المجلة الثقافية الجزائرية

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة للشاعر نزار قباني (ج3)

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة للشاعر نزار قباني. متلازمة صراع تقليص وتمديد الهوّة بين أنانية الأنا وهويّة الهو

بقلم : أحمد رامي حسونات

 

ثالثا: التحليل متعدد المقاربات للبيت المرجع

1 ـ الدلالات استنادا إلى المقاربة الصوتية

تنبني استراتيجية التأويل انطلاقا من العلاقات التي يمكن ملاحظتها بين العناصر الصوتية ووفق خاصية التأثير الجواري للأصوات تجاه بعضها (فالتنظيم الفونولوجي للنص لا يخلو من مغزى مباشر ذي دلالة) 10.

10 ـ يوري لوتمان تحليل النص الشعري بنية القصيدة دار العودة بيروت لبنان 1977 مج 3 ص 450

كما أن التنظيم الفونولوجي بحد ذاته يعتبر نصا يمكن قراءة ما بداخله من تفاعلات تنشئها أنساق فنية متداخلة تتمحور كلها حول الإيقاع الشعري المتمثل في الوزن، (فالوزن لا وجود له إلا باعتباره علاقة بين الصوت والمعنى، وهو إذن بناء صوتي معنوي) 11

11 ـ جون كوين النظرية الشعرية ترجمة أحمد درويش دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ط 1 القاهرة ص 51

حروف الهمس في اللغة العربية

تعريفها: حروف الهمس هي الحروف التي يجري معها النفس عند النطق بها، مما يجعل صوتها خفيًا.

. وهي مجموعة في عبارة: “فحثه شخص سكت”

تعريف الجهر:

هو انحباس جريان النفس عند النطق بحرف من حروف الجهر لقوة الاعتماد على المخرج.

ا ـ دراسة الحروف حسب المخارج الصوتية (همس، جهر)

حروف الهمس: 10 حروف وهي: (ف،ح،ث،ه ، ش،خ،ص،س،ك،ت)

حروف الجهر: 19حرفا وهي (ء،ا،ب،ج،د،ذ،ر،ز،ض،ط،ظ،ع،غ،ق،ل،م،ن،و،ي)

حروف الجهر وتضم 4 حروف وهي: (م ، و ، غ ، د )

تكرارات الحروف التي تضمنها البيت المرجع

ــ مجموع الحروف أحادية التكرار : 9 وهي:

م ، و، ث ،خ ، ف ،غ ، ح ، ص ، د

ــ مجموع الحروف ذات التكرارات: 12 وهي :

س ، ا ، ر ، ت ، ع ، ي ، ش ، ل ، هـ ، كـ ، ن ، ب

ــ دراسة الحروف أحادية التكرار

مجموع الحروف أحادية التكرار: 9

مجموع حروف الهمس: 5 وهي: ف ، ح ، ث ، خ ، ص

مجموع حروف الجهر: 4 وهي: م، و، غ، د

معامل الهمس في الحروف أحادية التكرار : 5 : 9 = 0.55

معامل الجهر في الحروف أحادية التكرار : 4: 9 = 0.45

ــ دراسة الحروف ذات التكرارات

عدد الحروف ذات التكرارات : 12

مجموع حروف الهمس: 5 وهي: هـ ، ش ، س ، كـ ، ت

مجموع حروف الجهر: 7 وهي : ا ، ر ، ع ، ي ، ل ، ن ، ب

معامل الهمس في الحروف ذات التكرارات: 5 : 12 = 0.42

معامل الجهر في الحروف ذات التكرارات: 7 : 12 = 0.58

الاستخلاصات

ـ ضمن الحروف أحادية التكرار: معامل الهمس أكبر من معامل الجهر وهو يتضمن دلالة العلاقة الجيدة والتفاهم باعتبار الهمس يحمل معنى اللطافة والمرونة أي لأنّ الأنا على درجة عالية من التوافق مع الهو.

ـ ضمن الحروف ذات التكرارات: معامل الجهر أكبر من معامل الهمس، وهذا يحمل دلالة العلاقة غير الجيدة باعتبار الجهر يحمل معنى الشدة والصلابة أي بداية نشوء الاختلالات في العلاقة بين الأنا والهو .

وبما أن التكرار يأخذ معنى تأكيد الملحوظ، فإن المؤشر يلوّح باضطراب العلاقة بين الأنا والهو وبوجود هوّة حقيقية بينهما،، لنحاول أن ندرس العلاقة في المرحلتين الأولى والمرحلة الثانية

بـ ـ دلالات تركيب الحروف الأولى من اللمسات والميسات

ـ اللمسات: (سارت / وششعـ / هث خلـ / كسنا / تركت / رحصا )

ـ الميسات : ( معي / ر يلـ / فـــــهـــا ّ/ بــلن / بغيـــ / د )

الحروف- الأولى:

نأخذ الحرف الأول من كل لمسة وميسة بالترتيب الذي ورد في البيت نجد :

س ، م ، و ، ر ، هـ ، ف ، كـ ، ب ، ت ، ب ، ر ، د

يمكن تشكيل كلمات ذات معنى بأخذ هذه الحروف على نفس الترتيب

سمو، رهف، كبت، برد

عدد الحروف: 12 دلالة على عدد الأشهر أي الدورة السنوية، دلالة على الدورة الحقبية للحضارة العربية بالأندلس

الكلمة الأولى: سمو، وتدل على الأساس الذي بنيت عليه تلك الحضارة في بداية نشأتها مما أدى إلى بداية تشكل علاقة حقيقية بين الأنا والهو دون وجود هوّة بسبب تسامي الأنا عن أنانيته وتنازل الهو عن هويّته، بما يتلاءم مع البيت الآتي.

جلست معي والشعر يرفل خلفها كبنادق صنعت بغير زناد

الكلمة الثانية: رهف، تدل على العلاقة التي ربطت الآخر بالذات، أي الوضع الطبيعي الجديد الذي أصبح يربط بين الهو و الأنا بسبب الأساس (سمو) الذي تم التأسيس عليه من لدى الأنا مما جعل الهو ينصهر في الأنا ويحمل مواصفات بروفيله، بما يتلاءم مع البيت الشعري التالي:

عاشت معي، والشعر يرقص حولنا كمدينة أمست بغير عباد

الكلمة الثالثة: كبت، تدل على تراكمات سلبية نتجت عن التخلي عن مبدأ النشوء (سمو) مما أدى إلى بداية تلاشي العلاقة (رهف) وحوّلها إلى حالة (كبت) مما يؤشر إلى حالة تمدد الهوة بين الأنا السابح في أنانيته والهو الباحث عن هويّته .

الكلمة الرابعة: (برد)، وتدل على حدوث تغيّر فعلي في مستوى حرارة العلاقة مما جعلها تصل إلى درجة يمكن وصفها بالباردة، وهي التي أدت إلى انهيار العلاقة وانتهاء الحقبة الحضارية مما يؤشر إلى توسع نطاق الهوة بين الأنا والهو بصورة أصبحت فيها إمكانية استمرارية العلاقة معدومة.

2 ـ الدلالات المستندة إلى مقاربة نحوية

ا ـ الدلالات حسب أنواع الضمائر

ـ عدد الضمائر المنفصلة: 0

ـ عدد الضمائر المتصلة: 2 وهي (ي) في كلمة معي، و (ها) في كلمة خلفها.

ـ عدد الضمائر المستترة: 3 وهي الضمير (هي) بعد الفعل سارت، الضمير (هو) بعد الفعل يلهث، الضمير (هي) بعد الفعل المبني للمجهول (تركت)

من خلال الجدول نلاحظ وجود ضمير متصل (ي) وهو ضمير نصب يدل على الأنا واقع في محل جر مضاف إليه، والضمير (ها) وهو ضمير نصب يدل على الهو وهو واقع في محل جر مضاف إليه أيضا، وهي دلالة على كون الأنا والهو يحملان نفس النوع من الضمير ويقعان ضمن نفس الوظيفة، وهناك ثلاثة ضمائر مستترة مرتبطة بالهو مختلفة من حيث الموقع على النحو الأتي: (الأول والثاني في محل رفع فاعل ، والثالث في محل رفع نائب فاعل)، وهذه دلالة على أن الهو كان في مقام الرفع على الفاعلية بالأصالة أو بالنيابة، أي أنه هو المسؤول الخفيّ عن تقلّص أو تمدد الهوة بينه وبين الأنا.

بـ ـ دلالة التآلف والتنافر استنادا إلى تجاور الحركات

ـ أسس بناء الدلالات

ـ ترتيب الحركات من حيث القوة (كسرة، ضمة ، فتحة)

ـ حركتان متجاورتان من نفس النوع مثلا ( فتحة، فتحة) دلالة على التآلف

ـ اعتبار حركتان متجاورتان متتاليتان من حيث درجة القوة مثلا (كسرة ، ضمة) دلالة على التآلف

ـ حركتان متجاورتان غير متتاليتين من حيث درجة القوة دلالة على التنافر

ـ وضعية الحركات على مستوى التفعيلات في البيت المرجع

التفعيلة الأولى: س (فتحة)، ا(سكون)، ر(فتحة)، ت(سكون)، م(فتحة)، ع (كسرة) ، ي(سكون)

التفعيلة الثانية: و(فتحة)، ش (سكون)، ش (فتحة)، ع (سكون) ، ر(ضمة)، ي (فتحة) ، ل(سكون)

التفعيلة الثالثة: هـ (فتحة)، ث (ضمة)، خ (فتحة)، ل(سكون)، ف(فتحة)، هـ (فتحة)، ا(سكون)

التفعيلة الرابعة: كـ (فتحة)، س (فتحة)، ن (فتحة) ، ا (سكون) ، ب (كسرة)، ل (كسرة) ، ن(سكون)

التفعيلة الخامسة: ت (ضمة)، ر(كسرة)، كـ (فتحة) ، ت (سكون) ، ب (كسرة)، غ (فتحة) ، ي(سكون)

التفعيلة السادسة: ر (كسرة)، ح (فتحة)، ص(فتحة)، ا (سكون)، د (كسرة)

ـ تحليل دلالة المرحلة الأولى (الشطر الأول)

تموضع الحركات على الحروف

الملاحظات 

ضمن دراسة طبيعة الجوار بين الحركات في إطار ثنائي نلاحظ :

ـ بإهمال السكون نلاحظ وضعية تنافر واحدة وهي (فتح كسر) في كلمة  (معي)

الدلالات  

تشير الدلالة أنه في المرحلة الأولى من العلاقة بين الأنا والهو كان التآلف هو السائد وأنّ التنافر محدود جدا، وهذا يعني تقبّل الهو للأنا وتقلص مساحة الهوة بينهما .

د ـ تحليل دلالة المرحلة الثانية (الشطر الثاني) 

تموضع الحركات على الحروف 

الملاحظات

ـ بإهمال السكون نلاحظ أربع وضعيات تنافر ( فتح ، كسر)، (كسر ، فتح)، (كسر ، فتح) ، (فتح ، كسر)

الدلالات

تشير الدلالة أنه في المرحلة الثانية من العلاقة بين الأنا والهو ازداد التنافر بشكل رهيب وهذا يعني أنّ مساحة الهوّة بين الأنا والهو قد تمددت إلى أن وصلت درجة عدم تقبّل الهو للأنا ، مما أدى إلى ظهور مؤشرات بداية مرحلة تشتت وتلاشي العلاقة بين طرفي التفاعل.

د ـ الجمالية الدلالية في الألفاظ والموسيقى

ـ الجمالية الدلالية اللفظية

ترتكز الجمالية اللفظية في مفهومها على العلاقات التي تربط بين الألفاظ لتظهر في بصمات من الرونق البديع، وتتأسّس على عدد من المحسنات البديعية يساوي على الأقل ثلث التفعيلات، بمعنى أنه إذا كان في البيت الشعري الخليلي ست تفعيلات فعلى الأقل يحتوي البيت على محسنين بديعيين، ويتفرع البيت الشعري من هذه الرؤية إلى نوعين:

ـ البيت الجمالي التشكيلي: وينبني على الصورة والحركة والإضاءة، وتستعمل فيه تقنية الترادف والتضاد بنوعيه الطباق والمقابلة، حيث (يتجسّد تعميق الشعور بالمعنى عن طريق إبراز المفارقة بشكل أكثر جلاء من خلال المجاورة بين الضدين) 12 .

12 ـ محمد علي سلطاني المختار، من علوم البلاغة والعروض، دار العصماء، دمشق برامكة ط 1 2008 ص 152

ـ البيت الجمالي الموسيقي: وينبني على الموسيقى بنوعيها الداخلية والخارجية من خلال تآلف الحروف وسلاستها ومن خلال الجرس الموسيقي الناتج عن الجناس والتصريع والترصيع.

البيت الجمالي الدلالي: هو الذي يشتمل على عدد من الصور البيانية يساوي على الأقل عدد ثلث التفعيلات وهو نوعان:

دلالي بالمحاكاة: ويظهر من خلال التشبيه والاستعارة

دلالي بالإيحاء: ويبرز من خلال الكناية والرمز والتشفير متعدد احتمالات التأويل

ـ تحليل مدى شعرية البيت المرجع

ـ نوع البيت الشعري المرجع

ـ المعطيات

من خلال الجدول يتضح أن البيت ينتمي إلى شعر التشفير، وبالتالي فمستوى الشاعرية لديه عال

ـ الجمالية الدلالية في الموسيقى

ـ دراسة مدى طربية البيت الشعر المرجع

ـ معطيات أساسية

البيت الطربي ثلاثة أنواع :

بيت غنائي

بيت الموال

بيت الاستخبار

حروف التغني هي: المد بالألف، المد بالواو ، المد بالياء

حروف الموال هي: الميم، الواو في غير مد، اللام، الياء في غير مد، النون ( كلمة ليمون)

حروف الاستخبار هي: الألف في غير مد، السين، التاء، الخاء، الباء، الراء (كلمة استخبار)

يشترط في البيت الغنائي سداسي التفعيلات أن يكون:

ـ عدد وضعيات التغني أكبر من عدد وضعيات الموال وأكبر أيضا من وضعيات الاستخبار

و يشترط في البيت الموالي سداسي التفعيلات أن يكون:

ـ عدد وضعيات الموال أكبر من عدد وضعيات التغني وأكبر أيضا من وضعيات الاستخبار

ويشترط في البيت الاستخباري سداسي التفعيلات أن يكون:

ـ عدد وضعيات الاستخبار أكبر من عدد وضعيات التغني وأكبر أيضا من وضعيات الموال

ـ حالات تغليب صفة غنائية على صفة غنائية مخالفة

في حالة تساوي الوضعيات

ـ صفة التغني تغلب صفة الموال

ـ صفة الموال تغلب صفة الاستخبار

أمثلة: المثال الأول:

حتى فساتيني التي أهملتها فرحت به رقصت على قدميه

حروف التغني (المد بحروف العلة) : 8

حروف الموال (حروف كلمة ليمون) : 8

حروف الاستخبار (حروف كلمة استخبار) : 12 ، إذن فالبيت طربي استخباري

المثال الثاني

ارجع إلي فإن الأرض واقفة كأنما الأرض فرت من ثوانيها

وضعيات الموال : 14 ( إلـ / يْ / يَ / فإنْ / نَ / لْأ / قفتنْ / كأنْ/ نَـ / مَـ / لْ / مـ / نْ / ثوانيـ )

ـ وضعيات التغني : 4 ( وا / ثوا / نيـ / ها )

وضعيات الاستخبار : 6 ( ار / إ / قفة / كأ / الأ / ت )

بما أن العدد 14 أكبر من العدد 4 وأكبر أيضا من العدد 6 ، فهذا يكفي لإثبات أن البيت طربي موالي

ـ تطببق على البيت المرجع

سارت معي والشعر يلهث خلفها كسنابل تركت بغير حصاد

توزيع الحروف

أصوات التغني : 4 أصوات : سا ( سارت ) ، عي ( معي ) ، ها ( خلفها ) ، نا ( سنابل ) ، صا (حصاد)

أصوات الموال : 7 أصوات : مـ ( معي ) ، ( و ) ، يـ ، ـلـ ( يلهث ) ـلـ ( خلفها ) ، نـ ، لن (سنابلن)

أصوات الاستخبار 8 : ر ، ت ( سارت ) ، ر ( الشعر ) ، سـ ، بـ ( سنابل ) ، تـ ، ـت ( تركت ) ، ـر ( بغير )

إذن نوع البيت المرجع استخباري

دلالته :

ـ البيت ليس غنائيا لذكرى جميلة ولا شجنيا بكائيا على الماضي وإنما هو توق إلى مستقبل يكون فيه الأنا قائدا ساميا يسود العالم لنشر الإراحة والسكينة .

5 ـ دلالات الموجة الإيقاعية

ا ـ حركة الموجات الإيقاعية

تتحرك الأصوات ضمن نظام الإيقاع الشعري الذي يجعل منها منظومة ذات دلالة ، حيث تتغير تلك الدلالة بتغير النمط الظاهري للموجة والموجتين المجاورتين لها بالنسبة للنظام الإيقاعي العام ( أي المعنى الخفي الذي تشكّله كل موجة مع سابقتها ولاحقتها من الأمواج الإيقاعية ) ، وتتغير الدلالة أيضا بالنسق العام للنظام الموجي على خط مستقيم وسطي يقطع كل الموجات بالتوازي مع الخطين المستقيمين اللذين يمسان نقط انعطاف كل الموجات على مستوى الذروات العليا والسفلى وفق ترتيب الموجات بما يشبه الشكل الآتي :

في هذا النموذج تتحرك الموجات الإيقاعية بشكل منتظم لتؤدي معنى إضافي إذ يبدو أن لكل نقطة تمثل منعطفا علويا تتفاعل تناظريا على خط حركة مائلة مع نقطة تمثل منعطفا سفليا ، بالصورة التي تفترض وجود تماثل طبيعي بين الأضداد على خطي التماس العلوي والسفلي ، وكأن الشاعر يريد أن يقول :

تتحرك الأصوات في سكناتها

لتؤلب المعنى على الأضداد

أضداد من ؟ وترادف الصور التي

شاهدتها رسمت بحرف الضاد

لو يقرأ التاريخ نصف شعورها

يقف الزمان منددا بعنادي

وعناد من هذا الذي جرّعته

موتي فجرّعني شذى الميلاد ؟

تتميز الموجة الإيقاعية في البحر الكامل بنعومتها وسلاستها وانتقالها المرن ، ولذلك فكل موجة تعتبر امتدادا لسابقتها وأصلا للاحققتها وهي على نوعين :

ـ الامتدادية على خط اللفظ : وهي التي لا تشكل تركيبا لفظيا قائما بذاته إلا من خلال ارتباطها بسابقتها أو لاحقتها أو كلاهما معا مثل : ( والشعر يلهث خلفها ) حيث ترتبط الموجة الأولى (وششعريلــ) بالموجة الثانية ( ـهث خلفها ) من خلال اللفظ ، إذ يوجد اللفظ ( يلهث ) الجزء الأول منه ( يلـ ) تابعا للموجة الأولى ، والجزء الثاني منه (هث ) تابعا للموجة الثانية أي أن الموجتين امتداديتان لبعضهما على خط اللفظ .

ـ الامتدادية على خط المعنى : وهي الموجة المستقلة لفظيا والتي لا تؤدي لوحدها معنى قائما بذاته إلا من خلال موجة سابقة أو لاحقة أو كلاهما معا مثل : ( كسنابل ) حيث أن هذه الموجة متكاملة لفظيا وإيقاعيا من حيث التشكل ( متفاعلن ) ، لكن معناها غير مكتمل إلا بالموجات اللاحقة ( تركت بغير حصاد ) وكأنّ الشاعر يريد أن يقول :

يمتد فيك الموج موجي راقصا

كصدى مواويل الهزار الشادي

يتفيّأ المعنى على وقع الخطى

كقصائد رسمت بغير مداد

هي أنت مني الأصل والفرع الذي

يهب الحفيد شمائل الأجداد

لا تطلبي مددا فحسبك مهجتي

وأناي فيك معاقل الإمداد

ـ التنضيد النظامي لحركات موجات البيت الشعري المرجع :

في الموجة الإيقاعية أو النبرة الموسيقية الشعرية أو ما يسمى بالتفعيلة في المنظومة الخليلية تتشكل الوحدة الإيقاعية من الجزء الصاعد ( اللمسة الإيقاعية ) والجزء النازل ( الميسة الإيقاعية ) ، حيث تنتهي اللمسة بسكون في الذروة العليا وتنتهي الميسة بسكون في الذروة السفلى ، ويعمد الشاعر إلى تشكيل الأمواج الإيقاعية كجزء من التصوير الفني الذي يضيف إلى المعاني دلالات جديدة ترتبط بالحركة والموسيقى والألوان .

بـ ـ مكونات الموجة الإيقاعية

ـ مكونات النسق الصاعد ( اللمسة )

تتكون اللمسة التي تمثل الجزء الصاعد من الموجة الإيقاعية من :

ـ البؤرة الموجية : وهي نقطة تشكل الموجة أي رأسها وتوجد في الحرف الأول من التفعيلة مثل :

ـ حرف السـين المفتوح في الموجة ( سارت معي )

ـ حرف الواو المفتوح في الموجة ( و ششعر يلــ)

ـ حرف الهاء المفتوح في الموجة ( هث خلفها )

ـ الذروة العليا : وهي عبارة عن سكون لازم في نهاية اللمسة وقبل بداية الميسة مثل :

ـ حرف التاء الساكن في الموجة ( سارت معي )

ـ حرف العين الساكن في الموجة ( و ششعر يلــ)

ـ حرف اللام الساكن في الموجة ( هث خلفها )

تمثل اللمسة الجزء المؤثر إيقاعيا أو الطرف المتبوع لمعنى آخر ، في حين تمثل الميسة الجزء المتأثر أو الطرف التابع ، ، و كأن الشاعر يريد أن يقول :

وركبت قاربها الذي أسرى بنا

في غيهب الأحقاب والأمداد

كانت تبادلني السكوت كأنها

ركنت لتتلو وصلة الأوراد

أورادها ؟ ورمت حصى جمراتها

في ساحة تلحو خطى الأحفاد

كانت تعاطفها المنية خلسة

وأنا أناشد ساعة الميلاد

لم نفترق ، لكنّ ما أودى بنا

ميس الخصور ورنّة الإنشاد

بـ ـ مكونات النسق التنازلي ( الميسة )

ـ نقطة الانزياح : وهي حركة لازمة تعبر عن بداية تشكل الميسة ، مثل :

ـ حرف الميم المفتوح في الموجة ( سارت معي )

ـ حرف الراء المضموم في الموجة ( و ششعــر يلــ)

ـ حرف الفاء المفتوح في الموجة ( هث خلفها )

ـ الذروة السفلى : وهي عبارة عن سكون لازم في آخر التفعيلة ، مثل :

ـ حرف الياء الساكن بالمدّ في الموجة ( سارت معي )

ـ حرف اللام الساكن في الموجة ( و ششعــر يلــ)

ـ حرف الألف الساكنة بالمد في الموجة ( هث خلفها )

جـ ـ تحليل تشكيل التنضيد الموجي إلى دلالات

ـ دلالات التنضيد العام

      يشير النظام الدقيق للتنضيد الموجي العام إلى التناغم الحاصل بين الطرفين ( الأنا والهو) ابتداء من أول حركة في المسار التناغمي إلى آخر سكون في نفس النظام ، وهذا ما يشير إلى نفي أي زعم بأن الأنا كان يستهدف طمس معالم هوية الهو أو أن الهو كان يتحيّن الفرص لتخليص ذاته من أي ارتباط بهوية الأنا ، لكن هذا ليس بالشكل المطلق ، فهناك تفاصيل يمكن أن تشير إليها عملية تحليل الجزئيات على مستوى مكونات الموجات خاصة فيما يتعلق بالسطرين الأول والثالث :

ـ دلات السطر الأول ( الخط المماس للذروات الدنيا للموجات )

في هذا السطر تتشكل بدايات الموجات لتنتهي عنده في آخر مرحلة من حركتها لتبدأ عملية تشكل موجة جديدة ، وتشير هذه الخاصية إلى دلالة مراجعة الأنا الدورية لتنظيماته التي تقوم بتسيير علاقاته مع الهو بهدف المحافظة على الهوّة الفاصلة بين قطبي التفاعل إلى أقل ما يمكن ، وبنظرة مباشرة يمكن أن نلاحظ خصائص السطر الأول كما يأتي :

ـ يعبر عن نهاية موجة سابقة وبداية موجة لاحقة كدلالة على التحكم في التحوّلات المرحلية حتى تخضع كل الحركات المتتابعة إلى المرونة اللازمة تجنبا لأي تصادم وأي اختلالات في النظم الوظيفية التي تضبط الارتباطات بين طرفي معادلة العلاقة

توجد في بدايته حركة تترجم العلاقة انطلاقا من ( حرف السين المفتوح ) الذي تتعدد حقوله الدلالية

( سماء ، سمو ، سناء ، سراج )

( سكر ، سفرجل ، سنديان ، سوسن ، سنبلة )

( سعادة ، سرور )

وبصفة عامة فحرف السين حرف ناعم في مخرجه وفي غالبية معاني الكلمات التي يكون جزءا فيها

ـ دلالات الحروف التي تتضمنها الأسطر 

ـ دلالات الحروف التي يتضمنها السطر الأول

الحروف حسب الترتيب ( س ، ي ، و ، ل ، هـ ، ا ، ك ، ن ، ت ، ي ، ر )

يمكن جمعها في كلمتي ( سيولها تير)

كلمة تير تعني بالعربية التيه وبالآرامية تعني يقظ

وفي اللغات السامية عموما تعني الحراسة واليقظة والترقب

دلالاتها بالنسبة للأنا هي أن السيول هي التراث الثقافي العربي في الأندلس من العلوم والفنون ، وهي محروسة ويقظة دلالة على كونها ستظل خالدة ولن تموت

ودلالتها بالنسبة للهو هي أن السيول تمثل رياح التغيير التي ستنقلها من نمط ثقافي إلى نمط ثقافي آخر دون أن تؤثر على الهوية الأصلية للهو.

 ـ دلالات الحروف التي يتضمنها السطر الأول : بعد نهاية الجزء الأول ( النسق التصاعدي ) من الموجة الإيقاعية تبدأ مرحلة تشكل الجزء الثاني ( النسق التنازلي ) ، وتشير هذه الخاصية إلى دلالة عملية التدقيق في البحث عن مصادر الاختلال الذي يؤدي إلى عدم التناسق بين مضمون تأثير النسق الإيقاعي ( اللمسة ) ومقتضى الاستجابة له ( الميسة ) وذلك كإشارة لضمان استمرار صلاحية العلاقة بين الأنا والهو وعدم فسح المجال لظهور أي هوّة فاصلة بينهما أو على الأقل عدم اتساع تلك الهوة الموجودة بين قطبي التفاعل إلى أقل ما يمكن ، وتنتهي المرحلة الثانية هذه عند نقطة تلاشي الموجة الإيقاعية التي تعتبر إما نهاية لتلك الموجة وبداية موجة جديدة أو تمثل نهاية الدور الحركي الموجي الذي يساوي ستة موجات إيقاعية حيث ينتهي الدور في هذا البيت بحرفي ( الألف والدال ) الذي يمثل الختم الدوري الموجي ( الروي ) في حين يعتبر حرف الدال لوحده هو وسام القصيدة الشعرية الذي يتقلده كل بيت من القصيدة الكلاسيكية الأم ( حرف الروي ) ، ويتميز حرف الدال في اللغة العربية بعدة صفات تجعله فريداً في نطقه ومخارجه :

ـ هو حرف مجهور، أي أن الصوت ينحبس عند النطق به

ـ يتصف بالشدة، أي انحباس النفس

ـ يتميز بالاستفال، أي أن اللسان يكون منخفضاً عند النطق به

ـ بتصف بالانفتاح، أي عدم انطباق اللسان على الحنك الأعلى

ـ يتميز بالقلقلة وهي اهتزاز اللسان عند النطق به

وبصفة عامة تعبر دلالة نهاية البيت الشعري على صدى حرف الدال عن القوة والمتونة التي تترجم المستوى الثقافي العلمي منه والفني الذي وصلت إليه الحضارة العربية في الأندلس ، ومن ضمن بعض الحقول الدلالية التي ترتبط ألفاظها بالاستهلال بحرف الدال ما يمكن اختصاره في الآتي :

حقل الإرادة ( دأب ، درب ، دحض ، دفع )

حقل الوجود أو الكيان ( دولة ، دور ، ديوان ، دستور… )

حقل العلم ( دولاب ، درج ، دفتر ، درس )

ـ دلالات للكلمات التي تشكلها الحروف التي يتضمنها السطر الأول

الحروف حسب الترتيب ( ر ، م ، ش ، ر ، خ ، ف ، ن ، ب ، ك ، ب ، ص ، د )

يمكن جمعها في الكلمات ( رمش رخف نبك بصد )

رمش : دلالة على العين

رخف : تعنى غض

نبك : تعني ارتفع

بصد : تعني بردّ

      والمعنى العام أن غض البصر الذي حدث زادته ارتفاعا وقوة في رد الآخر ، كدلالة على أن الهو المتمثل في الهوية الثقافية الأندلسية تعاملت بلطف مع الهوية الحضارية العربية الإسلامية الوافدة فزادتها رفعة وأعطتها قوة الرد على أي زحف حضاري محتمل الوفود من الخارج . وحتى بعد خروج الكيان البشري العربي من الأندلس ظلت القوامات الحضارية العربية الإسلامية تهب الرفعة لبلاد الأندلس الراهنة وتميزها في العمران والفن عن نظيراتها في قارة أوروبا .

لتصفح الأجزاء السابقة:

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة  للشاعر نزار قباني: متلازمة صراع تقليص وتمديد الهوّة بين أنانية الأنا وهويّة الهو (ج2)

 

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة  للشاعر نزار قباني(ج1)