رياض كامل
مقدمة: تقرّر الإعلامية ياسمين شملاوي أن تدخل عالم الأدب من خلال مجموعة قصصيّة بعنوان “خبز بارد” (2026)، بعد أن كانت قد قدّمت في طفولتها نصوصا أدبية لفتت أنظار بعض الأدباء إليها، ما أهّلها، في سن الثالثة عشرة، لتصبح العضو الأصغر في اتحاد أدباء فلسطين. كتبت القصة والمقالة والقصيدة كعاشقة للكلمة، دون أن تفكّر بأيّ إصدار. أما اليوم، بعد أن اقتنعت بنضوج الأدوات الفنيّة، فقد قامت بإصدار بعض ما أنجزته مؤخّرا في كتاب تضعه بين يديّ القراء.
يطّلع القارئ في هذه المجموعة على عدد من القصص القصيرة التي تتناول مواضيع فكريّة، فلسفية واجتماعية تعكس رؤية الكاتبة إلى الحياة، وما يكتنفها من تعقيدات. ويبدو أنّ أكثر ما يشغلها هو عرض أحداث تكوّن، في اجتماعها معا، حالة نفسية لشخصية ما، حتى لكأنّها تغيب جسدا وتحضر روحا، أما وإن حضرت فقد يحضر الشكل الذي يخدم ما يعتمل في داخلها من مشاعر وأحاسيس أكثر مما يخدم الخارج.
تقوم هذه المقالة الموجزة بتقصّي طريقة بناء القصة لدى شملاوي، ودلالة البِنية السردية وعلاقتها بواقع الكاتبة وبيئتها، إذ كل عمل أدبي، وفق رؤية لوسيان غولدمان، هو تعبير عن رؤية للعالم. لقد بات معروفا اليوم أن البنية ليست الشكل الخارجي للعمل الأدبي، بل إنها الربط بين النص الداخلي، لغويا وشكليا، بالبيئة الخارجية، تاريخيا واجتماعيا، التي تعمل على إنتاجه. إنّ كل عنصر من عناصر السرد يستدعي خلق تلاؤم وتوافق مع بقية العناصر كي تبعث معا دلالات تخدم البنية الكلية للعمل الأدبي، بحيث إنّ أيّ تغيير في أحدها يستدعي تغييرا في بقية العناصر. فما هي البِنية التي اعتمدتها الكاتبة في هذه المجموعة؟ وما هي المواضيع التي عرضتها؟ وهل تمكنت من تجنيد تقنيات فنية تساهم في تجنيد القراء ومخاطبتهم؟
رسم الشخصية وبناؤها
اختارت الكاتبة الابتعاد عن المواضيع والأساليب الكلاسيكية التقليدية على حد سواء، واقتربت أكثر من الحداثة التي تتلاءم مع الحياة المعاصرة والمواضيع المعقّدة والمركّبة، فعملت على خلق شخصيات تتواجه مع تقلّبات الحياة المستجدّة. اعتدنا في السرد الفلسطينيّ أن نتوقّف عند الفلاح، والعامل، والمقاتل، والمشرّد، واللاجئ، مما استدعى خلق فضاء يتناسب مع الانتماء الاجتماعيّ والفكريّ للشخصية في فترة زمنيّة محدّدة. أما شملاوي فقد اختارت الابتعاد عن الشخصيات التقليدية المألوفة، ومالت إلى متابعة الإنسان المعاصر الذي بدّلت التكنولوجيا سبل عيشه رأسا على عقب، إثر تبدّل الأدوات وآلات الحياة اليومية، وتسارُع الاكتشافات والتجديدات. لذا فإن البيئة التي تدور فيها الأحداث مغايرة عما كانت من قبل، فلا ذكر لحقل أو مصنع، ولا لفلاح أو عامل، ولا حديث عن صراع طبقيّ، ولا عن غبن يقوم به أرباب الأرض والمصنع، بل هناك أشخاص يعانون من صدمة نفسيّة، إما بسب فقدانهم السيطرة على مصائرهم إثر غلبة التكنولوجيا، وما تودي به تعقيداتُ الحياة من تيه وبلبلة، وإما بسبب تعرّضهم لحادث فَقْد حبيب أو قريب، أو تهديم بيوتهم، أو تعرضهم لفقر مدقع.
إن أيّ واقع جديد يفرض رؤى جديدة تواكب المستجدّات وتسعى نحو تغيير الأشكال المألوفة، وقد رأينا أنّ القاصّة، في هذه المجموعة، لا تُعنى بالزمن الخارجي واكتفت بتنظيم زمن السرد لاهتمامها بالداخل أكثر من اهتمامها بالخارج، فلم نقع على أي تاريخ محدّد، أو ما يشير إلى حدث معروف، ولم نتواجه مع اسم لموقع عينيّ. لا يعني ذلك التنازلَ عن الوصف الدقيق والعميق الذي يهيئ الأجواء لعرض أحداث تتمحوّر في معظمها حول ما يعتمل في أعماق النفس، ربما لإيمانها أنّ هذا النوع من القصّ هو الأكثر تأثيرا ورسوخا، إذ قد يطيب الجسد ويتعافى أسرع، زمنيا، من تعافي النفس وعودتها إلى ما كانت عليه قبل وقوع الحدث.
إنّ أوّل ما تعمل عليه الكاتبة هو ذكر اسم الشخصيات المركزيّة في مقدمات معظم قصصها، أو الاستهلال بالحديث عنها دون ذكر الاسم، ما يدفع المتلقي للسعي لمعرفة خصوصياتها ومصيرها، وما يدور في خلدها من أفكار، وما سوف تقوم به من أعمال. سرعان ما يدرك أنّها ليست سوى رموز لما هو أوسع من مجرد شخصية ما تنتمي إلى زمان ومكان محدّدين. يظهر للمتلقي بعد معاينة الشخصية وتصرّفاتها وما قد يبدر عنها أنّها أداة سردية ووسيلة فنيّة للفت انتباه المتلقي ليقوم بمتابعتها والتعرّف عليها ليكتشف فيما بعد أنها تمثّل تجربة إنسانية عامة، وأن الاسم عامل مساعد في لفت نظر المتلقي وتحفيزه على متابعة التعرف عليه أكثر.
تنطلق شملاوي في طرحها من رؤية تؤمن بأنّ الإنسان بات أكثر تعقيدا إثر دخول التكنولوجيا الحديثة بكل مركّباتها ومكوّناتها، التي دفعته للبحث عن هويته في خضم هذه التجديدات. إن البحث عن الذات ليست فكرة جديدة ولا مسعى جديدا، إذ طالما عمد الإنسان إلى البحث عن ذاته وعن هويته منذ وُجدت الخليقة، ومنذ قايين وهابيل وما يمثّل كلٌّ منهما من قيم ورؤى خلقت تناقضات وتضادات حدت بقايين، بالذات، للبحث عن هويته.
إنّ بعض التجديدات المباغتة، على مر التاريخ، كالثورة الصناعية، على سبيل المثال، قد خلقت مجتمعات بشريّة جديدة ومغايرة عما كانت من قبل. من شأن مثل هذه الثورة وما تجلبه من تحوّلات جذرية في مسار البشرية أن تؤثّر في رؤية الناس لواقعهم الجديد ولمستقبلهم، فتدفعهم للبحث عن الذات في خضم هذه الثورة التي لم تقتصر على الصناعة، بل تعدّتها إلى الأفكار والرؤى. وبما أن ولوج هذا الموضوع يحتاج إلى متخصّصين في مجال علم النفس والانثروبولوجيا، لكن لا غضاضة من التذكير بأنّ كل تحوّل علميّ وفكريّ يُحدث تغييرات جذريّة في مفاهيم البشرية، وفي طريقة مواجهة كلّ جديد، ويفرض انعكاسا على بنية الإبداع الأدبي والفني.
تعمل الكاتبة، وفق هذه الرؤى الفلسفية، على تركيز كتاباتها على التحوّلات النفسية التي تولّدها أحداثٌ كبرى تخلق صدمة لدى شخصيّات قصصها، ما يفرض خلق بِنية خطاب قصصي تتلاءم مع هذه الرؤية. وبناء على هذه التعقيدات فإن الكاتبة ترى أنّ تقنيّات تيار الوعي هي الأكثر ملاءمة لحالة الإنسان العربي عامة، وحياة الفلسطيني المعاصرة خاصّة، وهو الذي يعيش أوضاعا لا تشبه أوضاع أي شعب آخر، تدفعه للصراع من أجل البقاء حيّا.
مقدمات مكثّفة
يلفت النظر، بشكل خاص، مقدّمات القصص ذات الحمولة الشاعرية التي تستوجب منا وقفة مطوّلة، في مناسبة أخرى، لإزاحة اللثام عن جمالياتها التصويرية ولغتها المكثّفة القادرة على تجنيد القارئ وتحفيزه على ولوج النص، ولنا على ذلك أمثلة عدة، نكتفي بما جاء في افتتاحية قصة “اليد الصغيرة” كأنموذج يعكس مميّزات هذه المقدمات: “لم يعد سامي إلى البيت لأنه اشتاق إليه. عاد لأنّ الحرب انتهت، ولم يعد لديه عذر آخر لعدم العودة. كان البيت نصف بيت. السقف غائب، والسماء مفتوحة فوق الغرف كعينٍ لا تُغمض. الجدران متشقّقة، كأنها حاولت الهرب ثم تراجعت في اللحظة الأخيرة”. (المجموعة ص 17)
تحوي هذه المقدمة، رغم قصرها، أربعة عناصر من عناصر السرد القصصي: الشخصية المركزية، المكان، الزمان والراوي الذي يسرد الأحداث عبر ضمير الغائب؛ يُعلِمنا أنّ هناك شخصا يدعى سامي يعود إلى بيته، بالأحرى إلى نصف بيته المتبقّي، بعد انتهاء الحرب، فيكتشف ما حلّ به من خراب ودمار. يثير هذا السرد، بكثافته وأجوائه المشحونة بالتوتر، المتلقيَ ويدفعه باتجاه طرح التساؤلات حول هذه الحرب ومؤثّراتها، وما كان الوضع عليه قبلها، وما يمكن أن يحدث مع سامي بعدها، خاصة وأن هذه اللغة التصويرية تبثّ الإشارات إلى المتلقي حول حالة البيت إثر ما طرأ عليه من تحوّلات مفزعة، وما قد تثيره من مشاعر لدى صاحبه، الشخصية المركزية، ولدى المتلقي ذاته، حتى ليبدو وكأنّ الكاتبة تسعى جاهدة لسبي القارئ كي يتشارك مع الراوي، الذي يحمل رؤية الكاتبة، في عملية التفاعل، وتهيئته لدخول مكامن نص ليس سهلا استيعاب مراميه في أول لقاء، مما يستوجب قراءته أكثر من مرة للإمساك بتلابيبه وجمع أطرافه كي يتمكّن القارئ من إدراكه والتحاور معه.
من الطبيعي أن يقوم القارئ، بعد اطلاعه على مثل هذه المقدمة اللافتة والمثيرة، بمتابعة القراءة لكشف العلاقة بينها وبين العنوان، من ناحية، وما يتلوها من أحداث، من ناحية أخرى، وبالذات كشف سرّ محاولة هروب الجدران وتراجعها، وما تحمله من إيحاءات ودلالات. لقد علّمنا رولان بارت أنّ لكل كلمة ولكل جملة وظيفة، وإلا أصيب النص بالترهل، إذ إن الإشارة إلى شيء عابر لا بد أن يكون له علاقة بما سيحدث لاحقا. يرى المتلقي، بعد متابعة القراءة، أنّ هذه كانت عملية إسقاط (Projection) تبيّن حالة سامي، الشخصية المركزية، وما يحمله من عبء نفسي على مدار ثلاث سنوات، حين اضطرّ أن يهرب من البيت جراء القصف، بعد أن تأكّد أن لا أحد بقي حيّا فيه، وأنّ تأخُّره هناك سيضيف قتيلا آخر. وسيكتشف أن هناك مأساة كبرى قد حدثت للبيت والابنة.
تدور الأحداث، كما نرى، حول شخصية تواجه أزمة نفسية، وللتعبير عن خفايا النفس فقد أوكلت القاصّة أمر السرد إلى راو كليّ المعرفة قادر على سبر غور الحالة النفسية، حتى ليبدو للمتلقي وكأنّ الشخصية هي التي تفتح قلبها وتكشف همومَها وتبيح بوجعها. إنّ مرور ثلاث سنوات على الحادث المؤلم لم يكن كفيلا لأن يداوي الأب، سامي، وهو يرى ما آلت إليه الأحوال: “وقف سامي في منتصف ما كان يومًا صالونًا. حاول أن يتذكّر شكل الأريكة، لون الستائر، أو مكان الطاولة الصغيرة التي كانت ليان تصعد عليها لتصل إلى النافذة. لم يتذكّر شيئًا. تذكّر فقط ضحكتها. كانت ترتدّ بين الجدران وتعود إليه مضاعفة، كأنّ البيت يضحك معها”. (اليد الصغرى، ص17)
هذه الصورة السينمائية المؤلمة الراسخة في مخيلة الأب ما انفكت تلاحقه وتخز ضميره وتعذّبه. إنّ تفاصيل المكان الخارجية تكشف ما كان عليه البيت يوما، وما أصبح عليه اليوم، وتُحيل، في الآن ذاته، إلى كشف ما كانت عليه الأحوال النفسية وما آلت إليه. لقد تبدّى الألم في أقسى صورته وأقصى حالاته من خلال ما كانت تبثّه الابنة الطفلة من فرح حين كان البيت عامرا، وما يبعث غيابُها القسري الأبدي في النفس من حسرة وألم. تفرض هذه التحولات حالة من التماهي مع هذه الشخصية وما تمرّ به من معاناة، تدفع المتلقي إلى متابعة ما يكشفه السرد اللاحق لسدّ الثغرات، فيزداد منسوب التشويق لديه، وهو الذي ينتظر كشف سرّ التسمية، “اليد الصغيرة”، التي تشير، لاحقا، إلى الابنة الطفلة التي مدّت يدها أملا بأن يقوم الأب بإنقاذها.
تعمل الكاتبة بصورة منهجية، في هذه القصة، وفي جل القصص، على بناء حبكة محكمة تعتمد على طرح مقدّمة موجزة مكثّفة تصدم المتلقي، ثم يسير السرد بشكل تدريجي في كشف ما تحمله هذه المقدمة من أسرار، حيث توكل القاصة للسارد العالِم بكل شيء، القادر على رؤية الخارج والداخل، مَهمّة بثّ صور متلاحقة يتلقّفها المتلقي ليربط فيما بينها. تعتمد القاصة الأسلوب ذاته في معظم القصص، منذ المقدمة مرورا بالأحداث التي تدور حول شخصية مركزيّة مركّبة حتى كشف اللثام عن مكنونات المقدّمة، ما يجذب القارئ ويحفّزه على متابعة الأحداث والتعرّف على مزايا الشخصية وبيئتها، وما تحمله القصّة، في مجموع عناصرها وحبكتها من دلالات تكشف عن رؤية الكاتبة نحو الحياة.
زمن السرد الداخلي
إنّ الموضوع القائم على الوجع النفسي، في قصة “اليد الصغيرة” قد استدعى هذه البنْية، التي تمثّل نموذجا لمعظم قصص هذه المجموعة التي تشترك فيما بينها بمعالجة قضايا نفسيّة حارقة، ما يولّد لدى المتلقي صدمة أشبه بالصدمة التي تعرّضت لها الشخصية المركزية ذاتها. تسلّم القاصة السرد، كما ذكرنا، لراو عليم قادر على التنقل بين الداخل والخارج، من ناحية، والربط بين الماضي والحاضر، من ناحية أخرى، من خلال تقنيات تيار الوعي، وتكسير الزمن.
يبدأ السارد، عادة، القص من الحاضر، ويسير بشكل منظّم ومنهجي نحو الماضي، عبر الذكريات، والفلاش باك، والمونولوجات، ثم يأخذ بالتنقل بين الحاضر والماضي وبالعكس، بصورة سريعة، وبطريقة مكثّفة أشبه بومضات ضوئية سينمائية. تضيف كل ومضة معلومة جديدة للمتلقي تحفّزه على متابعة القراءة واكتشاف ما يخفيه السرد من معلومات هامة حول الشخصيات. إنّ الماضي المؤلم بأحداثه، في قصة “اليد الصغرى”، وما يعيشه الأب اليوم من وجع بسبب هذا الماضي، يولّد خيطا ممتدّا ملتويا يتحرك بين زمنين، مما يساهم في كشف حالة الأب الذي مرّ تجربة فقْد البيت والابنة في يوم واحد؛ يدور كل ذلك في داخل الشخصية، يشعر به المتلقي وهو يعيش الأحداث عبر التصوير الخارجي المكثّف للمأساة، من ناحية، وعبر الاطلاع على تفاصيلها أثناء مرورها في ذاكرة الأب بأسلوب الفلاش باك، من ناحية ثانية.
لا يضع القارئ يده على حقيقة ما كان، ولا على حقيقة ما يجري لاحقا. يتساوى في ذلك مع ضبابية ما يراه الوالد، سامي، سواء كان ذلك حقيقة أم هلوسة، إلا أنّه يجد نفسه جزءا من الصورة المؤلمة، يشعر بما يمرّ به الوالد، الشخصية المركزية، الذي ما انفكّ يعاني من ألم عذاب الضمير الذي يلازمه منذ ثلاث سنوات. ولمّا كانت العودة إلى نصف البيت، أو ما تبقّى منه فقد لاحقه خيال ابنته الصغرى، وهي تناديه، “بابا” بشكل متقطّع بداية، ثم بصورة مترابطة لاحقا. وما يزيد المشهد مأساوية تلك الرسمة التي يكتشفها الأب، على بقايا أحد الحيطان، التي قد تكون هي الأخرى حقيقية أو مجرد هلوسة؛ حيث تمدّ الابنة يدها نحو جسد يعدو خارجا لعلّه يلتفت إليها فينقذها ويخرجها معه.
وبما أننا نتحدث عن بِنية منهجية متكررة تسعى الكاتبة إلى تبنّيها لتصبح ميزة شبه ثابتة من ميزات سردها، فإنا نرى أن السرد يتمركز في الداخل في جلّ القصص، دون ذكر لزمن خارجي يرتبط بحدث تاريخي، أو بمكان مألوف، كما ذكرنا سابقا، فيما أن الأمكنة مجردة إلا بما يربطها بالعواطف والأحاسيس سواء كانت مؤلمة أم مفرحة.
لا تعتمد ياسمين شملاوي في معظم قصصها على سرد متسلسل، بقدر ما تهتم بطرح حالة تستدعي من المتلقي التمعّن بتروٍّ في الصورة الكليّة للنص الذي يجمع بين الواقع والفانتازيا، والتوقّف عند الفكرة التي يفرزها هذا النص أو ذاك. وفي كلتا الحالتين يقع على كاهل المتلقي دور كبير في فهم وتفسير وتأويل ما أدركه من مجموع النص. وقد تتعدّد التأويلات، لا اعتمادا على قدرة المتلقّي وثقافته فحسب، بل في الاعتماد، أيضا، على قدرة النص ذاته على الانفلات والتحليق نظرا لما يكتنفه من غموض وضبابية ترمي إليهما الكاتبة قصدا؛ وهي التي ترى أنّ أحوال البشر لم تعد صفحة مفتوحة يمكن لكل راغب أن يكشف أسرارها.
خلاصة
بعد الاطلاع على مجمل ما جاء في هذه المجموعة يمكننا أن نقول إن ياسمين شملاوي تأخذ فكرتها الرئيسية، التي تبني عليها الأحداث من الواقع المعاصر المعقّد، وتعيد تشكيلها بما تسمح به عملية التخييل التي قد تصل حد الفانتازيا، دون التخلي عن الخيوط الدقيقة التي تذكّر القارئ بمرارة الواقع وصعوبات التواجه معه. وبالتالي فإن فلسطين، التي لم تُذكر بالاسم ولو مرة واحدة في أية قصة، نراها ماثلة بقوة من خلال كثير من الأحداث.
إن فضاء هذه القصص ليس فضاء فلسطين الذي اعتدنا عليه في القصة والرواية الفلسطينيتين، بل هو فضاء يتلاءم مع كثيرين ممن يعيشون تعقيدات الحياة اليومية التي جعلتهم يتواجهون مع أفراحهم وأتراحهم بطريقة مغايرة عما كانت عليه المواجهة من قبل، حين كانت الحياة أكثر بساطة، لكنّ هيمنة التكنولوجيا ووسائل الاتصال والتواصل، وما يتبعها، قد بدّلت حياة الناس، خلال فترة زمنية قصيرة، رأسا على عقب، ودفعت الفرد والجماعة للبحث عن الذات في خضم تسارع التجديدات، ودفعت بعض الأدباء للبحث عن هوية أدبية تتعامل مع كل ما يستجد من تغييرات علمية.
لا تبحث الكاتبة عن طريقة سهلة لمواجهة الواقع الجديد الذي فرضته التكنولوجيا الحديثة، أو الأحداث الكبرى الخارجة عن السيطرة، بل إنها ترى أنّ هذا الواقع يملي علينا فهم ما يجري، وإدراكه بشكل عميق حتى نتمكّن من متابعة العيش فيه بقوة وثبات، وإلا كانت النتيجة هي الضياع. إن إنسان اليوم، اعتمادا، على ما جاء في مجمل ما كتبتْ، ليس الإنسان الذي عرفناه على مدار سنوات طويلة، إذ ليس كل شيء بثابت؛ فالتغييرات سريعة إلى درجة قد تجعل المرء يفقد مقود الحياة، وإن لم يعمل على تحدي الواقع، مهما كان صعبا فمآله إلى الضياع. ربما كانت هذه دلالة مشتركة ترمي إليها الكاتبة من خلال مجمل ما كتبت.
تتّبع الكاتبة منهجية بنيوية تقوم على مواجهة المتلقي بمقدمة غنيّة شاعرية ومكثّفة لتحفيزه على عملية القراءة، ثم تبدأ بشكل تدريجي بطرح صور تكشف عن حالة نفسية للشخصية المركزية، تجعل القارئ مقودا نحو القيام بربط خيوط الحبكة التي تعتمد أساليب تيار الوعي، والذكريات والمونولوج والتنقّل بين الأزمنة، حتى تتكوّن لديه صورة مكتملة يوظَّف فيها الخارج لخدمة الداخل. تكشف هذه البنية المتكررة عن قيود تحدّ من قدرة الإنسان على التحرك والإنجاز إلا بعد بذل جهود مضنية.
لم تلتزم الكاتبة بالواقع الحقيقي في صورته المباشرة، بل ذهبت أكثر نحو المضمون التخييلي لهذا الواقع، فعملت على ما يبثه الواقع المعقّد، وهذا بحدّ ذاته عمل يستوجب مهارة خاصة في توظيف تقنيات حداثية تتناغم مع التغييرات المستجدة التي جعلت الواقع أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، فعمدت إلى التكثيف والإيحاء والإيقاع السريع الذي يتلاءم مع تبدلات الحياة.
قد يغرق السرد، أحيانا، في الغموض بحيث يتبلبل المتلقي فلا ينجح بالإمساك بالصورة الكليّة، حتى وإن قام بقراءة النص أكثر من مرة. إننا نعي أهمية هذه البِنية الدالة، ونرى أنها آلية ناجحة ومتطوّرة وسليمة وحداثية، لكنّنا نحذّر من الإغراق في الغموض الأشبه بسراب يحاول التائه العطش الوصول إليه فيتيه ويتعثر.
تتفاوت مستويات التأليف لدى الكاتبة وهي التي لا تزال في بداية مشوارها لكنها، اعتمادا على نصوصها، تصرّ على طرح الفكرة غير التقليدية، وعرضها بشكل يميل أحيانا نحو العبثيّة فتمزج بين الرومانسية والخيال العلمي ونظريات علم النفس ورؤى بعض الفلاسفة، ما يجعل النص مركّبا يبث صورة أشبه بالرسم التجريدي.
ياسمين شملاوي تدخل عالم الأدب من أوسع أبوابه، مدجّجة بآليات حداثية وفكر متمرّد يرفض الالتزام التام بما هو مألوف، تأخذ من القديم ما لا يمكن التنازل عنه وتأخذ من الحديث ما يتلاءم مع تقلبات الحياة المعاصرة.




