بقلم: طهراوي ياسين
لا يبدو العيد في تلمسان مجرد تقويم زمني يطوي صفحة الصيام، بل هو استحضار حيّ لذاكرة أمة، وانبعاث متجدد لهوية “لؤلؤة المغرب العربي” التي أبت إلا أن تظل وفية لجذورها الأندلسية العريقة. في هذه المدينة التي تتنفس التاريخ بين أزقة “الدرب” وأسوار “المشور”، يتحول عيد الفطر إلى تظاهرة سيميوطيقية تتجاوز الفرح العابر، لتصبح طقساً اجتماعياً يكرس قيم العائلة، التكافل، والجمال.
إن ما يميز الأجواء التلمسانية في هذه الأيام المباركة ليس فقط تلك الرائحة النفاذة لماء الزهر المقطر في البيوت العتيقة، ولا بريق “البلوزة” التي تحكي خيوطها قصص حضارة ضاربة في القدم، بل هو ذلك التناغم الفريد بين الوقار الروحي والبهجة الاجتماعية. هنا، يلتقي عبق “سيدي بومدين” بشموخ “المنصورة”، ليرسما معاً لوحة إنسانية تجعل من العيد محطة سنوية لمراجعة الذات وتوثيق الروابط التي تشد المجتمع التلمساني إلى بعضه البعض.
في هذا المقال، نغوص في تفاصيل “العيد التلمساني”، لننقل لكم نبض الشارع، ودفء البيوت، وسحر التقاليد التي تجعل من تلمسان وجهة لكل باحث عن الأصالة في زمن المتغيرات المتسارعة.
تلمسان في عيد الفطر: سيمفونية تجمع بين عبق التاريخ وأصالة الموروث
مع بزوغ خيوط الشمس الأولى ليوم عيد الفطر، ترتدي مدينة “تلمسان” حلة من البهاء لا تشبه غيرها. هنا، حيث تلتفت المآذن الأندلسية لتعانق هضبة “لالة ستي”، لا يمر العيد كفرحة دينية عابرة، بل يتجلى كلوحة فنية تختزل قروناً من الحضارة، وتفوح منها رائحة الزهر والمسك، معلنةً انطلاق احتفالية تلمسانية بامتياز.
التكبيرات الأندلسية: روحانية تملأ المآذن
تبدأ الرحلة من الجامع الكبير ومختلف مساجد المدينة العريقة. تختلف “التهليلات” في تلمسان بنغمتها الرخيمة التي تحمل صبغة أندلسية فريدة. يخرج الرجال والشباب، يتقدمهم كبار السن بوقارهم المعهود، مرتدين “الجلباب” التلمساني الأبيض أو “الجبادور” المطرز، في مشهد يعكس التمسك بالهوية البصرية للمدينة.
أناقة “البلوزة”: العيد واجهة للجمال
لا يمكن الحديث عن العيد في تلمسان دون التطرق إلى “الأناقة التلمسانية”. في صبيحة العيد، تتحول البيوت إلى منصات عرض للموروث العالمي. تطل النساء بـ “البلوزة التلمسانية” المنسوجة بخيوط “المسوس” و”السمسم”، وهي اللباس الذي تفتخر به نساء الحواضر. أما الصغار، فهم “فرسان العيد”، حيث يحرص الآباء على اقتناء أبهى الملابس التقليدية لهم، لغرس قيم التمسك بالأصل منذ الصغر.
سفرة العيد: “الكعك” سيد الموقف
إذا كانت لكل مدينة رائحة، فرائحة تلمسان في العيد هي مزيج من “ماء الزهر” و”الشنان”. تتربع صينية “كعك تلمسان” على عرش المائدة، وهو الكعك الذي يتم تحضيره بمهارة فائقة وطقوس جماعية تبدأ في أواخر رمضان. إلى جانبه، تجد “الغريبية” و”المقروط” التلمساني المرصع باللوز، ولا تكتمل الجلسة إلا بـ “الشاي المنعنع” الذي يُقدم في أوانٍ نحاسية تعود لأجيال مضت، يسمى “القهوة الكبيرة”.
“صلة الرحم” وطقس “المعايدة”
بعد صلاة العيد وتناول الفطور العائلي، تنطلق رحلة “المعايدة”. يتميز المجتمع التلمساني بتراتبية اجتماعية تحترم الكبير؛ حيث يتوجه الأبناء والأحفاد أولاً إلى بيت “الجد” أو “الكبير في العائلة”. ومن التقاليد الراسخة أيضاً زيارة المقابر للترحم على الموتى، خاصة مقبرة “سيدي بومدين”، في وقفة وفاء تمزج بين الفرحة والخشوع.
لالة ستي والمنصورة: متنفس العائلات

مع حلول الظهيرة، تشهد هضبة “لالة ستي” زحفاً بشرياً من العائلات التلمسانية والزوار. هناك، حيث يمتزج الهواء العليل بإطلالة بانورامية على المدينة القديمة، تقام المهرجانات المصغرة للأطفال، وتنتشر رائحة الشواء، بينما تظل صوامع “المنصورة” شاهدة من بعيد على عيدٍ جديد يضاف إلى سجل المدينة الحافل.
“المهيبة”: رباط المودة وشذى “الزهر”
لا يكتمل جمال العيد في تلمسان دون طقس “المهيبة”، وهو تقليد عريق يجسد التلاحم الاجتماعي وبداية تشكل الأسر الجديدة. في ثاني أو ثالث أيام العيد، تتوجه عائلة الخاطب بـ “المهيبة” إلى بيت “المخطوبة” في موكب عائلي بهيج. لا تقتصر المهيبة على الهدايا المادية من عطور وملابس فاخرة أو قطع الحلي الذهبية، بل هي رسالة تقدير ومودة. تُقدم هذه الهدايا وسط صواني الحلويات التلمسانية والروائح العطرة، حيث يحرص التلمسانيون على أن تكون “المهيبة” واجهة تعكس كرم العائلة وأصالتها، مما يضفي صبغة من الرومانسية والوقار على أجواء العيد.
“العيدية”: فرحة الصغار ودرس الكرم
أما بالنسبة للأطفال، فإن العيد هو “موسم الحصاد” السعيد. بملابسهم الجديدة وأصواتهم المبحوحة بالفرح، يتسابق الصغار بين بيوت الأعمام والأخوال للحصول على “العيدية” (المبالغ المالية التي يمنحها الكبار). هذا التقليد ليس مجرد توزيع للمال، بل هو أول درس يتلقاه الطفل في تلمسان حول قيمة العطاء والتواصل العائلي. وفي ساحات المدينة، ترى الصغار وهم يتباهون بحصيلة العيد، متوجهين نحو محلات اللعب أو العربات الملونة التي تنتشر في ساحة “المنور” و”وسط المدينة”.
مائدة الغداء: “سيد المائدة” وسيمفونية المذاق
عندما تدق ساعة الظهيرة، تفوح من البيوت التلمسانية رائحة تختزل عبقرية الطبخ الأندلسي. تتربع على عرش مائدة الغداء في اليوم الأول أطباق عريقة تعكس رقيّ المطبخ المحلي، وأبرزها:
• “الكسكسي التلمساني”: الذي يتميز بدقة حباته وتنوع مرقه، وغالباً ما يُزين باللحم المطهو بعناية مع “الزبيب” و”الحمص”.
• “طاجين البرقوق” (اللحم الحلو): وهو الطبق الذي لا تغيب شمسه عن مائدة العيد، حيث يمتزج طعم اللحم بـ “البرقوق” والمشمش المجفف والمكسرات المحمصة، مع لمسة من “ماء الزهر” التلمساني المقطر تقليدياً، مما يخلق توازناً فريداً بين الملوحة والحلاوة.
• “السلطات المتنوعة”: التي تفتح الشهية بألوانها الزاهية، لتكتمل المائدة بجمعة العائلة الكبيرة التي تضم الأجداد والآباء والأبناء في مشهد يجسد أسمى معاني التكافل.
إن عيد الفطر في تلمسان ليس مجرد انتهاء لشهر الصيام، بل هو محطة سنوية لتجديد العهد مع التقاليد التي تأبى الاندثار. هي مدينة تعرف كيف تحتفل بوقار، وتفرح بأناقة، وتستقبل ضيوفها بكرم يضاهي تاريخها العريق.
هكذا هي تلمسان؛ مدينة لا تكتفي بالاحتفال، بل تجمع بين قداسة الدين وعراقة الطين. من “مهيبة” العروس إلى “عيدية” الطفل، ومن رائحة “الكعك” إلى مذاق “الكسكسي”، تظل الحواضر التلمسانية وفية لإرثها، لتثبت في كل عام أن العيد هنا له طعم مختلف.. طعم التاريخ.





