تامر محمد موسى
أعوام كثيرة مرّت و لم أنسها، لم تكن هي صديقتي الوحيدة، ولكنها كانت من أقربهن إليّ بلا شك.
أكثر ما افتقده بعد مرور تلك السنوات هو ابتسامتها، كانت أسنانها تبدو لي كلآليء برَاقة عندما تبتسم.
أذكر أنني ناديتها ذات يوم:
– خديجة… خديجة.
التفتت نحوي ضاحكة و قالت:
– ماذا تريدين؟
قلت: ألن نلعب سويَا في فناء المدرسة ؟ لقد وعدتني بذلك منذ الأمس.
قالت و هي تضحك: حسنٌ.. لقد وعدتكِ وسأفي بوعدي.
ظللنا نلعب الغُميضة طيلة وقت الراحة، فلم نشعر بمرور الوقت ولا بالتعب.
أتى الدور على خديجة لكي تختبئ، و لقد أجادت ذلك بحق ، أجادته إلى الحد الذي لم يمكنني من إيجادها بين الفتيات اللاتي ازدحم بهن فناء مدرستنا على اتساعه.
ناديتها: خديجة… خديجة .. أين أنت؟.. إنني لا أراكي … هيا .. إنك الفائزة .فلتظهري الآن .
استوقفتني إحدى الفتيات بغتة قائلة بسخرية:
– عمّن تبحثين؟
لم أكن أحب تلك الفتاة ولم أكن أحب صديقاتها كذلك، فعلى الرغم من كونها زميلتي في الصفّ ذاته، إلا أنني كنت أشعر نحوها بجفاء و عدم راحة، ربما كانت سخريتها من الجميع وغرورها هما ما دفعاني لذلك الشعور .
أجبتها في اقتضاب وأنا أدير بصري هنا وهناك بحثاً عن صديقتي:
– إنني أبحث عن خديجة.
قالت بنفس الاستهزاء:
– خديجة؟! تلك السوداء؟! ستميزينها حتماً إن كانت لك عينان.
وانفجرَت وصديقاتها ضاحكات في سخرية مقيتة.
شعرت بحرارة شديدة في وجنتيّ ، وظللت واجمة لا أعرف ما أفعل ولا أقول، فلم أسمع تلك الكلمة يوصف بها أي إنسان من قبل ولذلك لم أفهم ما عنته الفتاة من سخرية منّي ومن أحب صديقاتي، ولكنني شعرت أنني قد تجمدت في مكاني وأن لساني قد عجز عن نطق أية كلمة .
لم انتبه إلا على وقع خطوات تعدو مبتعدة عني يخالطها بكاء أعرف صوت صاحبته، خديجة التي شهدت وسمعت جميع ما حدث فقد كانت تقف ورائي دون أن أشعر بها، ودون أن تعير تلك المغرورة أدنى مراعاة لمشاعرها.
رمقتُ الفتاة وصديقاتها بنظرة جمعت ما تجيش به نفسي من غضب وحزن، لكنّي ظللت عاجزة عن الكلام كما أنا، وخطر بذهني أن صديقتي أهم من هؤلاء الحمقاوات، فالتفتُّ نحوها وصحت منادية إيّاها:
– خديجة… خديجة … انتظري .
لكنها لم تنتظر، وأخذت تعدو مسرعة بعيدا.. بعيدا، حتى أنني قد خُيّل لي أنها ستحلّق في الهواء كعصفور هارب لتوّه من قضبان قفص فُتحت له أبوابه بعد طول انتظار.
كان هذا هو اليوم الأخير الذي أرى فيه خديجة في مدرستنا وفي أي مكان آخر، وكان أيضا هو اليوم الأول لي في معرفة القبح الذي يسكن نفوس كثيرا من الناس ومواجهته.


