المجلة الثقافية الجزائرية

سلطة الكلمات: اللغة بين بناء الوعي وتوجيه المجتمع

أ.د زهراء البرقعاوي

ليست اللغة وسيلة يتبادل بها الناس الأخبار والأفكار، ولا هي مجموعة من الألفاظ والقواعد التي تستعمل لأداء حاجات التواصل اليومي فحسب، بل هي نظام رمزي عميق تتكون من خلاله رؤية الإنسان إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى العالم المحيط به. فالإنسان لا يسمي الأشياء بعد أن يفهمها فهما كاملا ومستقلا عن اللغة، وإنما يفهم كثيرا من الأشياء من خلال الأسماء التي يمنحها لها، والتصنيفات التي يضعها ضمنها، والعبارات التي اعتاد أن يصف بها الوقائع والأشخاص والقيم. ومن هنا تغدو اللغة قوة فاعلة في بناء الوعي، وصياغة المواقف، وتوجيه السلوك الفردي والجماعي.

إن العلاقة بين اللغة والفكر ليست علاقة سطحية تقوم على نقل الأفكار الجاهزة من العقل إلى الخارج، بل هي علاقة تفاعلية يتداخل فيها التعبير مع التفكير، حتى يصعب في كثير من الأحيان الفصل بينهما. فاللغة تمنح الإنسان أدوات التصنيف والمقارنة والاستدلال، وتزوده بالمفاهيم التي يفهم بها خبراته وتجربته الاجتماعية. وحين يفتقر الفرد إلى المفردات الدقيقة التي تعبر عن ظاهرة ما، فإنه قد يجد صعوبة في إدراك أبعادها أو تحليلها أو اتخاذ موقف واع منها. ولهذا لا تتساوى المجتمعات في مقدار وعيها لمجرد اختلاف مستويات التعليم فيها، بل يختلف وعيها كذلك باختلاف نوع اللغة المتداولة، وثراء مفرداتها، وقدرتها على تسمية المشكلات وكشف العلاقات الخفية بين أسبابها ونتائجها.

وتظهر سلطة اللغة بوضوح في فعل التسمية؛ لأن تسمية الأشياء ليست إجراء بريئا أو محايدا دائما، بل قد تتضمن حكما ضمنيا عليها. فالحدث الواحد يمكن أن يقدم للمتلقي بوصفه إصلاحا أو فوضى، و مقاومة أو عنفا، واختلافا أو تمردا، وحماية أو سيطرة، تبعا للزاوية التي يراد تثبيتها في ذهن الجمهور. ولا تختلف هذه الألفاظ في دلالاتها المعجمية فقط، بل تحمل كل واحدة منها شحنة عاطفية وقيمية تستدعي منظومة كاملة من القبول أو الرفض، والتأييد أو الإدانة. وبذلك قد يحسم موقف المتلقي نفسيا قبل أن تتاح له فرصة النظر المتأني في الوقائع.

إن الكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تسهم في إنتاج صورة مخصوصة عنه، فعندما تكرر المؤسسات الإعلامية أو السياسية أو الاجتماعية وصف فئة معينة بصفات محددة، تتحول تلك الصفات تدريجيا إلى صورة ذهنية مستقرة في الوعي الجمعي، وقد يصبح الفرد محكوما بهذه الصورة حتى من دون أن تكون له معرفة مباشرة بأفراد تلك الفئة أو بتاريخها وثقافتها. ومن هنا تتكون الصور النمطية التي تختزل الجماعات الإنسانية في أوصاف جامدة، وتلغي التنوع داخلها، وتجعل الحكم على الفرد قائما على انتمائه لا على سلوكه الحقيقي.

وتكمن خطورة هذا الاستعمال في أن التكرار يمنح الفكرة نوعا من البداهة، فما يقال باستمرار قد يبدو صحيحا لا بسبب قوة الدليل الذي يستند إليه، بل بسبب كثرة حضوره في الخطاب العام. وعندما تتردد أوصاف مثل (المتخلف) و(الجاهل) و(الخائن) و(الدخيل) في وصف جماعة أو اتجاه فكري، فإنها لا تنقل معلومة موضوعية، وإنما تؤسس لموقف اجتماعي قد ينتهي إلى التهميش أو الإقصاء أو الكراهية.

فاللغة العنيفة غالبا ماتؤسس لعلاقات اجتماعية مشحونة بالعنف إذ تسلب الآخر إنسانيته، وفي المقابل تستطيع اللغة أن تؤدي دورا إيجابيا في بناء المجتمع حين تستعمل لتقريب المسافات، وتصحيح التصورات، وترسيخ قيم الحوار والاحترام.

 فاختيار كلمات أكثر دقة وعدلا لا يمثل ترفا لغويا، بل هو جزء من المسؤولية الأخلاقية، وحين يستبدل خطاب الاتهام بخطاب الفهم، ولغة الإقصاء بلغة المشاركة، والتعميم بوصف السلوك المحدد، يصبح الفضاء الاجتماعي أكثر قدرة على استيعاب الاختلاف من غير أن يتحول إلى صراع دائم.

ويبرز أثر اللغة بصفة خاصة في الخطاب الإعلامي؛ لأن وسائل الإعلام لا تقدم الواقع كما هو في صورته الكاملة، وإنما تنتقي من أحداثه ما تراه جديرا بالعرض، ثم تصوغه داخل عناوين وتراكيب وصور تحدد طريقة تلقيه. فاختيار الفاعل في الجملة أو إخفاؤه، واستخدام المبني للمعلومأو المجهول ، وتقديم سبب معين وتأخير غيره، كلها اختيارات لغوية تؤثر في توزيع المسؤولية وفي صناعة التعاطف أو الإدانة. وقد يقال مثلا (قتل مدنيون خلال الاشتباكات) فتغيب الجهة المسؤولة عن الفعل، بينما يؤدي التصريح بها إلى بناء معنى مختلف تماما. وبذلك لا تكون البنية النحوية بعيدة عن الموقف السياسي أو الأخلاقي، بل قد تتحول إلى وسيلة لإظهار الحقيقة أو حجبها.

كذلك تؤثر اللغة في الذاكرة الجماعية، لأن المجتمعات لا تحتفظ بتاريخها في الوقائع وحدها، بل تحتفظ به في القصص والخطب والأشعار والأمثال والتسميات التي التي تتناقلها الأجيال. ومن خلال اللغة يُعاد بناء الماضي، ويمنح بعض الأشخاص موقع البطولة، بينما يدفع آخرون إلى الهامش أو النسيان. ولذلك فإن الصراع حول التاريخ هو في جانب منه صراع حول الألفاظ التي يُروى بها التاريخ، وحول المفاهيم التي تفسر أحداثه، وحول الأصوات التي يُسمح لها بالكلام.

وترتبط اللغة أيضا ببناء الهوية، إذ لا يشعر الإنسان بالنتمائه إلى جماعته من خلال المكان والمصالح المادية وحدها، وإنما من خلال الكلمات التي تحمل ذاكرة الجماعة وقيمها ورموزها، فاللغة وعاء التجربة الثقافية، وبها تنتقل التصورات الدينية والأخلاقية والأدية من جيل إلى جيل آخر. وحين تضعف علاقة المجتمع بلغته، فإنه لا يفقد أداة التواصل فقط بل قد يفقد جزءا من قدرته على فهم تراثه وتأويل واقعه من داخل منظومته الثقافية.

إن سلطة الكلمات ليست سلطة مجازية، بل هي قوة حقيقية تظهر آثارها في الأفكار والعلاقات والمؤسسات. فباللغة تُبنى الشرعية، وتصنع السمعة، وترسم الحدود بين (نحن) و (هم) وتتشكل صورة الإنسان عن ذاته وعن مجتمعه. ولذلك فإن المسؤولية عن الكلمة ليست مسؤولية الأدباء والإعلاميين وحدهم، بل هي مسؤولية كل من يشارك في المجال العام من أشخاص ومؤسسات علمية وثقافية.

وحين يدرك المجتمع أن اللغة فعل وليست مجرد وصف، فإنه يصبح أكثر حذرا في اختيار ألفاظه، وأكثر وعيا بما تخلفه الكلمات من آثار. فالكلمة قد تفتح مجالا للحوار أو تغلقه، وقد تحفظ كرامة الإنسان أو تسلبه إياها، وقد تكشف الحقيقة أو تسترها، وقد تبني وعيا حرا أو تنتج عقلا تابعا. ومن هنا يمكن القول إن العناية باللغة ليست انشغالا بالشكل على حساب المضمون، بل هي عناية بطريقة تشكل المضمون نفسه، لأن الإنسان يسكن العالم من خلال اللغة، ويرى جزءا كبيرا من واقعه بعين الكلمات التي تعلمها واعتادها .

إن المجتمعات لا تغير بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل تتغير أيضا حين تتغير مفرداتها الكبرى، وحين تعيد النظر في الأسماء التي تمنحها للإنسان والسلطة والعدالة والاختلاف والحرية. فالكلمات التي يتداولها الناس اليوم قد تصبح أفكار الغد، والأفكار المتكررة قد تتحول إلى مواقف، والمواقف قد تصنع سلوكا وتاريخا. ولهذا فإن بناء مجتمع واع يبدأ من بناء لغة واعية، لغة تسمي الأشياء بصدق، وتحترم الإنسان، وتقاوم التضليل، وتفتح الفكر على السؤال بدل أن تغلقه بالإجابات الجاهزة.

*المكين