بقلم د. عطيات أبو العينين
طائرة بلا طيار، تحلق في السماء، تراقب كل شيء عن كثب. متصلة بغرفة مظلمة، تتابع بهوس محموم ما يجري عند أحد مستودعات توزيع الإعانات، بعيني حدأة ومخالب ذئب، وفحيح أفعى، تنقض على شاشة مرتعشة، في بؤرتها ظهر رجل يحمل كيسًا. صاح جندي بتحفز:
– “تحرّك مشبوه… إنه يحمل جوالا؟
– جوال ضخم منتفخ
– هاهو يقترب..
ارتجف قلب “أبو سليم”؛ انتفض من سباتٍ عميق. ما إن علم بوصول شحنة من الدقيق إلى المستودع حتى أسرع إلى هناك وشق طريقه بصعوبة وسط الأجساد الملتحمة بغية الحصول على جوال..
دقيق! ذاك الحلم الأبيض المغلف في أجولة المعونة. أخيرا استطاع بالكاد أن يحصل على جوال دقيق من وسط الزحام الرهيب، ليطعم أولاده شيئًا غير الصمت والعجز والتنهيد.. ردد في نفسه:
– “سأعود ومعي ما يُشبه الحياة.”
ما زالوا يتابعونه أمام الشاشة المرتعشة في الغرفة المظلمة، مع تكبير الصورة أكثر فأكثر:
– ها هو الهدف قد أصبح في مرمى البصر، يظهر بوضوح ، ها هو يحمل الجوال.
– أعتقد أن به أسلحة..
– ربما تكون ذخيرة..
– بل أكثر من ذلك وما خفي كان أعظم!
– ماذا تعتقد أن يكون؟
– يورانيوم مخصب!
قالها بصوت خفيض كأنه يبوح بسر أزلي..
يسير “أبو سليم” وفي عينيه صورة الجوال الأبيض تتلألأ كالهلال، كأنها وعدٌ علّقته السماء، يضيء دربه، كلما اقترب من داره، شعر وكأنّه يمشي نحو قِبلةٍ مقدسة، نحو وعدٍ بخبز، بكرامة، ببقعة ضوء في مدينة تعيش في ظلام مفروض. لكن الصمت هنا سيد اللحظة، كأنهم يخشون أن يسمعهم الغيم، ذاك الغيم الذي ما عاد بريئًا، والذي يُقال إن فيه عيونًا وآذانًا معدنية.
داخل الجوال، رأى الوجوه الصغيرة تبتسم، الرغيف ينضج وينتفخ على نار الأم المحمومة، ورأى العشاء الذي لم يحدث منذ أيام. والأيدي الصغيرة تتخطفه. والألسنة الجائعة تلوك العجين راضية بخلوه من الدسم أي دسم..
جاء الأمر سريعًا:
– “كن دقيقا وأصب الهدف فورًا.”
من السماء الملبدة بدخان الطائرات والبارود، وقنابل المسيرات والصواريخ التي تتساقط كنسور جارحة تلتهم فرائسها ليل نهار، في لمح البصر انقضّ الصاروخ نحو الهدف كنيزكٍ موجه.
في لحظة… طار الجوال. لتتناثر حبات الدقيق في الفراغ لتملأ الكون كمجرة انفجرت نجومها وكواكبها، وافترشت سحابة الدقيق الأرض بأسرها، وامتزجت بدمٍ قانٍ غير خارطة الوجود، بأنفاس قُطعت في منتصف الرجاء، بالدقيق المخضب.
***


