المجلة الثقافية الجزائرية

سلطة المسرح أم مسرح السلطة

بقلم: أحمد . م . مكاراتي

تعد العلاقة بين المسرح والسلطة من أكثر العلاقات إشكالية وتعقيداً في التاريخ الثقافي فهي ليست مجرد علاقة بين فن ومؤسسة بل هي صراع إرادات دائم بين قوة مادية تملك أدوات القمع والمنع وقوة معنوية تملك سحر الكلمة وتأثير المشهد.

ودائما ما يلح علينا السؤال التالي : ما الفرق بين مسرح السلطة وسلطة المسرح ؟

جدلية مسرح السلطة وسلطة المسرح

هل المسرح أداة طيعة في يد الحاكم ؟ أم هو قوة اجتماعية وفكرية قادرة على خلخلة الثوابت والتأثير في بنية المجتمع وصناع القرار ؟

هذا التساؤل يفتح الباب أمام قراءة تفصيلية لخصائص وآليات عمل نوعين متناقضين من الممارسة المسرحية .. مسرح يخدم الكراسي ومسرح يهزها .

أولاً: مسرح السلطة

في هذا المفهوم يتحول المسرح إلى أداة تابعة للأنظمة السياسية أو المؤسسات المهيمنة حيث تُسخّر السلطة الخشبة لتحقيق غاياتها الأيديولوجية وتبرز آليات عمل هذا المسرح من خلال :

الاستلاب الأيديولوجي : تحويل الخشبة إلى منبر خطابة وتلميع الصورة الحاكم مع تصوير المعارضين كخونة مما يؤدي إلى اغتيال الفن لصالح الشعار المباشر.

استراتيجية التنفيس : السماح بهامش من النقد السطحي مثل نقد غلاء الأسعار أو صغار الموظفين ليس بغرض الإصلاح بل لامتصاص غضب الشعب وجعل المسرح صمام أمان للنظام 

الرقابة كمؤلف مشارك : لا يكتفي الرقيب هنا بحذف الكلمات بل يتدخل في توجيه المخرجين لتبني نصوص تعزز قيم الطاعة وتمجيد الماضي .

ثانياً : سلطة المسرح .. 

على الضفة الأخرى تبرز سلطة المسرح كقوة سيادية تستمد زخمها من قدرتها على كشف المسكوت عنه وزلزلة المفاهيم الراسخة.

إنها السلطة التي تحول المتفرج من مشاهد سلبي إلى مشارك فاعل في التغيير .

وقد تجسدت هذه السلطة عبر نماذج عالمية وعربية رائدة :

برتولت بریخت ( كسر الجدار الرابع ) : عبر تقنية التغريب سعى بريخت لكسر الإيهام المسرحي ليقول للمشاهد إن الواقع ليس قدراً محتوماً بل هو من صنع البشر ويمكن تغييره محولاً إياه من كائن عاطفي إلى محلل سياسي .

أوغستو بوال ( مسرح المقهورين ) : الذي جعل الجمهور يصعد للخشبة ليغير مصير البطل معتبراً المسرح تدريباً على الثورة في الواقع .

سعد الله ونوس ( تسييس المسرح ) : الذي حاول تحويل الصالة المسرحية إلى برلمان شعبي مؤكداً من خلال أعماله مثل ( سهرة مع أبي خليل القباني ( أن الصراع مع السلطة هو صراع وجودي أزلي .

ثالثاً: لغة المكر .. المناورة تحت عباءة الرقيب

العلاقة بين الطرفين ليست دائماً صداماً مباشراً فالمسرح الذكي يمارس سلطته عبر آليات التفافية تمكنه من قول ما لا يمكن قوله صراحة ومنها :

الإسقاط التاريخي : استحضار طغاة العصور الغابرة للإشارة إلى الواقع الراهن .

الرمز والأسطورة : توظيف الرموز الأسطورية ( مثل أوديب أو أنتيغون ( لتمرير الرؤى النقدية في أشد الظروف قمعاً .

سيكولوجية السيطرة وآفاق التحرر المسرحي

١. سيكولوجية مسرح السلطة المسرح كمنوم مغناطيسي

لا تكتفتي السلطة باستخدام المسرح كبوق إعلامي بل تسعى لتحويله إلى أداة للضبط الاجتماعي .

تزييف الوعي الجمعي : من خلال تقديم عروض تمجد البطل المنقذ أو الانتصارات العسكرية الرسمية حيث يتم غرس فكرة أن استقرار المجتمع مرهون بوجود هذه السلطة .

جمود الجماليات : يميل مسرح السلطة إلى الكلاسيكية الجامدة والخطاب المباشر البروباغندا) لأن الإبداع الحقيقي يتطلب حرية تتجاوز الخطوط الحمراء التي يضعها الرقيب وهو ما تفتقر إليه هذه العروض .

المسرح كـصمام أمان : نجد هنا استراتيجية التنفيس في ذروتها حيث يتم تصميم مسرحيات ساخرة تشتم الواقع المر بجرعات مدروسة ليعود المواطن إلى بيته مستكيناً بعد أن أفرغ غضبه داخل صالة العرض بدلاً من تفريغه في الشارع.

٢. فلسفة سلطة المسرح : تحطيم الأصنام الفكرية

تتحقق سلطة المسرح عندما ينجح العرض في خلق مجتمع مؤقت داخل الصالة حيث يتشارك الغرباء في وعي جماعي نقدي

من العاطفة إلى التحليل( نموذج بريخت ) : اعتمدت سلطة المسرح عند بريخت على التغريب وهو تعمد كسر الجدار الرابع ( الوهم المسرحي ( عبر مخاطبة الجمهور مباشرة أو إظهار أدوات الإضاءة. الهدف هو منع المشاهد من الغرق في العاطفة والتعاطف السلبي ودفعه ليتخذ موقفاً سياسياً ويحلل الواقع كبنية قابلة للتغيير.

المسرح كبرلمان شعبي ( نموذج ونوس ) : ذهب سعد الله ونوس إلى أبعد من مجرد الفرجة حيث أراد للمسرح أن يكون تسييساً للجمهور أي دفعهم لممارسة فعل السياسة والمساءلة داخل المسرح كتمهيد لممارستها في الحياة العامة

الاشتباك الدرامي : 

عندما تشتد القبضة الأمنية يلجأ المسرح إلى لغة المكر الجمالي لفرض سلطته المعنوية :

الإسقاط الزماني والمكاني : بدلاً من نقد السلطة المعاصرة يتم استحضار شخصيات تاريخية مستبدة (مثل نيرون أو كاليغولا ( ليقوم الجمهور تلقائياً بعملية المطابقة بين المستبد التاريخي والمستبد الحالي .

بلاغة الصمت والفراغ : أحياناً تكون سلطة المسرح في ما لا يقال وفي الرموز السريالية التي تعجز الرقابة التقليدية عن تفسيرها أو إدانتها مما يجعل العرض شيفرة يفهمها الجمهور ويجهلها الرقيب .

٤. المسرح في عصر السوشيال ميديا : 

في ظل طغيان الشاشات والذكاء الاصطناعي تكتسب سلطة المسرح بعداً جديداً وهو سلطة الحضور المادي.

المسرح هو الفن الوحيد الذي يجمع الحاكم الممثل كفكرة والمحكوم (الجمهور) في حيز فيزيائي واحد دون وسيط رقمي . هذا التماس المباشر هو ما يجعل السلطات المستبدة تشعر بالقلق من المسرح فالكلمة التي تقال على الخشبة أمام مئات البشر في لحظة حية تملك قوة تفجيرية لا تملكها المنشورات الافتراضية . إن الصراع بين مسرح السلطة وسلطة المسرح هو صراع أزلي بين المؤسسة التي تسعى لتجميد الزمن والفن الذي يسعى لتحريكه. وكما يقول سعد الله ونوس: إننا محكومون بالأمل وهذا الأمل هو جوهر سلطة المسرح التي تجعل الكرسي يهتز تحت الجالس عليه بقوة الكلمة وصدق المشهد.

وسأستعرض هنا كيف تحولت خشبة المسرح إلى ساحة صراع حقيقي من خلال أعمال خالدة حيث واجه الفن جبروت السلطة بالرمز والتحريض.

تجليات الصراع : 

نماذج تطبيقية لسلطة المسرح في مواجهة مسرح السلطة

لا تكتمل الصورة إلا بالنظر في الكيفية التي استطاع بها كبار المسرحيين تحويل نظرياتهم إلى فعل مقاوم هز أركان المؤسسات المهيمنة وذلك عبر نماذج مختارة:

النموذج الملحمي الأم شجاعة لبرتولت بريخت 

بينما كان مسرح السلطة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين يروج للحروب والانتصارات العسكرية كفعل بطولي مقدس جاء بريخت بمسرحية الأم الشجاعة وأبناؤها.

آلية العمل : بدلاً من تمجيد الحرب أظهر بريخت الحرب كبزنس وتجارة خاسرة تلتهم الأبناء.

سلطة المسرح : استخدم بريخت تقنية التغريب لمنع المشاهد من البكاء على الأم شجاعة بل أراده أن يغضب منها لأنها تتاجر في الحرب التي تقتل أولادها.

هنا نجحت سلطة المسرح في تحويل الحرب من قدر إلهي أو وطني إلى قرار سياسي واقتصادي خاطئ يمكن للبشر تغييره .

النموذج العربي : سهرة مع أبي خليل القباني لسعد الله ونوس (صراع الوجود)

في هذه المسرحية لا يقدم ونوس مجرد سيرة ذاتية لرائد المسرح السوري بل يقدم بياناً سياسياً حول سلطة الفن في مواجهة تحالف السلطة والدين .

المواجهة : يستعرض ونوس كيف حطمت السلطة مسرح القباني وحرقت أدواته بتواطؤ مع الفكر المتشدد

سلطة المسرح : استخدم ونوس المسرح داخل المسرح حيث جعل الممثلين يندمجون مع الجمهور في الصالة محطماً الجدران الوهمية ليقول للجمهور : إن قمع القباني في الماضي هو نفسه قمع حريتكم في الحاضر وتحول العرض هنا من مجرد حكاية تاريخية إلى صرخة احتجاج جماعية

نموذج المكر الجمالي : 

                        أنتيغون لجان أنوي الرمز في وجه الاحتلال

خلال الاحتلال النازي لفرنسا قدمت مسرحية أنتيغون المستوحاة من الأسطورة اليونانية.

المناورة : استغل أنوي الأسطورة القديمة ليمرر خطاباً سياسياً حاداً تحت أنف الرقابة النازية .

سلطة المسرح : جسدت أنتيغون روح المقاومة الرافضة للقوانين الظالمة التي يمثلها الملك كريون المذهل أن الرقابة سمحت بالعرض ظناً منها أنه يمجد فكرة النظام التي يمثلها الملك بينما فهم الجمهور الفرنسي الرسالة فوراً بأن أنتيغون هي فرنسا المقاومة وكريون هو المحتل .

هذا هو المكر المسرحي في أبهى صوره .

 مسرح المقهورين : تغيير المصير مع أوغستو بوال

في تجارب بوال بالبرازيل لم تعد السلطة للمؤلف أو المخرج بل انتقلت للمتفرج الفاعل .

التطبيق : في أحد العروض التي تتناول اضطهاد العمال أوقف بوال العرض وطلب من أحد العمال في الجمهور الصعود للخشبة ليأخذ دور البطل ويواجه صاحب العمل المستبد

سلطة المسرح : عندما نجح العامل في تغيير مسار المسرحية وتحقيق العدالة على الخشبة امتلك اليقين بأنه قادر على المطالبة بحقه في المصنع .

هنا انتقلت سلطة المسرح من الكلمات إلى التدريب الميداني على الثورة .

تثبت هذه النماذج أن الفرق بين مسرح السلطة وسلطة المسرح هو الفرق بين التخدير والتنوير.

فبينما يسعى مسرح السلطة لترسيخ شرعية الكرسي تظل سلطة المسرح هي تلك القوة السحرية التي تجعل الكرسي يهتز عبر إيقاظ الوعي الجمعي وإعادة الاعتبار لإرادة الإنسان في التغيير

لتعميق الرؤية الفنية في هذا البحث لا بد من الانتقال من مستوى النص إلى مستوى الفضاء حيث تلعب السينوغرافيا ( الديكور .. الإضاءة .. والأزياء ( دوراً حاسماً في تعزيز سلطة المسرح أو تكريس هيمنة مسرح السلطة. فالصورة البصرية على الخشبة ليست مجرد ديكور جمالي بل هي لغة سياسية صامتة وللبعد البصري والسينوغرافي دورا هاما في جدلية المسرح والسلطة

سينوغرافيا الصراع .. عندما تتحدث الخشبة سياسة

في صراع الإرادات بين المسرح والسلطة تتحول العناصر البصرية من مجرد أدوات تزيينية إلى أسلحة فاعلة:

١. سينوغرافيا مسرح السلطة : فخامة التضليل وهيبة الفراغ

يسعى مسرح السلطة إلى إبهار المتفرج لإشعاره بضالته أمام عظمة النظام ويتحقق ذلك من خلال 

النزعة الكلاسيكية والضخامة : استخدام ديكورات فخمة وضخمة تحاكي القصور أو القوة العسكرية الهدف منها هو الاستلاب البصري للمتفرج حيث يطغى المشهد على الفكرة ويتحول المسرح إلى واجهة لتلميع صورة النظام .

الإضاءة التوجيهية : استخدام إضاءة تركز بشكل مبالغ فيه على البطل الرمز ) الذي يمثل الحاكم أو النظام ) مما يخلق هالة من القدسية حوله بينما يظل باقي المجتمع ( الممثلين الآخرين ) في الظل .

الزي الرسمي كقيد : في هذا المسرح تُستخدم الأزياء لترسيخ التراتبية والطبقية حيث يتم الالتزام الحرفي بالزي التاريخي أو الرسمي لمنع أي تأويل معاصر قد يمس السلطة القائمة .

٢. سينوغرافيا سلطة المسرح :

في المقابل تعتمد سلطة المسرح على جماليات الفقراء أو السينوغرافيا الفقيرة لزعزعة استقرار المفاهيم السائدة

كشف الآلات ( الصدق البريختي ) : تعمد بريخت إظهار أدوات الإضاءة (الكشافات وأجهزة تغيير الديكور أمام الجمهور هذه الحركة السينوغرافية هي قمة سلطة المسرح فهي تقول للمشاهد صراحة: إن ما تراه هو عرض مصنوع وليس واقعاً حتمياً وبالتالي يمكنك تفكيكه وتغييره .

الفضاء المفتوح والجمهور المشارك : في مسرح المقهورين (بوال) أو مسرح ونوس يتم كسر الجدار الرابع مادياً وليس مجازياً فقط فالسينوغرافيا هنا لا تفصل بين الممثل والجمهور بل تجعل صالة العرض كلها فضاءً للعرض المقدم مما يسقط سلطة المنصة ويمنح سلطة المشاركة للمتفرج.

الرمزية والسريالية : يلجأ المسرح المقاوم إلى ديكورات رمزية ( مثل كرسي محطم أو قفص فارغ ) لقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.

هذه السينوغرافيا المراوغة تفلت من رقابة السلطة لأنها تعتمد على تأويل المشاهد مما يجعل الخشبة مساحة للحرية الذهنية المطلقة .

التقنيات الحديثة : سلطة الحضور ضد الافتراض

في العصر الحالي يواجه المسرح تحدي الشاشات العملاقة . وتكمن سلطة المسرح اليوم في استخدام التكنولوجيا ( مثل المابينغ أو الشاشات التفاعلية ) لا لمحاكاة السينما بل لتعميق التماس المباشر. إن استخدام السينوغرافيا الرقمية لنقد الرقابة أو كشف آليات التجسس الرقمي هو امتداد لسلطة المسرح في كشف الواقع المعاصر .

أخيرا نقول : هل لا يزال للمسرح سلطة ؟

رغم سطوة السينما ووسائل التواصل الاجتماعي يظل المسرح محتفظاً بسلطة الحضور الحقيقي. هذا التماس المباشر بين الفكرة والجمهور دون شاشات عازلة هو ما يجعل السلطات المستبدة تخشى المسرح وتراقبه أكثر من أي فن آخر حتى يومنا هذا فالمسرح الحقيقي لا يقنع بمحاكاة الواقع بل يسعى لإعادة تشكيله.

إن المسرح اليوم في ظل التحولات الرقمية مطالب باستعادة تلك النماذج المتمردة .

فالسلطة الحقيقية للمسرح لا تكمن في ضخامة الإنتاج بل في تلك اللحظة التي يخرج فيها المشاهد من الصالة وهو يشعر بأنه لم يعد كما كان وأنه يملك بصيرة جديدة لرؤية العالم ومواجهة اختلالاته .

فالمسرح ليس مجرد نص يُقرأ بل هو فضاء يُعاش. والفرق بين مسرح السلطة وسلطة المسرح يتجلى في كل تفصيلة بصرية فبينما تحاول السلطة ترويض الخشبة لتصبح مرآة لغرورها يظل المسرحيون المبدعون من أمثال بريخت وونوس وبوال – متمسكين بقدرة هذا الفن على تحويل الخشبة إلى برلمان حقيقي ومختبر للثورة الفكرية .

وستبقى سلطة المسرح قائمة ما دام هناك ممثل يواجه الجمهور بصدق وما دام هناك فضاء يجرؤ على هز الكراسي من خلال قوة الكلمة وسحر المشهد .

أحمد . م . مكاراتي

المراجع المستند إليها :

مقارنات في مسرح السلطة وسلطة المسرح.

نظريات برتولت بريخت وأوغستو بوال في الفعل المسرحي.

مشروع تسييس المسرح عند سعد الله ونوس.