محمد حسين السماعنة. الأردن
أمشي على حافة الشعور، ولا حيلة لي وسط هذا الدمار والركام سوى ما تلتقطه الصورة التي تحاول أن تقول وتشرح…
وقفتُ عند الحاجز، لا كصحفي هذه المرة، بل كمن يختبر قلبه:
هل ما زال قلبك يا محمد قادرا على احتمال المشهد؟
الشارع كان طبيعيا إلى حدٍّ يثير الريبة.
والجنود المدججون بالسلاح كانوا طبيعيين جدا، يمارسون عادتهم في اختبار صبر المارين من بين مخالب الحاجز وأنيابه…
إلى جواري، كان سامر يضبط عدسته بمهارة وثقة وحرص، كأنه يرتّب عينًا إضافية لنا، عينًا لا يحق لها أن تغمض.
قلتُ له، دون أن أنظر إليه:
“خلّيك جاهز… أشعر أن الحاجز لن يدع اليوم يمر من غير أن يبكي هؤلاء المارين من بين أسنانه ومخالبه… هذا الهدوء غير طبيعي.”
سامر لم يرد؛ هو عادة لا يرد، يترك الكاميرا تتكلم عنه.
راقبت العيون كلها ذاك الرجل الذي ظهر من طرف الطريق، يمشي بتثاقل بأقدام واهنة، بين يديه طفل صغير، كلنا سمعنا بكاءه الذي ما انقطع.
استوقفه الجنود، فتوقف، طلبوا منه أن ينبطح على الأرض فانبطح، صرخوا فيه: أنت جاي تفجر، أنت مخرب
سمعناه وهو يقول لهم: “أنا جاي اخذ أكل لهذا الطفل’
– “اخرس، وابلع صرماية يا أخو …”
وانهالوا عليه بالضرب. رأينا أحد الجنود يقترب من الطفل، وسمعنا بعدها بكاء ممزوجا بالألم ينفجر من فم الطفل وفم أبيه. صوت رصاص ملأ المكان.
صمتٌ قصير، ثم رصاص كثير… كأن الجنود يعلنون انتصارا مؤجلا.
سقط الرجل سقوطًا دراميا، كأن الأرض نادته باسمه فاستجاب.
الطفل ارتطم رأسه بالأرض.
نظرت لا إلى الجنود، ولا إلينا، وإنما إلى الجسد الذي كان قبل لحظة يدًا تمسك الطفل، ثم سقط.
صحت بسامر: “صوّر.”
لم أعرف صوتي. كان باردًا… كأنني أصف الطقس.
اقتربنا.
الرصاص مرّ بقربنا، لم يكن يريدنا قتلى… فقط شهودًا خائفين، لكن الخوف، حين يعتادك، يتعب. توقفتُ لحظة. نظرتُ إلى سامر. لم يقل شيئًا، لكن عينيه قالتا: “إذا تراجعنا الآن… لن نعود.”
اقتربنا أكثر. كان المشهد يزداد وضوحًا، ويزداد غموضًا في الوقت نفسه. وكلما رأيتُ أكثر فهمتُ أقل.
قلت له: “اقترب… خلّي الصورة تحكي.”
قرّب العدسة، وأنا قرّبت قلبي من شيء لا أريد أن أعرفه.
الطفل على الأرض الآن. يده ما زالت ممدودة كأنها تؤمن أن اليد الأخرى ستعود.
انتهى إطلاق النار انتهى كل شيء إلا ما بدأ في داخلي.
جلسنا جانبًا. الصمت كان أثقل من الرصاص.
قلتُ له: “ورّيني.”
فتح الصور.
الأولى: لحظة السقوط.
الثانية: لحظة الفهم… تلك التي سبقت موت والد الطفل بثانية.
الثالثة…
تأخرتُ في التنفس.
اقتربتُ من الشاشة، كأنني أقترب من مرآة لا أريد أن أرى نفسي فيها.
“ارجع…”
رجع.
“كبّر الصورة…”
كبّرها.
الكتف!
الساعة!
ذلك الانحناء الذي أعرفه أكثر مما أعرف اسمي…
لم أقل شيئًا.
بعض الحقائق لا تُقال؛ لأنها لا تُحتمل.
انتقلتُ للصورة التالية:
الصندل… البنطال…الوردة الصغيرة…
أغلقتُ عيني، لكن الصورة بقيت. سقطتُ ليس لأنني ضعيف وإنما لأنني أخيرًا فهمت.
لم أكن أغطّي حدثًا، كنتُ أكتب خبر العائلة بصيغة الغائب. أنا لم أطلب تكبير الصورة،
أنا طلبتُ تأكيد الفقد.


