المجلة الثقافية الجزائرية

جامعاتنا والتفكير الحضارى فى عالم متغير

 د/ محمود حسن محمد

   

   فى عالم لم يعد يعترف بالثبات، وحيت أصبحت التحولات الكبرى تحدث فى غضون ثوان لا عقود، تبرز الحاجة إلى إعادة تكييف جامعاتنا لتكون “رادارات حضارية” عابرة للزمن، لا مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، تقتات على فتات المعارف القديمة.

      إن التفكير الحضارى الذى ننشده اليوم فى ظل هذا الاضطراب الكونى ليس مجرد استحضار رومانسى لأمجاد الماضى، بل هو فن إدارة المتغيرات بروح المبدع وجسارة الفيلسوف….

     فالجامعة فى هذا العالم السيال يجب أن تتحول إلى “محراب فكرى” يفك شفرة القلق الوجودى الذى تفرضه التقنيات المتسارعة، والذكاء الاصطناعى الذى بات يزاحم الإنسان فى اخص خصائصه ، لتعيد صياغة هذا القلق فى صورة “طمأنينة معرفية”، تمنح الفرد القدرة على الوقوف بثبات وسط العواصف العاتية.

     إن مالم يُكتب بعد فى أدبيات السياسة التعليمية هو أن الجامعة القادمة لن تُقاس بجودة مبانيها أو ضخامة ميزانيتها، بل بقدرتها الفائقة على خلق وعى مرن يتمدد مع اتساع الكون الرقمى دون أن يفقد مركزه الأخلاقى أو هويته الإنسانية .

     إننا اليوم أمام ولادة جديدة لمفهوم الأكاديميا حيث يمتزج العقل الآلى بالوجدان البشرى فى حوار كونى وتفاعل حضارى فريد، لتصيغ الجامعة هوية “الإنسان العابر للمستقبل”، ذلك الفرد الذى يمتلك جذورا تضرب فى أعماق الحضارة وأجنحة تحلق فى فضاء الابتكار المطلق دون خوف من المجهول.

     إن التفكير الحضارى فى نسخة الجامعية الجديدة هو الذى يعلمنا كيف نستأنس التكنولوجيا، ونطوعها لخدمة الروح بدلا من أن تستعبدنا هى، وكيف نجعل من التغير المستمر وسيلة للارتقاء والسمو لا مبررا للضياع والاغتراب.

      فالجامعات اليوم هى التى تملك وحدها حق تقرير المصير لروح الامم وتطلعاتها الحضارية، وهى التى تضع اللمسات الأخيرة على ملامح القرن القادم، حيث تصبح المعرفة هى “اللغة الموحدة التى تذيب الفوارق المعرفية، والأيديولوجية، وتصنع سلاما معرفيا عالميا مبنيا على الفهم العميق لجوهر الحياة والوجود.

     وفى هذا المخاض الكبير يظل الرهان معقودا على قدرة عقولنا الاكاديمية على سباق الزمن، وصناعة واقع متطور، يكون فيه التحضر هو البوصلة الوحيدة التى لا تُخطئ الطريق نحو الخلود الإنسانى المبدع .

      إن على الجامعات ان تتخلى عن دور ” الناقل ” لتلعب دور “الصانع “…. صانع الإنسان الذى لا ترهبه المتغيرات لأنه يمتلك داخل عقله ترسانة من القيم، والمبادئ الفلسفية التى لا تبلى.

      وبذلك تظل الجامعة هى القلب النابض الذى يضخ الدماء فى عروق الحضارة، والمنارة التى لا تنطفئ شعلتها مهما اشتدت الرياح لأنها لا تبنى جدرانا، بل تبنى عقولا حرة.. واعية.. وقادرة على تحويل الركام إلى صروح من الجمال، والفكر المستنير الذى يضئ درروب البشرية لقرون قادمة .