المجلة الثقافية الجزائرية

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة  للشاعر نزار قباني

دراسة أدبية الجزء الأول بقلم: أحمد رامي حسونات

دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة  للشاعر نزار قباني. متلازمة صراع تقليص وتمديد الهوّة بين أنانية الأنا وهويّة الهو

مقدمة: النص الإيقاعي يختلف تماما عن أي نص آخر من حيث النصية والسياق والدلالة وكمية الطاقة النصية الصّادرة، فهو يحمل ضمن كل عبارة تقنية ناتجة عن التقطيع الحركي السكوني للكلمات، وكل عبارة حرفية ناتجة عن التقطيع اللفظي للتفعيلة إشارات تنبثق عنها مجموعة غير منتهية من التأويلات الدلالية. وقديما ورغم محاولة طبع النص الإيقاعي بخاصية الدلالة الأحادية المتمثلة في النبرات الموسيقية التي تتحدد ضمن مفهوم التفعيلات إلا أنّ الحركات الإيقاعية من خلال مكوّناتها أظهرت أنها تتضمّن ما لا يمكن تصوّره من الإشارات التي تزيل الحجب عن وجود علاقات بين جزئيات الإيقاع التي تتآلف وتتنافر، تتلاطف وتتعانف، تتدانى وتتناءى، تتناطح وتتصالح لتعبّر عمّا عجزت عن إبرازه الألفاظ ومعانيها والصور البيانية والمنمقات الجمالية المختلفة داخل وخارج المشهد الشعري الذي يريد الشاعر أن يضعه في ألبومه الشخصي، فيأبى إلّا أن يكون ألبوما كونيا يسع الحياة بكل أزمنتها وأمكنتها وأبعادها الأخرى استنطاقا للغابر وتعرية للرّاهن واستشرافا للآتي. 

ومادام التدبر الأعمق يمثل الرابطة بين المتأمل الولهان الظمآن والنص الملآن، فإن إشارات الجزئيات الإيقاعية هي الوحيدة التي تفسح المجال لعشاقها لملامسة نعومة بنيتها ومسايرة وتيرة حركتها لتظهر ما خفي من رونق سحرها لكل من يقترب من أضواء ظلالها الرافلة على ساحات الإبداع القرائي للنص الإيقاعي الذي قلّد نفسه مكانة المرجعية الأساس التي يمكن من خلالها تصور نصوص خفية بين الحروف والنقاط والحركات تتجاوز ما تبديه الألفاظ والعبارات من تفاعلات مألوفة قابلة للتوقّع القبلي وفهم مكنوناتها بواسطة أدوات ومنهجيات غير قادرة على كشف ما لم يقله الشاعر وقالته القصيدة، أو ما لم يقله الشاعر وما لم تقله القصيدة، حيث تصبح القراءة التدبّرية إعادة لتصنيع النص من خلال مكوّناته التي لم تبح بأسرارها والتي ترفض أن تبدي مكنوناتها المتنكرة بأقنعة عائقة للفعل القرائي غير التدبري. 

وحتى يتمكن المتدبر للنص الإيقاعي ضمن أنساقه المختلفة من تحديد السياقات والدلالات التي تتناسب مع مقتضيات عملية الفعل التدبري فإن الأمر يستوجب إنشاء مقاربات ملائمة من خلالها يمكن اختيار زاوية معينة لوضع المفاهيم القابلة لأن تصبح أدوات لتحليل المكونات الإيقاعية والكشف عن علاقاتها والبحث عن دلالات تتلخص فيها حلول لمسائل غير مطروحة في النص اللغوي غير الإيقاعي، واعتبارا من هذا التوجه فإن محاولتي هذه تتعلق أساسا بتحديد جماليات الأنساق الفنية في النص الإيقاعي وبالضبط ضمن طرح سيميوطيقي هرمنيوطيقي تمثل فيه جزئيات النص الإيقاعي علامات وإشارات قابلة للتأويل لكشف خفايا مضمون النص الشعري المشفر انطلاقا من طبيعة الحركات من حيث الثقل والخفة والقوة، والحروف من حيث السلاسة والهمس والجهر، والنقاط من حيث العدد والوضع الفوقي والوضع السفلي… وعلاقة كل ذلك بالموقف الشعري من المسألة المطروحة ضمن النص اللغوي. (وإذا كان مصطلح السيميولوجيا يرتبط بكل ما هو نظري وبفلسفة الرموز وعلم العلامات والأشكال في صيغتها التصورية العامة، فإن كلمة السيميوطيقا قد حصرها العلماء في ما هو نصي وتطبيقي وتحليلي. ومن هنا يمكن الحديث عن سيميوطيقا المسرح وسيميوطيقا الشعر وسيميوطيقا السينما) 1 .

 1ـ ويكيبيديا الموسوعة الحرة، سيميولوجيا، آخر تحديث 10 مايو 2024

     أما الهيرمنيوطيقا فترتبط أساسا بقواعد التأويل في ما يبدو أنه غير قابل للتأويل، مثل الحركات اللغوية ونقاط الحروف والشدّ والمدّ ضمن تفعيلة معينة من تفعيلات الإيقاعات الشعرية ، وقد قال أمبرتو إيكو (إن شيئاً ما لا يعتبر علامة إلا لأنه يؤوّل بوصفه علامة من قِبَل مؤوِّلٍ ما) 2 . 

2 ـ ويكيبيديا الموسوعة الحرة، علم التأويل، آخر تحديث 16 يونيو 2024

لقد اختطفني البيت رقم 13 من قصيدة غرناطة للشاعر نزار قباني وأرغمني على التوقف أمام تلك الكينونة الشاسعة التي تراءت لي من خلاله وهي تمزج أزمنة متباينة وتفاعلات كونية متعددة الأنماط تمثّل فيها أنانية الأنا وهويّة الهو قطبي الفعل التأثيري التأثري لتبرز ظاهرة تمدد مساحة الهوّة وتقلصها بين الأنا والهو من خلال سيرورة مشفّرة مختبئة تحت ستار مكوّنات الإيقاع الشعري لذلك البيت ، وباعتبار أن علم الدلالات وعلم التأويل يتلاءمان مع التوجّه السيميوهرمنيوطيقي فقد حاولت أن أتبنى هذا المنهج لفكّ تشفيرات النص الإيقاعي للبيت المشار إليه لإعادة تشكيل مشاهد تلك الحقبة التاريخية كهزات ارتدادية تضرب هيكل الراهن وكأصداء لذكريات من الزمن القادم تحاول إعادة تشكيل مفهوم المستقبل في صورة عالم إيقاعي راقص ناعم متبرّئ من أنانية الغابر وجشعية الراهن.

أولا : مدخل عام للدراسة

1 ـ مفاتيح الولوج إلى الدراسة

ا ـ الكلمات المفتاحية المتعلقة بعنوان الدراسة ودلالاتها  

الأنا : على المستوى الخطابي يتحدد ضمن شخصية الشاعر ، وضمن نطاق القصيدة يشير إلى الحضارة العربية في الأندلس، وفي حدود هذه الدراسة يتحدد الأنا ضمن خصائص الكيان العربي الإسلامي في الإطار الحضاري على امتداد الزمن.

الهو : على مستوى الخطاب المباشر يشير إلى شخصية الفتاة الافتراضية التي يبدو أنها عربية الأصول والملمح، اسبانية الميلاد والإقامة، وضمن نطاق القصيدة تشير إلى التراث المضيء للحضارة العربية الإسلامية في الأندلس خصوصا وفي شبه جزيرة إيبيريا عموما أما في هذه الدراسة فدلالة الهو بالضبط تتمثل في الكيان الحضاري الغربي الأروبي بكل خصائصه وأبعاده .

الهوة: هي مساحة الفجوة غير المستقرة التي تفصل بين الأنا والهو ككيانين غير قابلين للاندماج التام في كيان واحد وفي نفس الوقت غير قابلين للانفصال الأبدي المطلق .

أنانية الأنا : هي تمحور مركز الاهتمام حول ذاته وادعاءه بأن تمثيله الملمحي يعبر عن أسمى نقطة اتّصافية يمكن أن يصل إليها السمو الحضاري الإنساني .

هويّة الهو : هي الزعم الافتراضي الذي يعبر عنه الهو ويقوم بتسويق دلالات معالمه على أنه هو صفات الكيان الفعلي لذاته .

بـ ـ المفردات المتعلقة بالإيقاع الشعري

الإيقاع الشعري: هو نظام تكرار الحركات والسكونات في شكل ما يسمى بالتفعيلة ويقابله في الشعر العمودي لفظة البحر الشعري ، وهو نوعان بسيط ذو تفعيلة واحدة كما هو في البحر المتقارب والكامل أو مركب ذو تفعيلتين أو أكثر كما هو في البحر الكامل والبسيط والخفيف ، ويعتبر الإيقاع الشعري في هذه الدراسة نصا قائما بذاته من جهة ، ومكمّلا للمعاني التي عجزت الألفاظ ومعانيها عن تجلّيها، (ولا يعني هذا أن العناصر الأخرى ليست موجودة في الإيقاع ، فهي متوارية خلف هذا العنصر الأساسي وقد تبرز في مرحلة من مراحل تطور اللغة ) 3 .

3 ـ سيد البحراوي العروض وإيقاع الشعر العربي الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993 ص 109

الموجة الإيقاعية أو الوحدة الإيقاعية : هي الصورة الإيقاعية التي تمثل وحدة الإيقاع الشعري ويرادفها في التعبير الخليلي لفظ التفعيلة البسيطة مثل (فعولن) في البحر الوافر، والتفعيلة المركبة (مستفعلن فاعلن) في البحر البسيط.

الإيحاءة : هي حركة أو مجموعة من الحركات يليها سكون مثل فعولن تنقسم إلى إيحاءتين هما (فعو / لن) وهي ثلاثة أنواع قصيرة من الشكل /0 متوسطة من الشكل //0 طويلة من الشكل ///0

اللمسة : هي الجزء الأول من الوحدة الشعرية وتتكون من إيحاءة واحدة كما في تفعيلة مفاعلتن (مفا //0) أو إيحاءتين كما في تفعيلة مستفعلن (مستفـ /0 /0)

الميسة : هي الجزء الثاني من الوقعة ويتكون من إيحاءة واحدة كما في تفعيلة مفاعلتن (علتن ///0) أو إيحاءتين كما في تفعيلة مفاعيلن (عيلن /0 /0) 

2 ـ رحلة الشاعر الغامضة 

ا ـ بداية الرحلة المضنية للشاعر

      في لحظة فارقة تقلص الزمن ليرسم على شفاه الأندلس ابتسامة أرجوانية ناعمة ، ويلاطف بأنامله الأسيلة أعطاف خمائل الوجدان الغافية تحت ظلال سنين الهيام السالفة ، ودون بزوغ فجر مواعيد الوصل الانكساريّ تتراءى مشاهد تشكل سحب الحنين إلى أحلام الحقب الرائعة ، هناك حيث تشكلت أصداء أنغام أوتار زرياب ومواويل حروف ابن الخطيب وآهات حنايا ابن زيدون لتظهر في صورة أطياف غيمات تتهادى في أفق التاريخ المتلألئ بشظايا الأنوار المزركشة ، لتزخ مزنا من أمواج إيقاعات القصيد المسكر بسلاف أتعاب البحث عن الذات المتوارية خلف ظلال الآخر المترائي . هناك حيث امتطى نزار قباني سفينته الفضائية ليتنزه في غابة زمن الشعاع واليراع دون أن يتوقع ما ينتظره من مفاجآت انشطارية صادمة رادمة ،، كان يشق بحار الألفاظ وفجاج المعاني سابحا طائرا زاحفا وهو يعاتب شقيقة سفره ويلوم توأم رحلته عن ترددها وتخوّفها وعدم الانسياق نحو مفاهيم السفر ودلالات الحب التي يتبنّاها ، وعجزها عن مسايرة الحركة غير المرئية لتداعيات أمواج البحر الغاضب الباحث عن محددات لتوصيف شخصيته غير المستقرة تجاه عشاق الحياة الذين يريدونه قارب أمان دافئ وهو يريد نفسه زورق موت هادئ :

مُرهقةٌ أنتِ.. وخائفةٌ

وطويلٌ جداً.. مشواري

غوصي في البحرِ.. أو ابتعدي

لا بحرٌ من غيرِ دوارِ..

الحبُّ مواجهةٌ كبرى

إبحارٌ ضدَّ التيارِ

صَلبٌ.. وعذابٌ.. ودموعٌ

ورحيلٌ بينَ الأقمارِ..

يقتُلني جبنُكِ يا امرأةً

تتسلى من خلفِ ستارِ..

إني لا أؤمنُ في حبٍّ..

لا يحملُ نزقَ الثوارِ..

لا يكسرُ كلَّ الأسوارِ

لا يضربُ مثلَ الإعصارِ..

آهٍ.. لو حبُّكِ يبلعُني

يقلعُني.. مثلَ الإعصارِ..

إنّي خيرتك.. فاختاري

ما بينَ الموتِ على صدري

أو فوقَ دفاترِ أشعاري

لا توجدُ منطقةٌ وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنّارِ ( 4 )

4 ـ نزار قباني ، قصيدة اختاري ، موقع ديوان العرب  

بـ ـ متاعب الرحلة ..

    وفي وسط زخم التحديات الضاربة بأعاصيرها الصلبة كل آمال التوقعات الوردية ، تتوقف أسطوانة ملحمة العاشق الأسطوري وتتحطم دواليب محرك الزورق الآلي ليجد الشاعر نفسه على متن قارب خشبي مهترئ يصارع أمواجا عاتية تدفعها عواصف الفصول المتمردة عكس اتجاه تياراته العاطفية المنكسرة تحت وطأة عنف المعاناة الموسمية ، هناك حيث يوقن أن تفاصيل العبور إلى الشاطئ الأخر لن يتم حسمها أبدا بالارتكاز على سواعد الإصرار الناريّ أو بالمراهنة على قدرات محدودة على تحدي المستحيل .لذلك قرر الشاعر أن يمنح لنفسه فسحة أوسع ليحدد من خلالها دلالات الرحلة الحياتية ومقتضيات إرساء قواعد جديدة لتجسيدها دون إعلان عن الاستقالة القهرية والعودة إلى نقطة البدء :

مقدورك أن تمضي أبداً في بحر الحب بغير قلوع

وتكون حياتك طول العمر كتاب دموع

مقدورك أن تبقى مسجوناً بين الماء وبين النار

فبرغم جميع حرائقه، وبرغم جميع سوابقه

وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار

وبرغم الريح ورغم الجو الماطر والإعصار

الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار (5)

5 ـ نزار قباني ، قصيدة قارئة الفنجان ، موقع ديوان العرب  

جـ ـ محطة الاستراحة

    كان الشاعر مجبرا على اختيار محطة للاستراحة على مرافئ وردية ليناجي نرجس مدائن عشقه ، ويتناول أقداحا من نبيذ حروفه ليعيد صياغة مشاهد طريق رحلته اللامتناهية عند نقطة محددة ، لم تكن لديه أدنى فكرة عن ملمح المدينة التي سيتخذها منتجعا لفترة توقفه الإجبارية ، ولا عمّا ينتظره في تلك المحطة من المفاجآت ، ولا حول ما سيرغمه على الانفلات من معلم زمني إلى معلم زمني آخر ، مما قد يجعله يتخذ قرارات مخالفة للمتوقع . وفجأة يجد نفسه في مدينة غرناطة المسافرة عبر قوارب الزمن البنفسجي نحو أفق الماضي الناعم ، وقبل أن يستوعب ما يحيط به من هول الحركة الحقبية المتلألئة وجد نفسه أمام مدخل قصر الحمراء البديع ، نظر يمينا ويسارا لعلّه يسقي رموشه بزلال شهد التاريخ ، لكنه أحس بكيان ملائكي ساحر أسيل بجانبه ، لم يدرك ما الذي يتطلبه الموقف من حكمة أو ترقّب أو تصرف ، ولم يعرف ما الذي ينبغي فعله بالضبط . 

أخذ الشاعر يسير في تلك الأفنية الفاتنة والساحات الواسعة الرائعة وراح يصوّر ذلك المشهد بعفوية عذبة ناعمة : 

ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي

وورائي التاريـخ كـوم رمـاد

الزخـرفات.. أكاد أسمع نبـضها

والزركشات على السقوف تنادي

قالت: هنا “الحمراء” زهو جدودنا

فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي

أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازفا

ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي

يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت

أن الـذين عـنتـهم أجـدادي

عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها

رجلاً يسمـى “طـارق بن زياد” (6)

6 ـ نزار قباني ، قصيدة غرناطة ديوان الرسم بالكلمات 

    لقد نسي في خضم تلك الملاطفات الدعوبة بين أنامل أزمنة متداخلة أن يستهل قصيدته بتصريع موسيقي عذب ، ولم تسمح له تلك الثواني المهربة أن يقول مثلا :

صدفا تلاقينا بركن هادي ألحان أعراس بلون حداد 

     لمحته وهو يمد الخطى ، لم أدر هل هو رجل انسل من عتمة المعنى ليلج في سم خياط الزمن الممزق ، أو هو قضية فلتت من دواليب المحظور ، أو هو أطياف لصدى أحلام ذكريات من الزمن القادم ،اعتقدت أنه هو الجنين المنتظر الذي ملّ من تأجيل موعد ولادته . 

       فجأة توقف المشهد وإذ بكل الذي قد كان لم يكن …مسحت أجفاني وعاودت مشاهدة تلك الصور فلم يقع بصري على شيء ، لكن سمعي استعاد بيتا واحدا من تلك القصيدة ، إنه البيت ذو الرقم الذي تتطيّر منه أحداق وقلوب غجر أورويا ، إنه البيت رقم 13 الذي يقول فيه الشاعر :

سارت معي والشعر يلهث خلفها كسنابل تركت بغير حصاد

     إنه بيت القصيد الذي اختصر فيه الشاعر كل دواوينه ، واختزل فيه مجموعته الشعرية ( الرسم بالكلمات ) ومزج فيه كل أبيات قصيدة غرناطة على شكل بيت واحد .

3 ـ الدلالات العامة للمحددات الإيقاعية في البيت رقم 13

ا ـ دلالات البحر الكامل كجزئية هيكلية في البيت الشعري المرجع

يرمز البحر الكامل على مستوى اللفظتين إلى :

ـ رمزية لفظة البحر 

دلالتها تستند إلى أبعاد القوة والأصالة والشساعة والثراء ،، والقوة من جهتها تؤشر إلى الثبات والثقة والتحدي والاستقرار ،، والأصالة تؤشر إلى الفطرة التكوينية والنقاء والاستدامة والزهاء ،، والشساعة تحمل دلالة الرهبة والامتداد والاحتواء والطموح ،، والثراء يؤشر إلى الوجود والتنوع والغنى والعطاء .

وتؤشر هذه الدلالات مجموعة مه بعضها إلى بلوغ منتهى النماء النوعي .

رمزية لفظة الكامل

تشير لفظة الكامل في تفرعاتها إلى :

ـ كمال الدورة في بعديها الحياتي والتاريخي

ـ كمال الوظيفة في مكوّنيها الإنساني والحضاري

ـ كمال المهمة المتعلّقة بالبناء والتطوير

ـ كمال النواتج في جانبيها المادي والمعنوي

وتؤشر هذه الدلالات الأربعة إلى اكتمال الحقبة باكتمال الرسالة

بـ ـ العلاقة السوية بين الأنا والهو من خلال دلالة اسم البحر

ـ من حيث اكتمال الحقبة بنهاية الدورة والوظيفة : تشير الدلالة هنا إلى حدوث منعرج حقبي وفق قانون الانبعاث الحضاري الذي يعبر عن كون التسلسل التطوري للحلقات الحضارية هو حتمية تحوّلية ناتجة عن طبيعة الدورة الزمنية بما يشبه تحولات الفصول الأربعة عبر الدورة الزمنية السنوية ، ومن هذا المنطلق يمكن أن ننفي أثر الأنا والهو في تشكيل الأحداث المفصلية التي تصنع منعرجات التغيير ، وبالتالي فتمدد الهوة وتقلصها لا يعبر عن مدى تضخم أو تدنّي أنانية الأنا ولا عن مدى تعاظم أو تناقص هوية الهو ، وإنما يرجع إلى طبيعة القوانين الكونية المتعلقة بالتحاقب التطوّري للحضارات عبر السيرورة الزمنية .

ـ من حيث اكتمال رسالة البناء والتطوير في نواتجه المادية والمعنوية : تشير الدلالة إلى وصول النماء الحضاري المرتبط بنشاط الأنا إلى الذروة القصوى ليتجه التمثيل البياني نحو التراجع كبداية لفسح المجال نحو تشكل وصْلة حضارية جديدة تكون امتدادا نسقيا للبناء السابق أو بديلا أرقى ، بحيث تبدأ رسالة جديدة على مستوى أسمى وأشمل وأجدى ، ومن هذا الطرح يمكن نفي دور الأنا والهو في وضع حد لرسالة بنائية وإرساء قاعدة رسالة بديلة وإنما يمكن أن نحمّل الأنا الباحث عن الخلود تحت ضغط أنانيته والهو الباحث عن إثبات الوجود بدافعية تضخم هويّته مسؤولية صناعة الزلزال الانتكاسي الحضاري وبالتالي بروز الفعل العمدي المؤثر في تمدد الهوّة بين القطبين محل صناعة الاحتقاب الحضاري غير الخاضع لقوانين السموّ الكوني . هذا ما ينطوي تحت دلالة لفظة ( الكامل ) المرتبطة بدلالة اكتمال الرسالة الحضارية التي لم تشر إليها معاني الألفاظ ، وإنما قالها الشعر دون تصريح ولا تلميح ضمن دلالات اسم البحر الذي تم تصميم القصيدة وفق هيكله ( فالشعر يقول شيئا ويعني به شيئا آخر، على حد قول ريفاتير) 7

7ـ أسيزا قاسم ـ نصر حامد أبوزيد ، مدخل إلى السيميوطيقا ج 2 منشورات عين ط 2 الدار البيضاء المغرب 1987 ص 51

 

جـ ـ رمزية التفعيلات في البيت الشعري المرجع

التقطيع التقني للبيت الشعري

سارت معي وششعر يلهث خلفها كسنابلن تركت بغير حصاد 

/0/0//0 /0/0//0 ///0//0 ///0//0 ///0 //0 ///0 /0

متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن

التقطيع اللفظي للتفعيلات

(مُتْ فاعِلا ) (مُتْ فاعلا) (مُتفَاعِلا ) (مُتفَاعِلا ) (مُتَسَائلِا ) (مُتَفائِلْ)

سارت معي وفق التقطيع التقني تفعيلة ( متْفاعلن ) ، وبالتقطيع اللفظي تصبح التفعيلة ( متْ فاعلًا ) ، وبأخذ التفعيلة في مشهدها التقطيعي نجد هناك دلالتين : الأولى تخص البعد المصرح به (مت فاعلا ) : ويتمثل في الموت ضمن حالة الفاعلية وهو بالمعنى الكلاسيكي موت الشرف ، فالشرف هنا يتضمن ( شرف الهوية ، شرف القضية) ، و الثانية تخص البعد غير المصرح به : ويتمثل في الموت ضمن حالة المفعولية وهي بالمعنى التقليدي ميتة الخنوع ، فالخنوع هنا ( خنوع الإذعان وهو ناتج عن طقوس قهرية ، خنوع الإمنان وهو ناتج عن مقتضيات تكتيكية ، خنوع الجشع وهو ناتج عن تبني مقاربة براغماتية ) . وباعتبار النص الإيقاعي المشفر يتطلب تبني مقاربة قراءة المنظومة الإيقاعية بكل مستوياتها ( ومنها مستويات الإيقاع والدلالة ) 8 ، بدل قراءة الوحدة الإيقاعية المنفردة فإن الملاحظ هو تعدي الإيقاع لدلالات أخرى تتجاوز الفاعلية والمفعولية .

8 ـ يوري لوتمان تحليل النص الشعري ، ترجمة محمد فتوح أحمد ، دار المعارف ، القاهرة 1995 ص 98

  وبالتمعن في المنظومة الإيقاعية بعد التقطيع اللفظي ( مت فاعلا، مت فاعلا ، متفائلا) يمكن استشفاف الدلالة الخفية لمضمون الحركة الإيقاعية التي تحمل بعد موت الفاعلية التفاعلية ،، ( مت فاعلا متفاعلا ) وهي المكانة السامية لوضعية الموت في الحالة الفاعلية المفعولية التي لا تستجيب لمنطق الفاعل والمفعول ومشتقاتها ( الغالب والمغلوب ، القاهر والمقهور ، الطاحن والمطحون ، الطامس والمطموس ) وتستجيب لمنطق الشاغل والمشغول ومشتقاتها (العاشق والمعشوق ، النافع والمنفوع ، المانح والممنوح ، الحاضن والمحضون) أي أن حركة الهوية المتأصلة عن الأنا متسايرة مع حركة الكيان المتأصل عن الآخر دون وجود هوة تمنع حدوث التفاعل الطبيعي بين طرفي الحركة ، بمعنى أن الارتباط بين المكون الدلالي للإيقاع الشعري ومكون المسار الحركي في بعده الرؤيوي في هذا البيت الشعري يأخذ صفة التفاعل بين الأنا والآخر بشكل يمنع تشكل أي نوع من الهوة التي يمكن أن تقضي بصفة نهائية عن الفاعلية الحركية المزدوجة التي تؤسس لحتمية السير التفاعلي الذي يضمن ديمومة حركة مزدوجة القطب التفاعلي بصورة طبيعية وإيجابية .

4 ـ تأويل نوايا العلاقة في دلالة الحركة ضمن الحروف المكررة في التفعيلة 

ا ـ التفعيلات بالترتيب

1 ـ سارت معي

2 ـ والشعر يلـ

3 ـ هث خلفها

4 ـ كسنابل

5 ، تركت بغيـ

6 ـ رحصاد

بـ ـ حركات الحروف المكررة في التفعيلة ودلالاتها :

التفعيلة الأولى : ليس بها حروف مكررة ، أي لا وجود لدلالة انتقال من زمن إلى زمن أخر

التفعيلة الثانية : الحرف المكرر بها هو الحرف (ش) ضمن كلمة ( الشعر) التي يفكّ شدّها عروضيا فتصبح ( وششعر ) فيكون الحرف المكررفي وضعيتي ( سكون ، فتحة ) وهو مؤشر على التوجه من زمن مكرّس مستقر نحو زمن قادم انفتاحي .

التفعيلة الثالثة : ليس بها حروف مكررة وهو مؤشر للثبات في نفس الزمن السابق في التفعيلة الثانية .

التفعيلة الرابعة : الحرف المكرر بها هو حرف (ن) في تفعيلة ( كسنابلن ) في وضعيتي ( فتحة ، سكون ) وهي دلالة على استمرار حالة الانفتاح ، مع ميول نحو الاستقرار ضمن ذلك النطاق .

التفعيلة الخامسة : الحرف المكرر بها هو حرف (ت) في تفعيلة ( تركت بغيـ ) ضمن حركتي ( ضمة ، سكون ) في كلمة ( تركت ) ، وهو مؤشر على استغلال حالة الانفتاح والتوجه نحو محاولة الضم والإخضاع وفرض الاستقرار ضمن تلك الخاصّية .

التفعيلة السادسة : ليس بها حروف مكررة وهي مؤشر للثبات في نفس الخاصية التي تشير إليها التفعيلة الخامسة أي فرض الضم والإخضاع والاستقرار على ذلك الوضع .

جـ ـ دلالات مجموع الحروف المكررة

 ـ الحروف المكررة ضمن كل التفعيلات هي ( ش ، ن ، ت )

ـ دلالة الفعل شنت يعني نظمت هجوما ضد جهة معينة ، ولذلك فالدلالة هنا هي أن طرفا من الطرفين شن حربا لماذا ؟ ، يمكن أن يكون السبب هو أنّ طرفا يحاول الاستغراق في الزمن الراهن وطرف يريد الانتقال إلى الزمن المستقبل .

5 ـ تتبع حركة السير من خلال الإيقاع الشعري

ا ـ التتبع من خلال مراحل التحوّل في الريتم

التذكير بالبيت الشعري وتقطيعه الخليلي

سارت معي والشعر يلــهث خلفها كسنابل تركت بغير حصاد 

/0/0//0 /0/0//0 ///0//0 ///0//0 ///0 //0 ///0 /0

هناك مرحلتان :

المرحلة الأولى مرحلة التفعيلة الاحترازية متفاعلن بإسكان التاء ، والمرحلة الثانية مرحلة التفعيلة الأصلية متفاعلن بفتح التاء

ـ المرحلة الأولى : وتتضمن تفعيلتان في العبارة ( سارت معي والشعر يلـ ) وتقطيعها هو

/0/0//0 /0/0//0  

عدد الحركات = 8

عدد السكنات = 6

سرعة المرافقة الافتراضية 8 ــ 6 = 2

سرعة المرافقة الواقعية 8 : 6 = 1.25

معامل البناء العلائقي 1.25 : 2 = 0.625

معامل الهدم العلائقي 1 ــ 0.625 = 0.375

المرحلة الثانية وتتضمن أربع تفعيلات في عبارة ( هث خلفها كسنابل تركت بغير حصاد ) وتقطيعها هو : 

///0//0 ، ///0//0 ، ///0 //0 ، ///0 /0

عدد الحركات = 19

عدد السكنات = 8

سرعة المرافقة الافتراضية 19 ــ 8 = 11

سرعة المرافقة الواقعية 19 : 8 = 2.37

معامل البناء العلائقي 2.37 : 11 = 0.215

معامل الهدم العلائقي 1ــ 0.215 = 0.785

الاستنتاج

في المرحلة الأولى كان الفارق بين سرعة المرافقة الافتراضية وسرعة المرافقة الواقعية ذا دلالة ضعيفة ، وهذا يعني أن الارتباط العلائقي كان قويا ، حيث يتضح أن معامل البناء العلائقي المقدربـ ( 0.625 ) يتجاوز حاجز نصف مساحة المعامل المحددة بـ ( 0.5 ) وفي نفس الوقت يكون معامل التدمير العلائقي في حدود 0.375 أي أنه أصغر من قيمة حاجز نصف مساحة المعامل المحددة بـ ( 0.5 ) ، وهذا يؤشّر إلى أن المنظومة العلائقية كانت في مرحلة بناء ونماء .

في المرحلة الثانية صار الفارق بين سرعة المرافقة الافتراضية وسرعة المرافقة الواقعية ذا دلالة قوية ، وهذا يعني أن الارتباط العلائقي صار ضعيفا ، حيث يتضح أن معامل البناء العلائقي المقدربـ ( 0.215 ) أصغر من حاجز نصف مساحة المعامل المحددة بـ ( 0.5 ) وفي نفس الوقت يكون معامل التدمير العلائقي في حدود 0.785 أي أنه أكبر من قيمة حاجز نصف مساحة المعامل المحددة بـ ( 0.5 ) ، وهذا يؤشر إلى كون المنظومة العلائقية آلت إلى مرحلة هدم وتلاشي .

بـ ـ الدلالة الإيقاعية للحركة اللغوية

سنأخذ هنا حالة الحركة ضما وفتحا وكسرا كدلالة على محاولة التغيير وسنأخذ حالة السكون كدلالة على السكينة والاستقرار

ـ لحظة الانطلاق

العبارة اللغوية

سارت معي

التعبير الإيقاعي للتغعيلة ( سارت معي ) هو 

/0/0 //0

الدلالة الحركية للريتم الإيقاعي

حركة / سكون / حركة / سكون حركتان / سكون

خطوة / توقف / خطوة / توقف خطوتان / توقف

ـ العبارة الإيقاعية /0/0 ( حركة سكون ، حركة سكون ) لها دلالة التناغم أي الارتباط العاطفي بين الأنا والآخر ، أي انعدام هواية صناعة الهوة لدى الهو الذي يمثل الآخر ، وانعدام الأنانية لدى الأنا 

ـ العبارة // 0 ( حركة حركة ، سكون ) لها دلالة عدم التناغم أي لها دلالة بداية تراجع بناء الارتباط العاطفي وبداية عملية الهدم ، أي بداية نشوء نية أنانية الأنا ، وبداية نية صناعة الهوة لدى الهو 

ـ تستمر هذه الحركة بنفس الوتيرة على الامتداد الحركي الإيقاعي المرتبط بالعبارة 

( والشعر يلــ ) أي /0/0 //0 وهو مؤشر على عدم الدخول في مرحلة حاسمة وفاصلة

التحول الإيقاعي

ـ ابتداء من العبارة ( هث خلفها ) إلى آخر البيت تتغير الحركة الإيقاعية لتأخذ الشكل ///0//0 أي تتزايد أعداد الحركات على حساب عدد السكنات كالآتي :

هث خلفها كسنابل تركت بغيــ رحصاد

///0//0 ///0//0 ///0//0 ///0/0

في هذه المرحلة تصل الحركة أقصى حدودها المرتفعة ويصل السكون أدنى حدوده المنخفضة مما يؤشر إلى تشتت العلاقة واقترابها من التلاشي ، أي الوصول إلى استحالة استمرارية الارتباط العلائقي ، أي التوقف عند نقطة النهاية .

 ـ نهاية المراحل

نهاية المرحلة الأولى : 

سارت معي والشعر يلــ

نقطة البدء هو حرف السين

نقطة النهاية هو حرف اللام

الترتيب الهيجائي في اللغة العربية ، السين في الرتبة 12 واللام في الرتبة 23 وهي دلالة على أن العلاقة تعبّر عن الانتقال الطبيعي التطوري ، وبجمع الحرفين في كلمة (سل)التي تعني طرح السؤال فتلك دلالة على النهج الصحيح الذي تم اعتماده في المرحلة الأولى من العلاقة بين الطرفين .

نهاية المرحلة الثانية

هث خلفها كسنابل تركت بغيــر حصاد

///0//0 ///0//0 ///0//0 ///0/0

نقطة البدء هو حرف الهاء

نقطة النهاية هو حرف الدال

الترتيب الهيجائي في اللغة العربية ، الهاء في الرتبة 26 والدال في الرتبة 8 وهي دلالة على أنّ العلاقة تعبّر عن الانتقال التراجعي التنازلي ، وبجمع الحرفين في كلمة ( هد ) بشد حرف الدال تعني دمّر ، وهذه دلالة على أن العلاقة تحولت إلى حالة تدميرية 

وفي كلتا المرحلتين نجد أن مجموع الترتيبين هو العدد 35 ، ومجموع العددين 3 و5 هو العدد 8 ، وحيث أن الأعداد 3 و5 و 8 كلها أرقام ذهبية ، أي أن الحقبة بمرحلتيها المختلفتين كانت ذهبية.