المجلة الثقافية الجزائرية

تَجَلِّيات اللاوعي النَّفْسي وأدلّة فرويد على وجوده

د. علي صغير

يشهد تاريخ العِلْم على أنَّ الفرضيات والاكتشافات العِلْميّة الجريئة والجديدة التي تُحْدِث تحوّلاً جذريًا في اعتقاداتنا غالبًا ما تتعرَّض لموجة عارمة من الاعتراضات والانتقادات مصدرها علماء معتصمون (متمسكون) بحبل نظريات سائدة يخالونها مُنَزَّهة عن الخطأ ، وعصيّة على التَّعديل والتَّفنيد. وفي الحقيقة ، هذا هو قدر جميع الفتوحات العلميّة العظيمة أيًا كان مجالها وموضوعها. وبالطبع ، لم تشذ فرضية اللاوعي النَّفْسي الفرويدية عن هذه القاعدة. فلكل بدء عظيم مِحْنَته، ولكل معنى مخاضه ومعاناته. وإذا كان السِّجال النَّقدي هو القابلة القانونية المُوَلِّدة لكل حقيقة تطمح لأنْ تكون حقيقًة علميّة، فإنه لا عَجَبَ في أنْ يواجه مذهب التَّحليل النَّفْسي ما واجهه من رد ورفض ونقد من قِبَل علماء نَفْس الوعي وفلاسفته الذين لم ينكروا وجود لاوعي نَفْسي فحسب، بل جزموا أيضًا بفساد الرأي القائل به باعتباره قولاً ملتبسًا يَنمُّ عن تناقض منطقي في التَّفكير ولغو في التَّعبير. ومسوِّغهم في ذلك هو يقينهم المُطْلَق بأنَّ كل ما هو واع هو نَفْسي، وكل ما هو نَفْسي هو واع، ومن ثم، كل ما هو غير نَفْسي هو لاواع، وكل ما هو لاواع هو غير نَفْسي ولا يمت إلى النَّفْس بأية صلة لا من قريب ولا من بعيد٠ ومن هنا لا يصح، في رأيهم، الكلام على لاوعي عند الإنسان خارج نطاق تلك السَّيرورات الفيزيولوجية التي تعتمل فيه ولا يشعر أو يحس بها إبَّان حدوثها كنمو الشَّعْر والأظافر وما شابه٠
وفي خضمِّ السِّجال العلمي مع المعترضين على فرضية اللاوعي النَّفْسي والمشككين في مشروعيتها كان لزامًا على فرويد ايضاح اشراقاته وبرهنة حدوسه بإِبراز ما في حوزته من حجج وأدلّة وبراهين تثبت، أولاً، وجود لاوعي نَفْسي ، وترفع ،ثانيًا، الفرضية القائلة بوجوده إلى مصاف النَّظريات العلميّة(1) . ولمَّا كان منطق الكشف العلمي يشترط البيّنة على من ادَّعى، وأنَّ لا حقيقة إلاّ بالبرهان، فإنَّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن فوراً هو : ما هي الأدلّة والمُسوِّغات التي ساقها فرويد لإثبات صحَّة أطروحاته المذكورة أعلاه ؟ بادئ الأمر وقبل الولوج في الإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ أدلّة فرويد ترتكز ، في مجملها، على تَجَلِّيات اللاوعي ومظاهره. ذلك أنَّ لا شيء مما هو لاواع ومكبوت يتلاشى أو يموت، لكنَّه يُجْبَر على الصَّمْت والسُّكُوت ٠ ففي النِّهَاية لا مندوحة لكل ما يُغْرَس ويُكْبَت في اعماقنا النَّفْسيّة عن الظهور والانكشاف عاجلاً أم آجلاً بصورة أو بأخرى. فاللاوعي ومهما كَتَمَ أسْرَاره دلّتنا عليه آثاره التي تتخذ أشكالاً متعددة ،ومن أبرزها:

1) الأفعال النَّاقصة ( (parapraxis- ويدخل في عدادها: زلاّت اللسان وأخواتها (من مثل الغلطة الكتابية miswriting، الخطأ الطباعي mistyping، الخطأ السمعي mislistening، والخطأ في القراءة misreading) ؛ والنِّسْيان ( نسيان الكلمات والأسماء والأشياء والوقائع والأحداث والأشخاص) ؛ ضياع الأشياء أو إضاعتها؛ والمزاح (الفكاهة والنُّكات) ؛ والتَّصرفات غير المناسبة؛ والايماءات والتَّعابير والحركات والانفعالات التي تبدر من المرضى في سياق الجلسات العلاجية بما في ذلك الطريقة التي يدخل بها المرضى إلى العيادة وكيفية خروجهم منها: هل يغلقون الباب أم يتركونه مفتوحًا؟ وهل يشدّون على يد فرويد عند المغادرة أم لا؟ وغير ذلك من سلوكيات وطقوس. وبالاتفاق مع القناعة القائلة بأنَّ لجميع الظواهر النَّفْسيّة عللا وشروطا ، ولا يكون شيء منها جزافًا ولا اتفاقًا إلاَّ في النَّدْرَةِ ،انطلق فرويد متسلحًا بمبدأ الحتميّة في الحفر والتَّنقيب عن أصل هذه الأفعال وما تستبطنه من معانٍ ودلالات. وعلى هذا الطريق خصَّ فرويد هذه الأفعال المغلوطة بمؤلَّف مستقل نشره عام 1901 بعنوان \”علم نَفْس الحياة اليوميّة المَرَضِي\” يُبَيِّن فيه بالأمثلة والشواهد الحياتيّة والعياديّة ما بينها وبين اللاوعي من ارتباط وثيق وإتصال عميق، نستعرض ههنا بإيجاز أهمها :
1-1) زلاّت اللسان lapsus linguae : جرت العادة منذ القدم على عدم إيلاء زلاّت اللسان أدنى اهتمام باعتبارها هفوة لفظيّة بريئة شائعة الحدوث عند النَّاس جميعًا لا تحمل في طياتها أي قصد مستتر ومعنى باطني. وذهب البعض إلى حد القول إنَّ محاولة صرف زلاّت اللسان إلى معنى تحتمله هي بذاتها \”إثم كبير\” لما تضمره من خبث وسوء ظن بالإنسان. وعلى الضد من ذلك يولي فرويد زلاّت اللسان أهمِّيَّة بالغة معتبرًا النظر فيها من حسن الفطن. فهي أصْدَق إنباءً من كل ما يبوح به الإنسان ويزعمه، لأنَّها تفضح زيف الكلام الظاهر وتكشف حقيقة السرائر. فهي ترجمان كل ما يكبته المرء من رغبات ويكتمه من مشاعر وآراء لا يجرؤ على المجاهرة بها والافصاح عنها، مثال ذلك : ذات مرة حدّثت إمرأة فتيَّة فرويد عن زوجها المريض الذي استشار الطبيبَ في أمر الحِمْيَة الغذائية التي ينبغي له أنْ يتبعها فقالت : لقد أكدَّ الطبيب لزوجي أنَّ لا ضرورة لأية حِمْيَة غذائية وأنَّ بإمكانه أنْ يأكل كل ما اشتهيه وأريده ( بدلاً من القول كل ما يشتهيه ويريده). وبالفعل، فقد عبَّرت هذه الهفوة اللفظيّة عن ميل المرأة إلى السيطرة على زوجها وإملاء إرادتها عليه(2) . ومن الأمثِلة الأخرى على الصلة الوطيدة بين زلاّت اللسان واللاوعي يذكر لنا فرويد زلّة لسان رئيس مجلس النُّوَّاب النّمساوي الذي قال عند بدء الجلسة وافْتِتاحها اسمحوا لي باخْتِتَام الجلسة بدلاً من القول اسمحوا لي بافْتِتاح الجلسة فأبان بهذه الزلّة عن رغبته الدفينة في عدم انْعِقَادها بسبب اقتناعه الراسخ بأنَّ لا خير يُرتجى منها(3) .
1-2) النِّسْيان : على الرغم من أهمِّيَّة الدراسات التي ترد النِّسْيان إلى أسباب وعوامل فيزيولوجية أو عوامل أخرى من مثل قلّة الانْتِباه والتَّركيز، وانعدام المراجعة والفهم، إلاّ أنّها، في رأي فرويد، أهملت التَّأثير الذي يمارسه اللاوعي على النِّسْيان. إذ يرى فرويد في النِّسْيان آليًة لتصفية قضايا عالقة مقلقة، ووسيلًة لتحرير الذاكرة من أسماء وأحداث ومشاعر أليمة ومُذِلّة، وهو غالبًا ما يخفي وراءه مشاعر بغض وعدوانية تجاه شخص أو موضوع ما. ويضرب فرويد لنا مثلاً عن زوج شاب يعاني الأمَرّين في حياته الزوجيّة بسبب البرودة العاطفية التي تبديها زوجته تجاهه، وانعدام الود المتبادل بينهما. لكنَّ حدث ذات يوم أنْ اهدته الزوجة كتابًا لعلمها بأنَّ فيه ما يستهويه ويعنيه، فشكرها على هذه الالتفاتة واعدًا إياها بقراءته. وتمضي أشهر عدة من غير أنْ يفي الزوج بوعده إلى أنْ تَذَكَّر الكتاب فجأةً فقام بالبحث عنه، لكنه اخفق في إيجاده بعد أنْ نسي تمامًا المكان الذي وضعه فيه. وصادف بعد مرور نصف سنة على تلقي الكتاب الهدية أنْ تمرض والدته العزيزة جدًا على قلبه مرضًا شديدًا فقامت زوجته برعايتها والاعتناء بها على أكمل وجه. والحال ، فقد أفضى تصرُّف الزوجة الراقي والنبيل إلى إزالة التَّوتر العاطفي بينهما، الامر الذي سرعان ما أسعفه على تَذَكَّر موضع الكتاب المفقود(4). ومن الأمثِلة على نسيان الأسماء يروي لنا فرويد حادثة اختلف فيها مع احد مرضاه حول عدد الفنادق في منتجع صيفي اعتاد عالِمنا، وعلى امتداد سبع سنوات متتالية، الاصطياف فيه، فجزم فرويد بوجود فندقين فقط، في حين أصرَّ المريض على وجود ثلاثة ومن بينها فندق \”Hochwartner\” وهو اسم الفندق الذي نسيه فرويد وانكر وجوده تمامًا. وما أنْ تَيَقَّن فرويد صُدْقَ مريضه حتى طرح على نَفْسه سؤالين أولهما يتعلق بواقعة النِّسْيان ذاتها، وثانيهما يتعلق بالسبب الكامن وراء نسيان وجود الفندق المذكور آنفًا بالذات لا غيره. والحال، فقد وجد فرويد أنَّ الأصل في ذلك، إنَّما مرده إلى التَّشَابُه الحاصل بين اسم الفندق واسم زميل له يعمل في التَّخصص ذاته وتربطه به علاقة سيئة، وبالتالي، كان من شأن ذكر هذا الإسم وكل ما يتصل به أنْ ينكأ في نَفْس فرويد جِرَاح \” عداوة الكار\” وضغائنها\”professional complex\”(5) .
3-1 ) الفكاهة (النُّكات والمزاح) : هي وسيلة ظاهرها كوميدي هزلي وباطنها جدّي يلجأ إليها الإنسان للالتفاف على الممنوعات والقيود والإكراهات الإجتماعيّة ،وللتعبير عن رغباته وآرائه ومشاعره المرفوضة من المجتمع مبدِّدًا عبرها الشِّحنات السَّلبية النَّاجمة عن الميول المكبوتة، ولا سِيَّمَا ، الجنسيّة والعدوانيّة منها.

4-1 ) التَّصرفات غير المناسبة (المغلوطة) faulty actions : والمقصود بها هو تلك التَّصرفات التي يأتيها الإنسان عفويًا في غير محلها وبما يتعارض مع الأعراف السَّائدة ومثالها حادثة يرويها لنا فرويد من تجاربه الشَّخصيّة مفادها أنَّ عالِمنا وفي بدايات عهده بمزاولة عمله طبيبًا ممارسًا كان يقصد بيوت بعض المرضى لمعالجتهم والوقوف على أحوالهم الصحّية فاتفق أنْ لاحظ ذات مرة أنَّه وما أنْ يصل إلى شقق بعض المرضى حتى يهم بالدخول من دون استئذان مستخدمًا المفتاح الخاص بمنزله عوضًا عن قرع جرس شقة المريض. وبعد التَّنَبُّه لهذا التَّصرف الخارج عن المألوف والتَّفَكُّر فيه وجد فرويد أنَّه يفعل ذلك على ابواب بيوت أولئك المرضى الذين يشعر بإرتياح كبير عندهم كما لو أنَّه في بيته(6) .

2) الأحلام : كانت الأحلام ولم تزل مَحَطَّ اهتمام البشر ومثار دهشتهم وحيرتهم. إذ قلَّما نجد ثقافًة أو عصرًا لم تكن فيه الأحلام موضوعًا خصبًا للتَّأويل ومادًة للدرس والتَّحليل. ويمكن القول إنّ علاقة البشر بالأحلام بقيت ردحًا طويلاً من الزمن مُعَلَّقة ومتأرجحة بين مقاربتين : واحدة غيبيَّة والأخرى فيزيولوجيّة. فالأحلام ،بموجب القراءة الأولى، ما هي إلاّ بوابة تواصل مع عالم الغيب ورسائل توحي بها قوى ماورائيّة وما فوق إنسانيّة لا حول للإنسان في التَّحَكُّم بمواقيتها وبمضامينها. وهي غالبًا ما تكون على نوعين : الأول هو الذي تكون الأحلام فيه إلهامًا ووحيًا ربّانيًا ،وبالتالي، رؤى صحيحة صادقة تنبئ الإنسان عن أحداث مستقبلية ،على سبيل التَّبشير بخير أو التَّحذير من شر مستطير، وتكشف له أسرارًا خفية مما فات ومما هو راهن ومما هو آت ؛ والثَّاني عبارة عن أضغاث أحلام ووساوس شيطانيّة. أما المقاربة الثَّانية فلا ترى في الأحلام سوى استجابة دماغيّة إما لمثيرات خارجيّة مؤثرة على حواس الإنسان أو لعامل عضوي داخلي أو لما يُحَدِّث به الإنسان نَفْسه . وبالاتفاق مع هذه المقاربة يغدو تفسير الأحلام ضربًا من ضروب الشَّعْوَذَة وهدرًا للوقت والجهد في ما لا طائل منه ولا معنى له. وإذ يستبعد فرويد كلتا المقاربتين ، فإنه يَعُدُّ الأحلام واقعًة نَفْسيّة إنسانيّة أصيلة ممتلئة بالدلالات وزاخرة بالمعاني. لكن هذه المعاني تقررها معايير الأرض والحياة لا معايير السَّماء. فما يظهر في الحلم، إنَّمَا هو حقيقة إنسانيّة تعكس بصورة رمزية ومُكَثَّفة مشاعر الإنسان وذكرياته السَّحيقة ورغباته المكبوتة. ذلك أنَّ الأحلام هي أشد الظواهر النَّفْسيّة اتصالاً والتصاقًا باللاوعي. ولعل هذه الحقيقة هي السبب الكامن وراء ذلك الاهتمام الفائق والاستثنائي الذي اولاه فرويد للأحلام شرحًا وتفسيرًا وتأويلًا. ومن أجْل أنْ نفهم سِرَّ هذه الصلة الوطيدة بين اللاوعي والأحلام لا بدَّ من التَّذكير أنَّ المشاعر والرغبات المقموعة لا تندثر من دون أثر مهما اشْتَدَّ الكبت وكثر، إنَّمَا تبحث عن الدروب والملاذات الآمنة البعيدة عن خطر المُعَاقَبَة وأعْيُن الرقابة الداخليّة والخارجيّة لتأخذ نصيبها من التَّعبير والتَّعويض والإشباع الخفي. ولا غرابة في ذلك طالما أنَّ حالة النوم هي إحدى أهم اللحظات التي يقتنصها اللاوعي ويترقبها بفارغ الصَّبْر لتحقيق ما صُدَّ من رغبات مُسْتَغِلاً التَّراخي الملحوظ حينها لقوى الكبت. إذ كلما قلَّت حظوظ الرغبة في الإشباع الحقيقي تعاظم شأنها في الوهم والخيال والحلم. فالإنسان لا يهجر ولا يكبت شيئًا إلاَّ ليستعيده على مستوى آخر. ومن هنا كانت الأحلام هي الفضاء الأمثل الذي يحيي فيه اللاوعي كرنفالاته التَّنكُّرية، والملجأ الحميم الآمن الذي يستعيد فيه الإنسان فردوسه المفقود، والمُتَنَفَّس لمراجل غليان شهواته، والمَنْفَذ لانضغاط حرارة براكينها الناشطة. لذا، كانت الأحلام، بالنسبة إلى فرويد، هي المَنْجَم المطلوب للمُنَقِبِ عن اللاوعي والباحث فيه، وكان \”تفسير الأحلام هو الطريق الملكي via regia إلى معرفة اللاوعي النَّفْسي واكْتِنَاه أسراره\”(7) .

3) التَّنويم وإيحاءات مابعد التَّنويم : لعله لا مبالغة في القول إنَّ ظاهرة التَّنويم هي من أُولَى وأبرز الظواهر النَّفْسيّة التي لفتت أنظار فرويد إلى وجود لاعب نَفْسي آخر على مسرح الحياة النَّفْسيّة يلعب من وراء ظهر الوعي ويتلاعب به. فالتَّنويم هو السهم الذي أصاب كعب آخيل الوعي . فقد لاحظ فرويد إبَّان فترة التَّدرُّب على تقنية التَّنويم كما إبَّان فترة معالَجَة المرضى به جملًة من الوقائع الصادمة التي تفضح فراغات الوعي ومَواطن ضعفه(8) . وتتجلى هذه الوقائع على غير مستوى وصعيد بدءًا من إطلاق المرضى في أثناء التَّنويم العنان لمواجيد وأسرار حميمة لا يرغبون في البوح بها ، واستعادتهم لذكريات وأحداث قديمة لفَّها النِّسْيان ، مرورًا بامتثالهم التَّام لإيحاءات الطبيب المنوِّم وتوجيهاته، وصولاً إلى أنَّ المرضى (والأشخاص عمومًا) وبعد ايقاظهم من التَّنويم لا يدرون خبرًا ولا يحيطون علمًا لا بما صَدَرَ عنهم من أقوال ولا بما بَدَرَ منهم وحَدَثَ معهم من أفعال، وانتهاءً بالاهتداء إلى الأسباب النَّفْسيّة اللاواعية للاضطرابات الهيستيرية.

4) الأمراض والاضطرابات السلوكيّة والنَّفْسيّة من مثل العصاب والهيستيريا والاكتئاب والوساوس القهريّة والرهاب والعدوانيّة وغيرها: كان الاعتقاد السائد في أوساط طب الأمراض النَّفْسيّة والعصبيّة، عندما بدأ فرويد مسيرته المِهْنيَّة، أنَّ هذه الأمراض ما هي إلاّ نتيجة لعاهة في أحد أجهزة البدن أو خلل في الدماغ. ومن هنا كانت التقنيات والأساليب العلاجيّة تقتصر على الأدوية والعقاقير المُسَكِّنة
( بما فيها جرعات مدروسة من الكوكايين) والمقويات والصدمات الكهربائية والحمامات الباردة منها أو السَّاخنة، هذا إلى جانب نصح المريض بتغيير طريقة حياته وأخذ إجازة والذهاب في رحلة بعيدة والتَّرَيُّض وما شابه، وذلك تبعًا لحالة المريض وطبيعة مرضه. والجدير بالذكر أنَّ فرويد نَفْسه وفي السَّنوات الأولى من ممارسته الطبيّة لم يَحدْ قيد أُنْمُلة عن هذه التَّقاليد العلاجيّة، لكنَّه سرعان ما أيقن بحدسه الثَّاقب خطل التَّفسيرات العضوية لأصل هذه الأمراض النَّفْسيّة، وعقم الطرائق المفلولة المُتَّبَعة في علاجها. وأمام هذا التَّحدي راح فرويد مدفوعًا بالأمانة المِهْنيَّة وإرادة المعرفة يُنَقِّب في ما وراء ثنوية الجسم والوعي عن \”الملفَّات السِّرِّية\” للذات الإنسانيّة علَّه يجد فيها ما يروي تعطشه إلى القبض على الأسباب الحقيقية لهذه الأمراض النَّفْسيّة. وبالفعل، فقد أفضت بحوث فرويد المتواصلة والمضنية إلى نتائج غير مسبوقة مفادها أنَّ أسباب العصاب والهيستيريا وغيرهما من الاضطرابات النَّفْسيّة والسلوكيّة ليست عضوية- حتى ولو كانت أعراضها بدنيّة- بل نَفْسيّة لاواعية متصلة بأحداث وذكريات أليمة ومكبوتات جنسيّة تعود إلى سنوات الحياة المبكرة الأولى. وهذه السَّنوات ، في رأي فرويد، هي الفترة التَّأسيسية والأشد حساسية، لأنَّ أقسى أشكال الكبت وأخطرها تَحْدث بأكملها في أثنائها. فالطفولة هي مفتاح الشَّخصيّة الإنسانيّة السَّوية منها وغير السَّوية على حد سواء. لذلك دأب فرويد على العودة بالعمل التَّحليلي إلى تلك الفترة من الحياة لاستجلاء تلك الحيثيات المطوية والمواقف المنسيّة التي أدَّت إلى المرض مستثمرًا كل ما لديه من فن وحنكة في مساعدة المريض على تَذَكُّرِها، ورصد كل ما يظهر عليه من أعراض، وتفسير ما يراه من أحلام، وما يمر بخاطره من أفكار تتداعى تداعيًا حرًا. وإذا ما أفلح الطبيب في أنْ يعيد إلى ذاكرة المريض تلك المواقف التي أدت إلى الكبت ومَكَّنَه من التَّغلب على الشُّعُور بالمقاومة والحرج من البوح بها كان جزاء الأخير على هذه الاستجابة عظيمًا وعادت عليه بالنفع الكبير(9) .

5) نجاعة التَّحليل النَّفْسي وفعاليته العلاجيّة : اتخذ فرويد من النجاحات المُحْقَّقة والنتائج الشفائية الباهرة التي يجترحها التَّحليل النَّفْسي في معالجة أمراض نَفْسيّة عُدَّت طوال قرون عصية على العلاج معيارًا للحكم على مصداقية فرضية اللاوعي وشاهدًا عمليًا على صحّة الأساس أو المبدأ النظري المُعَوَّل عليه في عملية التشخيص والعلاج. بعبارة أخرى ،فلو كانت فرضية اللاوعي النَّفْسي كاذبة لكان من المفترض بمفاعيلها التطبيقية ألاّ تعود بأي أثر طيب أو نفع يُذْكَر على المرضى النَّفْسيين، هذا إنْ لم تزد \”طينهم\” بِلَّةً. أما وأنَّ إنجازات التَّحليل النَّفْسي ماثلة للعيان فلا مهرب البتة من التَّسليم بحقيقة وجود اللاوعي النَّفْسي.

6) أفكار وخواطر ورغبات ومشاعر لا يدري الإنسان مصدرها ولا كيف تكوَّنت كالحب أو الكراهية أو العدوانية تجاه شخص أو جهة ما لا موجب ظاهري ولا مبرر واعي لها. فليس ، على ما يرى فرويد ، عند الإنسان البتة أية مشاعر عفويّة لا نستطيع أنْ نجد لها سببًا في أعماقنا إذا ما عرفنا جيدًا كيف وأين نبحث عنها.
وهكذا ، خلص فرويد بالاستناد إلى هذه الوقائع مجتمعة وغيرها مما لا يتسع المجال لذكرها ههنا إلى إحداث نقلة نوعية في عِلْم النَّفْس تسمح بتعميق فهمنا لحقيقة الشَّخصيّة الإنسانيّة بمختلف ابعادها وقواها النَّفْسيّة.

الهوامش والمراجع

كاتب وباحث لبناني