المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

تيهيا

حسن لمين

في ظل شمس شمال إفريقيا الحارقة، على أطراف مملكة نوميديا العريقة كانت تعيش فتاة تدعى تيهيا، وقد نشأت في قبيلة أمازيغية عريقة، ترعى قطعان الماعز وتجوب الوديان والسهول مع عائلتها. كانت تيهيا ذكية وفضولية، تتمتع بروح مغامرة لا مثيل لها، وكانت محبة للاستطلاع بشكل مثير للغاية.

ذات يوم، بينما كانت تيهيا منهمكة في عملها اليومي، سمعت أصواتًا غريبة، فاقتربت بحذر، شديد لتجد مجموعة من الجنود الرومان يهاجمون قبيلتها ، وقد حمي وطيس الحرب،. واستماث الأمازيغ ودافعوا وقاوموا بشجاعة، لكن الرومان كانوا أقوى، حيث قتل العديد من أفراد القبيلة، بينما تم أسر آخرين، بما في ذلك تيهيا ..

أُخذت تيهيا إلى قرطاج، عاصمة الإمبراطورية الرومانية في شمال إفريقيا. وهناك، تم بيعها كأمة لعائلة ثرية. وهناك عانت في البداية من قسوة العبودية، لكنها سرعان ما تكيفت وانسجمت مع بيئتها ومحيطها الجديد، غير أن حقدها على العدو، ورغبتها في الانتقام يزداد ويتأجج في صدرها كل يوم .

مع مرور الوقت، اكتسبت تيهيا ثقة عائلتها حيث أُعجبوا بذكائها ومهاراتها، وسمحوا لها بالتعلم والدراسة، فتمكنت من دراسة اللغة اللاتينية والإغريقية وتفوقت فيهما، إضافة إلى اطلاعها الواسع على القانون ومختلف علوم عصرها، كما أنها أصبحت خبيرة في التاريخ والسياسة.

في الوقت نفسه، لم تنسَ تيهيا أصلها الأمازيغي، وظلت متشبثة بثقافتها وهويتها. لذلك كانت تتوق إلى الحرية والاستقلال، وتأمل في يوم ما تحرير أرضها وأهلها من نير وغطرسة الرومان الغاصبين .

ذات يوم، تناهى إلى سمع تيهيا أن أكليد ماسينيسا، زعيم الأمازيغ قد أبلى بلاء حسنا في مواجهة ومحاربة الرومان بشراسة وبشجاعة قل نظيرها فأُعجبت الشابة ببسالته وحكمته، ثم قررت مشاركته في نضاله وكفاحه من اجل وضع حد للظلم الروماني .

استخدمت تيهيا ذكاءها ومعرفتها للتواصل مع ماسينيسا وتقديم معلومات استخبارية عن الرومان لأنها بانسجامها معهم ظنوا أنها نسيت أصلها وأصبحت واحدة منهم غير أنها بدهائها وثقة العائلة الرومانية فيها تمكنت في بعض خرجاتها من الاتصال ببعض المقاومين المتخفين وتكوين خلية للمواجهة وبدأوا يضربون ضرباتهم، ويلحقون بالعدو الهزيمة تلو الأخرى. هذه الضربات أضافت إلى انتصارات ماسينيسا وجنوده قوة ضاربة جديدة، وبذلك تمكن من تحقيق الفوز بمعارك حاسمة، مما أدى إلى انهيار الرومان الذين اندحروا وتساقطت جثثهم على أسوار قرطاج. فانتشر النبأ كالنار في الهشيم عبر ربوع تامازغا الشاسعة مما عجل بتوحيد مملكة نوميديا تحت حكم ماسينيسا العظيم.

مع مرور الوقت، أصبحت تيهيا مستشارة مقربة من أكليد ماسينيسا. فقد اعتمد عليها لفطنتها وعلمها الغزير في إدارة شؤون المملكة، ووضع قوانين عادلة، وتحسين حياة الشعب الأمازيغي الحر الأبي الذي عرف حياة الاستقرار ورغد العيش في ذلك العهد .

ذُكرت قصة تيهيا في جميع أنحاء شمال إفريقيا وربوع تامازغا. حيث أصبحت بذلك رمزًا ومثلا أعلى للمقاومة الأمازيغية ضد الرومان، وضرب بها المثل في تحرر وانعتاق الشعوب.