المجلة الثقافية الجزائرية

دفترُ سانشو

قصة: منذر ابو حلتم 

 

في اليوم الذي مات فيه دون كيشوت، توقفت طواحين الهواء عن الدوران.

ليس حدادًا عليه، بل لتتأكد أنه لن ينهض مرة أخرى.

لم يبكِ سانشو.

كان الوحيد الذي لم ينظر إلى القبر. ظل يفتش في جيوبه بقلق، حتى أخرج دفترًا صغيرًا مهترئ الحواف، كأن الزمن أمضى عمره في تقليب صفحاته.

تنفس براحة، وربت عليه كما يربت الأب على كتف ابنه.

بعد انصراف الجميع، جلس إلى جوار القبر. فتح الدفتر. لم يكن فيه شعر، ولا ذكريات، ولا أسماء نساء. بل جداول دقيقة:

الوحش الأول… أُنجز.

العملاق الرابع… أُنجز.

الساحر الأسود… أُنجز.

التنين الأخير… أُنجز.

وبجانب كل سطر، علامة صح.

كأنها معاملات انتهى موظف من إنجازها.

قلبت الريح صفحة أخرى. تجمدت أصابعه. كانت الصفحة التالية مختلفة.

رسوم صغيرة لطواحين هواء، وأسهم، وملاحظات بخط مرتب:

«اقترب من الجهة الشرقية.»

«دع الشمس خلفه.»

«سيبدو الظل أكبر.»

«لا تقل: طاحونة…»

«قل: عملاق.»

ثم سطر أخير، تحته خطان: «إذا شكَّ للحظة… صفِّق.»

أغلق سانشو الدفتر سريعًا، وتلفت حوله.

لم يكن هناك أحد. إلا الطواحين. كانت واقفة في أماكنها القديمة…

لكنها، لأول مرة، بدت كأنها تراقبه.

عند المغيب، خرج من المقبرة.

لم يلتفت خلفه.

فالقبور لا تحتاج إلى وداع.

أما الأحياء… فيحتاجون دائمًا إلى حكاية جديدة.

كان الطريق طويلًا، وفي نهايته كان شاب يسير وحده.

عيناه معلقتان بالأفق، وفي وجهه ذلك الجوع القديم… جوع الذين يبحثون عن معنى أكبر من العالم.

ابتسم سانشو. اقترب منه ببطء، ومشى إلى جواره دون أن يعرّفه بنفسه.

ظلا صامتين مسافة طويلة. ثم رفع سانشو إصبعه، وأشار إلى طاحونة بعيدة كانت تدور بهدوء، ككل يوم.

قال بصوت خافت، كأنه يخشى أن يسمعه الهواء:

«أتراها؟…»

سكت قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى:

«لقد تأخرنا… يبدو أن العملاق استيقظ قبلنا.»

ظل الشاب يحدق بعيدًا. طال صمته.

ثم اتسعت عيناه… واتسعت.

عندها فقط، أعاد سانشو الدفتر إلى جيبه، ووضع تحت الصفحة الأخيرة علامة صح جديدة.

ثم مضى.

وخلفه…

بدأت طواحين الهواء تدور من جديد.