاقات اللّذة في السّياق القصصي المتشابك للّيالي. فالمرأة ليست محض شخصية هامشية، بل هي محرّك درامي يثير الفتنة والشّهوة، وتتقاطع صورتها مع قيم المجتمع ورؤيته للآخر الغريب. حيث يمتزج سحر الجسد برغبة المغامرة والعبور نحو عوالم “الآخر” الدّينية والاجتماعية، ممّا يجعل من قضايا الجنس، والأنوثة اليهودية، مرآة تكشف عن طبقات معقّدة من التّجاذب والنّفور الثّقافي والاجتماعي في فضاء القصّ الشّعبي.
ث. الإعلام والسّياسة:
يأتي المحور الرّابع ليأخذنا إلى صالونات السّياسة الخلفية، ودهاليز الحكم، حيث تتمثّل الشّخصية اليهودية في دور صانع الدّسائس وناقل الأخبار، ومحرك الأحداث من وراء الكواليس. في هذا الفضاء يبرز اليهودي كعنصر إعلامي خطير يمتلك القدرة على التّغلغل في مفاصل السّلطة، ومجالس الملوك بفضل فطنته ودهائه، ومتابعته الدّقيقة لمجريات الأمور. وبدلاً من المواجهة المباشرة، يفضل استخدام الكلمة، والخبر كوسيلة لنشر الفتن، أو نقل الأسرار، أو تدبير المؤامرات السّياسية التي تغير مسارات الحكم وتتحكّم في مصائر الأبطال. إنّه يمثّل القوة النّاعمة والمخاتلة التي توجه الأحداث خفية، مؤكّداً على تلك السّمة النّفسية التي اشتهر بها في اللّيالي من مكر، ومراوغة، لبلوغ غاياته.
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر.




