عبدالعزيز الظاهري
في أحد الأيام واثناء تواجدي في المدينة التي ولدت فيها وترعرعت لمحت وانا في طريقي الى منزل جدي رحمه الله العم سلامه اخر من تبقى من كبار السن الذين كنت اعرفهم في حينا القديم واقفا وبيده زنبيل مقاضي والشمس تتوهج في كبد السماء
شعرت بالحزن عليه وانا أراّه وقد التهم الزمن لحمه وشحمه ولم يبقى له سوى عياناه الغائرتان فاتجهت اليه وأوقفت المركبة وخرجت منها وقبلت راسه ويده وسألته أي خدمة يا عم سلامه
فتكلم بنبرة صوت ذلك الزمان الجميل فقال :(والله يا ولدي أخبروني ان اختي سمره مريضه في الديرة وانت كما تعلم انا رجل عقيم ما عندي بنت ولا ولد واحتاج واحد يوصلني، فانا أخاف اصعد سيارة مع أحد غريب قد يكون متهور ، ومثلك يعرف انني اما تهمني الفلوس بس هذه الخدمة الي احتاجها وان كنت تقدر فانت مشكور وان كنت ما تقدر برضه انت معذور)
ابتسمت وقلت له انا واحد من اولادك يا عم سلامه ويسعدني ان اخدمك وفتحت له باب السيارة وقلت له تفضل يا عم سلامه
وبجرد صعوده سألته بخجل قائلا: في حقيقة الامر انا غادرت جده منذ زمن طويل وخلال غيابي توسعت المدينة وقامت فيها احياء جديده بالمختصر يا عم سلامه اين يقع هذا الحي اقصد “الديرة “
التفت الي وقال متعجبا: حي اي حي يا ابني “الديرة ” هي ارض الأجداد التي خرجنا منها
شعرت بالصدمة وقلت متلعثما تقصد ان الديرة ما هو حي سكني جديد من احياء جده
فأجاب سريعا -لا لا يا ولدي كل ناس لهم ارض خرجوا منها يعني قرية خرجوا منها يسموها الديرة
اخذت نفسا عميقا وسألته: واين تقع هذه الديرة اقصد القرية التي تعيش فيها اختك سمر
ضحك العم سلامه بشكل هستيري وبعد ان هدأ قال: اختي “سمره” ما هي سمر اسم سمر هذا اسم حديث ما كنا نعرفه
فقلت بضيق: نعم سمره ،سمره ، اقصد “قرية اختك سمره” هذه كم تبعد يا عم سلامه
فأجاب بكل بساطة – فقط 350 كم
وما ان سمعت اجابته شعرت وكأنه لكمني لكمة خطافيه على عيني اليمنى التي تطل عليه
كنت اعتقد ان الديرة هو حي من احياء جده التي أجهلها
المهم انني تورطت واخذت أحدث نفسي قائلا: انتهى الموضوع توكل على الله ووصل الرجال
وما ان تحركت السيارة اخذ يكلمني عن مغامراته التي حدثت له مع جدي بينما كنت انا في عالم اخر أحدث نفسي 350كم يعني ساعتان وربع بسرعة 160 كم واكون في الديرة لا مشكله …
وبمجرد ان استوت سيارتي على الخط السريع انطلقت 100 كم في الساعة ،140 كم في الساعة ،160كم في الساعة عندها التفت العم سلامه الي واخذ يخبط بيده على طبلون السيارة وهو يصرخ :هدئ ،هدئ ….
كان خبطه مزعجا يشاركه رنة تكاد تفجر طبلة اذني بسبب ذلك الخاتم الكبير الذي يضعه في أصبعه الصغير استمر في فعل ذلك 140كم هدئ 120، كم هدئ ،100كم هدئ، لم يتوقف حتى وصلت الى 80كم في الساعة عندها توقف صراخه وتوقفت يده عن الحركة وقال لي معاتباً: اتريد ان ترمي نفسك في التهلكة
لم أعقب على كلامه كي لا افتح أبواب الجحيم على نفسي
عندها التفت الي وقال مبتسما وهو يحرك حاجبيه: “تحملني ام احملك”
فأسرعت وقلت له: لا، لا لن أتكلم بوجودك فانت الخير والبركة يا عم سلامة –قلتها خوفا من ان يحكي لي قصة ” وافق شن طبقه ” الطويلة الخاصة بهذا السؤال او الجملة الافتتاحية (تحملني ام احملك؟!)
عندها اعتدل في جلسته وقام بسرد قصة مشابهه لقصة ريشة النسر الخاصة بالكاتب البلغاري الساخر-إلين بيلين -ولكن بكذبة من بنات او احفاد أفكاره فقال: عندما كنت طفلاً. أعدو ذات يوم في الخلاء ….
وهذا اول الاختلاف فالكاتب البلغاري قال يعدو “في المروج “
ولنعود الى قصة العم سلامه
“وجدت ريشة نسر، كانت ريشة جميلة وكبيرة ..
رفعت الريشة بيدي عاليا وعدوت بكل ما أتيت من قوة ،إذ كان يخيل إليّ أني أطير بخفة النسر.
هذا المقطع وكأنه تم قصه من قصة الكاتب البلغاري
لنعود لنكمل قصة العم سلامه:
علقت ريشة النسر بعناية في ربطة عمامتي واخذت امشي متبخترا فقد كنت اشعر انني اسعد مخلوق في هذا الكون، وعندما اقبلت على منازلنا هبت ريحا ترابية عاتية ونزعت الريشة من راسي واخذت تطوف بها في السماء وانا اتابعها بعيني
فجأة هوت الريشة مترنحه وبشكل غريب وعجيب ودخلت الى حضيرة الدجاج الخاصة بفيحان ذلك الرجل المرعب
اقتربت من حظيرة الدجاج رغم خوفي واخذت ابحث بعيني عن ريشتي فرايتها داخل أحد الاقفاص وقد انحجزت بين أربعة بيضات ترقد فوقها دجاجة، وعندما حاولت الدخول سمعت صوت فيحان فغادرت مسرعا وانا اشعر انني أتعس مخلوق على وجه هذه الأرض
وعودة لقصة البلغاري فقط اذكرها من باب رؤية التشابه والاختلاف
“وعندما أصبحت شابا، علقت ريشة النسر على قبعتي، وتوددت إلى أجمل فتاة في العالم. من كان أسعد مني في ذلك الوقت، غير أني كنت فقيراً، لا أملك شيئا سوى ريشة النسر تلك، فتركتني فتاتي الحبيبة، إذ قالوا لها أنه لا يمكن للمرء العيش فقط بريشة نسر ٍ جميلة، عندها شعرت انني أتعس انسان على وجه الأرض، خبأت ريشة النسر، ولم يطاوعني قلبي أن أحملها بعد ذلك، واشتد الحزن في روحي ..حزنا لم استطع دفعه بشيء “
وعودة لريشة النسر الخاصة بلعم سلامه
(عندها بدأت التخطيط لاسترداد ريشتي المفقودة لكن فيحان كان يهدم كل خططي بسبب تواجده الدائم قريبا من حظيرة دجاجه
وذات صباح وبعد مضي عشرة أيام على دخول ريشتي هذه الحظيرة رأيت فيحان يغادر المكان بصحبة ابن عمه فأسرعت ودخلتها واخذت ابحث عن ريشتي في القفص الذي رايتها فيه بين البيض
كانت الصدمة ان الدجاجة غادرت القفص ولم أجد سوى قشور بيض وبجواره أربعة فراخ دجاج يتوسط هذه الفراخ طائر غريب عنهم مختلف في الشكل والحجم، ركزت في هذا الفرخ فاكتشفت انه فرخ نسر، تركته لم التفت اليه واخذت ابحث عن ريشتي في كل ركن من اركان الحظيرة، لكن لم اجدها عندها تيقنت ان ريشتي تحولت الى نسر فحملت فرخ النسر ذلك وخرجت مسرعا …
اعلم ان هذا الامر مخالف لكل منطق لكن هذا ما حصل
على كل حال اخترت لذلك الفرخ وكرا في أحد قمم الجبال التي تشرف على قريتنا واخذت اصطاد له الجرابيع والسحالي والوبر وأقدمه له
كبر ذلك الفرخ وقوي عظمه وأصبح نسرا عظيما، عندها اخذت بتعليمه فنون الصيد فأصبح صديقي الذي يقدم لي لحوم الطيور والارانب وحتى الضباء
عاش معي هذا النسر خمسة عشرة عاما وفي أحد الأيام وجدته جثة هامدة حزنت على فراق هذا الطائر أياما بل أعواما فكيف لي ان انساه وانا انظر بعين الحسرة الى اسراب الطيور المهاجرة تحلق فوق راسي بأمان)
وأخيرا: انتهت قصة العم سلامه ولنرى كيف انتهت قصة او ريشة النسر الخاصة بالكاتب الساخر-إلين بيلين
“عندها بدأت أدرك أن جميع الناس يعانون مثلي أو ربما أكثر مني، لماذا هي الحياة بائسة إلى هذا الحد؟!
أخرجت ريشة النسر من جديد، غير أني لم أكن طفلا لألهو بها، ولا شابا لأتزين، بل لأصنع منها ريشة للكتابة” أردت أن أكتب شيئا مرحا. غير أن الحزن تدفق من نصي”
وهكذا انتهت قصة ريشة النسر الخاصة بالكاتب إلين بيلين
واصل عم سلامة حديثه معي يدخل في قصة ويخرج من أخرى وانا اشعر باني أتعس مخلوق على وجه الأرض، “ثلاثة ساعات ونصف تستمع لشخص ما ” ‘انه امر رهيب
على كل حال أوصلت العم سلامة الى قرية اخته سمره وتركته وانا اشعر بصداع يكاد يشطر راسي الى نصفين ورغم معاناتي لم اشعر بنفسي الا وانا أقف عند باب منزل جدي، فقد كنت مشغولا طول طريق العودة بجمع خيوط افكاري لعمل قصة ريشة نسر خاصة بي!


