د. أحمد كرماني عبد الحميد
مدخلية الديوان:
في ديوانه سيمفونية الديستوبيا الأخيرة ، ومنذ الإهداء يشتغل نص الشاعر السوداني عبد الرازق عثمان على جدلية المدينة كرمز ثقافي بين الماضي والحاضرحين يقول:
إلى المدن القديمة ، مسارح من الأدب والفلسفة ..
إلى قلب مدم النيوتكنوتوبيا ، وعي تعزف سيمفونيتها الأخيرة عند مداخل الأزمنة ..
المدن القديمة هنا ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل هي مجاز للفكر الإنساني الذي كان يتشكل في المسارح، وفي منابر الفلسفة والشعر. المدن هنا معرفة بال التي للعهد ، ربما قصد الشاعر صورة أثينا وقرطبة والإسكندرية، أي المدن التي كان الإنسان فيها يبحث عن المعنى والجمال، وتتشكل هويته من خلال الحوار بين النصوص والفنون. في المقابل، تأتي المدن (الحديثة) النيوتكنوتوبيا بوصفها تمثيلًا للمدن التي تحكمها التقنية والعولمة، وتفرض إيقاعًا استهلاكيًا يفرغ الروح من بعدها الجمالي.
البنية المجازية للنص هنا ؛ قائمة على التقابل الحاد: سيمفونية الوداع عند مداخل الأزمنة مقابل صخب الغزاة الجدد الذين يغتصبون المدينة ويحيلونها إلى فضاء لا يحتمل الفلسفة أو الشعر. هذا التوتر يُحوِّل المدينة من رحم للمعنى إلى قبر للخيال، ومن مسرح للحوار إلى مختبر للهيمنة. بهذا المعنى، يتأسس النص كصرخة وجودية ضد ديستوبيا الحاضر، حيث تصير المدن التقنية مدنًا “عقيمة” تعجز عن استقبال الأسئلة الكبرى، لأن سلطتها الجديدة لا تقوم على البحث عن الحكمة بل على التحكم والإخضاع. الإهداء إذن؛ يكتب مرثية للمدينة القديمة ويكشف في الوقت نفسه عن خيانة المدينة الحديثة لرسالتها الإنسانية .
(1) نظرة عامة على الديوان :
يتألف الديوان من ثماني عشرة قصيدة ،وتوطئة وإهداء وكلمة شكر وعرفان . تحت العتبة الرئيسة (سيمفونية الديستوبيا الأخيرة ) ، تلك العتبة يمكننا قراءتها عن طريق تفكيكها إلى ثلاثة مقاطع :
– سيمفونية – الديستوبيا – الأخيرة.
هذا التركيب الثلاثي –فيما أرى- يجمع بين الجماعي(سيمفونية) والفلسفي(ديستوبيا) والتاريخ(الأخيرة ) ، فيتحول العنوان إلى نص مكثّف بحد ذاته. بناه الشاعر على (مفارقة): “سيمفونية” تدل على الانسجام، و”ديستوبيا” تدل على الفوضى والخراب. الجمع بينهما يولّد خطابًا شعريًا موسيقى جماعية الخراب. وهذه المفارقة لعبة لغوية، هي لبّ التجربة الشعرية؛ إذ يتحول الخراب إلى جمالية، ويُعاد إنتاج الألم عبر لغة موسيقية. أما الكلمة الثالثة ( الأخيرة) تشحن النص بطاقة نبوئية وتضع القاريء أمام إحساس نهائي ، فكأننا أمام اللحن الوداعي أو المرحلة الختامية من مسار طويل.
والأمر اللافت والمدهش في الديوان –من وجهة نظري – أن العناوين الداخلية للنصوص تدور في فلك ثلاثي الأبعاد ، هو نفس الإطار المحدد للديوان :
حيث جاء عتابات : ” إلياذة الأنا ، سفر العزلة، مرايا الذات المنفية، دهاليز ، لاأحد ..” ، لتدور في فلك النفي أو العزلة ، أما العتبات مثل : ” خوارزميات ، مدينة في قلب الخوارزميات ، اليوتوبيا المخلدة ، مشانق السراب المرقمنة. رقصة السيلكون..”؛ فكلها عناوين فرعية تشكّل حركة الرقمنة والتكنولوجيا ، التي تداخل مع رمزية المدينة؛ فالخوارزميات في قلب المدينة ، وكـأننا أما أطر ثلاث كل واحد منها يكتب جزءًا من لحن الديستوبيا، سواء أكان لحن العزلة ، أو لحن التقنية، أو المدينة الحديثة ؛ العنوان الرئيس بذلك ليس مجرد تسمية، بل هو الهيكل البنائي الذي يوحّد كل النصوص تحت مظلته. لكن على أي حال ؛ يمكنني القول ؛ إن جماليات هذا الديوان في بنائه الموضوعي تقوم على:
– تحويل فوضوية المدينة الحديثة وتغييب قيم الروح و الإبداع ممثلة في الشعر والفلسفة إلى جمال شعري عبر الصورة.
– تداخل الصوت الفردي مع الجماعي، الذات مع المدينة.
– توظيف المفردات التكنولوجية والأسطورية في نسق واحد.
– فتح النص على أسئلة كبرى: الهوية، الحرية، الزمن، المصير.
بهذا المعنى، فإن الديوان – عندي- ليس مجرد شهادة شعرية على لحظة إنسانية مأزومة، بل هو أيضًا وجه من وجهات جماليات مقاومة، التي تجعل القارئ يطل على الهاوية من نافذة الشعر، فيرى فيها وجهًا آخر للوجود. من خلال تجليات الذات الشاعرة في الديوان . حيث تمثل الذات رابطا بين المدينة الخربة كفضاء معيش للذات التي تقاسي الاغتراب في ظل سطوة الرقمنة وتغييب الروح ممثلة في الفلسفي الشعري الذي هو سؤال الإنسان عن قيمة الحياة وجمالياتها.
2- الذات الشاعرة في ديوان سيمفونية الديستوبيا الأخيرة:
ليست مجرد ضمير متكلم يحضر في النصوص ليعبّر عن هموم فردية، بل هي كيان شعري متشظٍّ يتخذ من القصيدة فضاءً لبناء وجوده الهش وإعادة تشكيل صوته وسط الخراب. يمكن القول إن تجليات الذات الشاعرة في سيمفونية الديستوبيا الأخيرة تنبني على جدلية مستمرة بين الانكسار والمقاومة، بين المنفى والبحث عن موطئ قدم، بين مواجهة المدينة والاحتماء باللغة، بين الانغماس في العدم والبحث عن خلاص عبر الأنثى أو الأسطورة أو الكتابة. إنها ذات مفتوحة على الجراح، لكنها تملك قوة الشعر لتعيد صياغة جراحها في نصوص تنبض بالتوتر والقلق. ومن هنا تتأكد فرادة هذا الديوان، إذ يجعل من الذات مركزًا لا يُختزل في فرديته، بل يتحول إلى مرآة تعكس وجع الجماعة وحيرتها في عصر ديستوبي لا يمنح اليقين ولا يعد بالخلاص. يقول :
يقلقني ..
ألا أكون صهيلا حادا ..
في ترانيم الألحان المسافرة
في شوارع المدن
شديدة الندوب الأثرية
يقلقني ..
أن أكون رقما حائرا
في صفحات نهارات
طوتها غيماتُ
ذهبٌ ونحاس
استظل بها القصر،
وحراس أحذية القلق.
فكل مقطع في الديوان، وكل حركة من حركاته السيمفونية، يكشف أن الذات ليست متمركزة حول نفسها فقط، بل متورطة في العالم، مأخوذة بحروبه ومجاعاته وتحوّلاته التقنية، مطرودة من مدنه وأسواقه، باحثة عن ملامحها بين الأنقاض. هذا الحضور يفرض نفسه منذ القصائد الأولى حين يقدّم الشاعر ذاته باعتبارها إلياذة كاملة، أي ملحمة تختزن الذاكرة وتعيد كتابة التاريخ، لكنه في الوقت نفسه يعلن عجزه عن أن يكون حكيمًا أو منقذًا، بل مجرد صوت مأزوم يتلمّس طريقه في مدن متداعية. إن الأنا هنا ليست فردًا منفصلًا بل كيانًا جماعيًا، يتكثف فيه مصير المدينة والمجتمع، ويُعاد إنتاجه عبر صور الحروب والمنافي والخراب، فتتحول الذات إلى بؤرة تجسّد انهيار العالم الخارجي بقدر ما تكشف عن هشاشتها الداخلية.
أريد أن أنسى
زهرة المدن الديستوبية القديمة،
أن أواجه البدايات والنهايات المستبدة
أردد الأغنيات في ناصية
العراءات الأدبية
في أزمنة أرقتها النيران
وأرخت بسهام
من دموع الحرب..
والدمار..
والفوضى..
والعبث..
والفقر ..
والأوبئة
أريد أن أصنع من زهرة الكركدى الطينية
نبيذا معتقا
بغيوم الفجر والندى
لأسقى
الأرياف الصامدة
جعة صيفية مثلجة
هذا الوعي بالذات باعتبارها ملحمة مأزومة يذكّرنا بتجارب شعرية كبرى في الأدب العربي الحديث، مثل بدر شاكر السيّاب في أنشودة المطر، حيث الأنا الفردية سرعان ما تتحول إلى ذات جمعية تحمل هموم الناس، أو محمود درويش حين جعل “الأنا” الفلسطينية مرآة للوجع الجمعي. غير أن الفارق في سيمفونية الديستوبيا الأخيرة للسوداني الشاب عبد الرازق عثمان أن الذات هنا لا تسعى إلى بطولة أو إلى خلاص وطني أو جمعي، بل تتشكّل ككائن جريح يجرّ العالم معه في سقوطه. إنها “أنا” مأزومة، عدَمية الطابع، لكنها لا تكفّ عن الكلام، لأن اللغة وحدها تمنحها بقايا وجود.
يبرز حضور الذات عبر صور العزلة والمنفى، فهي في سفر العزلة تلبس معطف الأحزان وترحل وحيدة ومنبوذة، وفي مرايا الذات المنفية تعيش غربتها بين البحر والسفن والمرافئ المهجورة. هذه الصور تجعل الذات مطرودة من الذاكرة والتاريخ، تتأرجح بين الانتماء المستحيل والرغبة في تأسيس موطئ قدم في عالم لا يعترف بها. المنفى هنا ليس جغرافيًا فقط بل وجودي، لأن الأنا تعيش شعور الطرد حتى وهي داخل مدينتها، وكأن المدينة تحوّلت إلى مكان غريب لا يسع الذات. بهذا المعنى، يتحوّل المنفى إلى استعارة للحالة الإنسانية كلها: الإنسان المعاصر يعيش في منفاه حتى وهو في بيته، مطرودًا من جذوره، فاقدًا يقينه، محاصرًا بالتقنية والخراب.
إن هذا التصوير للذات كمنفية يعيد إلى الأذهان التصور الفلسفي للمنفى عند إدوارد سعيد، الذي رأى أن المنفى ليس مجرد تجربة جغرافية، بل هو حالة وعي بالعالم، رؤية مزدوجة تجعل الإنسان دائمًا في موقع “الخارج”، يراقب نفسه والعالم من مسافة. الذات في هذا الديوان هي بهذا المعنى ذات منفيّة بامتياز، لأنها لا تستطيع أن تنتمي إلى حاضرها، ولا أن تعود إلى ماضيها، بل تعيش بين الاثنين في منطقة “اللاانتماء”.
منذ القدم ، وأنا أبحث عن
ذاتي في مرايا المدينة الموحشة،
من ثقب السراب
وتشتبك الذات أيضًا مع المدينة في علاقة صراعية مستمرة. فهي تواجه مدينة المجاعة والسيليكون والهكرز، مدينة تحوّلت إلى سجن أو لوحة ذكاء اصطناعي فاجرة، مدينة لا تمنح إلا العدم. وفي هذا الاشتباك تبدو الأنا محاصرة بجدران عالية، تبحث عن هواء الحرية لكنها لا تجد إلا غبار الخراب.
هي ذي المدينة
التي اسمها من نتوء الندب
في خفقات الأغنيات الغابية،
تقف شاهدة على أكتاف الأجداث
عند مدخلها :
الحروب .. والمجاعات .. والفقر .. والدمار … والأوبئة
قبرٌ وآخر،
رعشات الأوراق
المتسللة في البراري
والصحاري الموغلة في العتمة
وأكواخ من التكنويوتوبيا
المدينة هنا ليست مجرد فضاء عمراني، بل رمز للعصر بكل تشظياته السياسية والاجتماعية والرقمية، ومن خلال مواجهة المدينة تنكشف هشاشة الذات وانكساراتها. في قصائد كثيرة تتحوّل المدينة إلى كابوس بصري: أنقاض، دخان، شوارع من بارود، أبراج سيليكونية باردة، وخرائط رقمية لا مكان فيها للجسد الإنساني. وبهذا المعنى، فإن مواجهة الذات للمدينة ليست مواجهة خارجية، بل هي مواجهة مع صورة العالم الحديث نفسه.

كما تحضرالأنثى النصوص بوصفها مرآة للذات وصدى لمعاناتها. فهي عذراء وكاهنة وعرافة وأمّ، لكنها في الوقت نفسه ضحية وجسد جائع ومدينة مقهورة. الأنثى ليست موضوعًا غزليًا بل رمز يضاعف حضور الأنا ويكشف أبعادها. حين يقول الشاعر “كيف تعرف لا امرأة… وقعت بين أساور منسية”، نرى الذات في مواجهة صورة أنثوية مترددة بين الغياب والحضور. الأنثى هنا تعكس ضعف الذات، لكنها أيضًا تمثّل أفق الخلاص الممكن أو الحلم بالبديل، ما يجعلها تجليًا إضافيًا للأنا في بحثها عن معنى وسط العدم. ويمكن أن نقرأ الأنثى كصورة مزدوجة: فهي الجسد المقهور الذي يكشف جراح الذات، وهي أيضًا العرافة التي تمنحها القدرة على التنبؤ والنجاة. إنها في الحالتين استعارة للإنسانية التي تنكسر لكنها تستمر في الحلم.
مايقلقني،
أيتها العرافة..
كثرة ادعاءات النبوءة،
والسير في البراري البعيدة،
في سنواتٍ
تخرج من صدرها القديم
غصافير المآسي العبثية،
وتغلق قوس حكمتها
المصدأ بالهم .. والشتات
ولا تكتفي الذات بالحاضر المأزوم بل تمتد إلى الذاكرة والأسطورة بحثًا عن سند، فتستدعي إيزيس والآلهة الإغريق وفلورنسا القديمة، وتستحضر صوت الجدة في القرية القديمة. غير أن هذا الاستدعاء لا يفضي إلى الطمأنينة بل يضاعف الغربة، فالذات تجد نفسها غريبة حتى عن الماضي الذي كان يفترض أن يمنحها الانتماء. الأسطورة والتاريخ يتحولان إلى مرايا مشروخة تؤكد انكسار الأنا لا تعافيها. وهنا يكمن بعد فلسفي مهم: الذات لا تجد خلاصها في الماضي، كما لا تجده في الحاضر أو المستقبل، لأنها تعيش انكسارًا أنطولوجيًا يجعلها غريبة في كل الأزمنة.
وفي كثير من المقاطع تتجلى الذات في بعدها العدمي. العبارات المكررة مثل “أحد لا… أحد لا…” أو “شيء… كل شيءٍ الآن مدثر بالغرابة” تكشف عن وعي باللاجدوى، وتجعل الأنا صوتًا يصرخ في فراغ كوني بلا صدى. إنها ذات مأزومة، تستشعر تلاشيها في العدم لكنها مع ذلك تحاول أن تبقى عبر فعل الكتابة. الشعر هنا يتحوّل إلى الملاذ الأخير، إلى مساحة تقاوم فيها الذات محوها. هذا الإصرار على الكلام، رغم العدم، يضع الذات في موقع وجودي يذكّر بمقولات ألبير كامو عن عبثية العالم وإصرار الإنسان على المقاومة عبر الفن والخلق.
مما يجعلني أقول إن فعل كتابة الشعر في هذا الديوان هي تجلٍّ جوهري للذات، إذ تتحول القصيدة إلى شاهد على وجودها في عالم يهددها بالتلاشي. حين يكتب الشاعر عن القصائد التي تُغنّى على أفاريز السقوط الأخير، فهو يعلن أن الكتابة هي الفعل الوحيد الذي يضمن بقاء الصوت ولو على حافة الانهيار. الذات إذن تُبنى داخل النص كما لو أن اللغة هي حصنها الأخير في مواجهة الخراب الخارجي والعدم الداخلي. وهنا يمكن أن نستحضر مقولة هايدغر الشهيرة: “اللغة بيت الكينونة”. فالذات الشاعرة في هذا الديوان لا تجد بيتًا إلا في اللغة، ولا تنجو إلا عبر بناء بيتها الشعري وسط أنقاض العالم.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الذات في هذا الديوان ليست “أنا” واحدة متماسكة، بل هي ذوات متعددة، تتشظّى وتتشابك في شبكة النصوص. مرة هي “إلياذة”، مرة هي “منفية”، مرة هي “شاهد”، مرة هي “صرخة عدَمية”. هذا التعدد يعكس تفكك الهوية الحديثة في ظل العولمة والتقنية والخراب. الذات لا تعود كيانًا ثابتًا، بل هي حركة مستمرة بين الأقنعة، صوت يتوزع بين أصوات كثيرة، موسيقى حزينة تتردّد في كل القصائد.
وإذا وضعنا هذا الديوان في سياق الشعر العربي الحديث، فإن تجلّيات الذات فيه تتجاوز ما نجده عند السيّاب أو درويش أو أدونيس. فالذات عند السيّاب كانت تسعى للخلاص عبر الأسطورة، وعند درويش عبر الهوية الوطنية، وعند أدونيس عبر التحوّل الصوفي والفلسفي. أما هنا فإن الذات تسعى فقط إلى البقاء عبر اللغة، حتى وهي تعلن انهيارها. وهذا ما يمنح الديوان فرادته: الذات فيه لا تعد القارئ بخلاص، بل تشاركه مأزقها، وتجعله يسمع سيمفونية العدم كما لو كانت سيمفونية وجود.
3- بين مدينتين
تبدو المدينة في الشعر الحديث أكثر من مجرد فضاء جغرافي؛ إنها مرآة للوعي الفردي والجماعي، ومسرح للتوتر بين الحرية والاغتراب، بين الأمل واليأس، بين الفعل والعجز. منذ منتصف القرن العشرين أخذت المدينة مكان الريف والطبيعة في القصيدة العربية، فصارت الفضاء الأكثر إلحاحًا في الشعر الحديث، حتى غدت علامة على حداثة القصيدة نفسها. وإذا كان الريف في الشعر الرومانسي يمثل ملاذًا للحلم والبراءة، فإن المدينة في الشعر الحديث تحوّلت إلى معادل موضوعي للتصدع والاغتراب، وللانخراط في جدل العالم المعاصر. ومن بين أبرز الشعراء الذين جعلوا من المدينة محورًا لتجربتهم أحمد عبد المعطي حجازي، الذي ارتبط اسمه منذ ديوانه الأول مدينة بلا قلب (1959) بصورة المدينة الموحشة المليئة بالتناقضات، والتي تعكس مأساة الإنسان العربي في مواجهة حداثة ناقصة. وعلى الضفة الأخرى، نجد في ديوان سيمفونية الديستوبيا الأخيرة عبد الرازق عثمان، صورة مغايرة تمامًا للمدينة، صورة ديستوبية لا تحتمل الأمل ولا تترك للذات سوى ترديد العدم. والموازنة بين قصيدة “طردية” لحجازي وقصيدة “لا أحد”، لعثمان هي في العمق موازنة بين مدينتين: مدينة الحداثة الستينية المأزومة، ومدينة ما بعد الحداثة المفرغة من المعنى.
وفي قصيدة «طردية» يعيد حجازي إحياء الطرديات العربية القديمة التي عُرفت بوصف الطريدة ومطاردتها. لكنه يحوّل هذا التراث إلى شكل معاصر مشبع بالقلق الوجودي. فالطريدة عنده ليست مجرد طائر يُصاد، بل استعارة للحلم، للذاكرة، وربما للوطن المفقود. يبدأ النص بجملة زمنية/وجودية:
هو الربيع كان،
واليوم أحد،
وليس في المدينة التي خلت
وفاح عطرها سواي
إن الافتتاحية تحمل مزيجًا من النبرة الأسطورية واليومية معًا: الربيع رمز للبداية، واليوم أحد رمز للتوقف والفراغ، والمدينة خلت فلم يبقَ إلا الشاعر. المدينة إذن فضاء خاوٍ، لكنه فضاء يسمح بالفعل، يسمح بأن ينطلق الشاعر وراء طريدته.
قلت أصطاد القطا.
كان القطا يتبعني من بلد إلى بلد
يحطّ في حلمي ويشدو
فإذا قمت شرَدْ.
الطريدة هنا تلامس الحلم، لكنها تنفلت مع اليقظة. إنها صورة للمستحيل الذي يمنح الذات سببًا للبحث دون أن تظفر به. ومن هنا يأتي فعل المطاردة:
حملتُ قوسي وتوغّلتُ بعيدًا في النهار المبتعد
أبحث عن طير القطا حتى شممت احتراق الوقت في العشب
ولاح لي بريق يرتعد.
الزمن يحترق في العشب، والحلم يلوح ثم يرتعد. الحركة مستمرة، الإيقاع متدفق، الصور متوالية، كأن النص كله ركض شعري متواصل. وفي النهاية يعلن الشاعر خيبته:
صوّبت نحوه نهاري كله، ولم أصِدْ
عدوتُ بين الماء والغيمة، بين الحلم واليقظة، مسلوب الرشدْ
ومذ خرجت من بلادي لم أعدْ
هنا يتكشف جوهر النص: المدينة فضاء مطاردة أبدية لا تنتهي إلا بالخذلان. لكنها خذلان فاعل، خذلان يتأسس على الحركة والفعل والبحث. الذات هنا مأساوية لكنها حية، تؤمن بجدوى السعي حتى لو انتهى بلا صيد. وهذا جوهر الروح الوجودية التي تحرّك شعر حجازي: الإنسان يُلقى في عالم بلا يقين، فيبحث عن معنى، يسعى، يصطاد، حتى لو كان المصير عبثيًا.
على الجانب الآخر، نجد في قصيدة” لا أحد” من سيمفونية الديستوبيا الأخيرة صورة مختلفة كليًا. العنوان نفسه يلخص الرؤية: لا أحد. العبارة التي تتكرر في النص بلا توقف:
لا أحد
لا أحد…
في هذه المدينة المشيَّدة
على تخوم النيل، يتمنّى الإنجاب.
فصديقي العزيز
فقد رغبته في الحياة،
وبات يسمّيها: هراء،
وما عاد يتطلّع
إلى مزيدٍ من الحب…
منذ انتحار خطيب عاهرة المدينة،
وهو يخطب في بُلهاء جمهور المدينة
حول ” الأخلاق المؤنسنة “!
ما بعيد الخطبة…
والعذراء تعزف، بعبق
الطبيعة، على
بيانو الكنيسة المهجورة،
كشفت أخيرًا
عن أنّ الرغبة في الإنجاب
مجرد سبر لأغوار الطبيعة.
والعتمةُ التي شهدت
أولى قبلاتنا الجدرانية،
خطّوت سرب بيرقٍ
سرّي تنشد أضواء العزلة.
والغيمةُ التي تتحرّش
بزقزقة النوارس الفجرية،
وقعت أصيصًا
في قلوب الشتاءِ الآسية.
فلا أحد، يا نافذتي المشتتة،
قد يطرق باب حارتكِ المفضّلة،
وهو يرقص على إيقاع
الأنغام المأساوية…
حتى أنا، المـ ” أنا ” في ” أناك ” ،
وضعتُ حدًا لكل هذا:
الهدر،
التشرّد،
والنزوح… اللجوء… والكبت… والسكون…
والغربة… ولوحة الأنابيب… والتبشّر.
فما عُدتُ كما كنت..!
المدينة هنا ليست فضاءً للمطاردة، بل فراغ مطلق. ليست «مدينة بلا قلب» كما عند حجازي، بل «مدينة بلا أحد». ليس ثمة طريدة تطارَد، ولا حلم يُلاحَق، بل فراغ يردّد صداه في العدم. هذه المقاطع تكشف أن المدينة لم تعد فضاءً للبحث بل قبرًا مفتوحًا، فضاء عدميًا مغلقًا، حيث الأنا لا تتحرك ولا تسعى بل تعلن استحالة الوجود. الفرق هنا جوهري: في «طردية» الفشل نتيجة للحركة، أما في “لا أحد” فالفشل قائم منذ البداية، لأن المعنى معدوم أصلًا. تقوم قصيدة “لا أحد”.
على استحضار ملامح مدينة تنتمي إلى عالم الدستوبيا، حيث تتحول المفردات الإنسانية من حياة وحب وأمل إلى علامات فارغة من المعنى، وحيث تصير المدينة فضاءً طاردًا للوجود، لا حاضنًا له. يبدأ النص بجملة تقريرية صادمة: “لا أحد… في هذه المدينة المشيدة على تخوم النيل، يتمنى الإنجاب”، وهي جملة تنسف الوظيفة الطبيعية للتاريخ والجغرافيا معًا، إذ يُفترض أن النيل بما يحمله من خصوبة ورمزية حياة يكون باعثًا على الامتداد والإنجاب، لكن الشاعر يقدّم صورة معاكسة تمامًا، ليصير النيل مجرد شاهد على خراب الإنسان، في مفارقة تختصر روح الدستوبيا التي تبني عالمًا ضد الطبيعة.
في هذا الفضاء تتجلى ملامح التفتت الإنساني وفقدان المعنى، فالصديق الذي كان رفيق حياة يتحول إلى كائن فقد رغبته، لم يعد يرى سوى هراء مطلق، كأنه تعبير عن جيل أو جماعة باتت عاجزة عن أن تؤمن بشيء. حتى الخطيب الذي يفترض أن يكون حاملًا للقيم وممثلًا للسلطة الروحية يجيء هنا بصورة عبثية، يخاطب جمهورًا بليدًا عن “الأخلاق المؤنسنة”، وكأن الخطاب الأخلاقي ذاته قد فرغ من مضمونه، وصار مجرد خطاب ميتافيزيقي لا ينفذ إلى وعي الناس ولا يصلح فساد العالم. إننا أمام عالم زائف، يكرر شعائره دون أثر، وهو أحد أبرز سمات المدينة الدستوبية التي تحتفظ بالشكل بينما تتلاشى الروح.
غير أن النص لا يكتفي بفضح الزيف الأخلاقي، بل يذهب إلى تفكيك الرموز المقدسة التي كان يمكن لها أن تمنح الإنسان عزاءً. صورة “العذراء” التي تعزف على بيانو الكنيسة المهجورة تفتح أفقًا مأساويًا، فالقداسة التي كان يمكن أن تضيء الخراب تتحول إلى مشهد جمالي عابر لا يحمل خلاصًا، والكنيسة المهجورة في هذا السياق ليست فقط مكانًا دينيًا فقد معناه، بل رمز لسقوط المقدس في عالم استهلاكي جاف. العذراء هنا تكشف عن أن الرغبة في الإنجاب مجرد غريزة طبيعية، لا رسالة سماوية ولا امتداد وجودي، وهو اكتشاف مأساوي يعمق من ظلمة النص.
وتتواصل سلسلة الصور التي تنقل القارئ من مكان إلى آخر، لكنها لا تفتح أفقًا جديدًا، بل تؤكد الخسارة. فالعتمة التي شهدت أولى القبلات تتحول إلى عزلة، والغيمة التي يفترض أن تحمل المطر والخصب تقع أصيصًا في قلوب شتاء آسية، والطبيعة نفسها تظهر عاجزة عن منح الحياة. في هذا العالم لا يبقى سوى علامات الانكسار، حيث تتحول مفردات الحياة إلى صور جريحة، كأنها طبيعة مسجونة في ذاتها. وفي مواجهة هذا الخراب الخارجي، تقف الذات الشعرية متصدعة. يخاطب الشاعر ذاته قائلاً: “حتى أنا، المـ”أنا” في “أناك”، وضعتُ حدًا لكل هذا”، وهو إعلان يائس عن الانسحاب من اللعبة كلها، عن كسر أي وهم بالاستمرار. تعدد المفردات التي يسردها: “الهدر، التشرد، النزوح، الكبت، السكون، الغربة” يشبه سيرة مأساة داخلية تختزن كل ملامح الدستوبيا في مستوى شخصي. فالمدينة المنهارة ليست مجرد فضاء خارجي، بل هي صورة متجسدة في داخل الذات، حتى يغدو الانهيار الجمعي مرآة لانهيار فردي، والعكس.
إن بنية النص كلها –فيما أرى- مشدودة إلى كلمة مركزية هي “لا أحد”. هذا النفي لا يكتفي بإلغاء الحضور، بل يختزل الفقدان الجماعي، فتصبح المدينة بلا سكان بالمعنى الحقيقي، وبلا رغبة في الحياة. إنها “مدينة ضد الامتداد”، لا تنتج حياة بل تستهلك ما تبقى منها. وهنا يكمن جوهر الرؤية الدستوبية التي تقدمها القصيدة: عالم مغلق، لا يحمل وعدًا بالمستقبل، حيث تتحول القيم إلى هباء، والمقدس إلى طقس جمالي عابر، والطبيعة إلى كائن يائس، والذات إلى مرآة مكسورة لا تعرف خلاصًا.
وبهذا المعنى، فإن قصيدة “لا أحد” ليست مجرد مقطع شعري شخصي، بل هي نص يكثف تجربة وجودية في مواجهة مدينة انهارت فيها المعايير كلها، لتغدو مرآة لخراب إنساني شامل. النص يضع قارئه أمام مدينة تتشح بالسواد، تتغذى على الغربة، وتغلق كل نوافذ الأمل، ليصبح الخلاص الوحيد هو اعتراف الذات بعجزها وانسحابها من لعبة الحياة، في مشهد لا يترك سوى أثر الغربة والعدم.
أما الإيقاع فيعكس فارق بين مدينتين : عند حجازي الجمل طويلة متدفقة، تعكس الركض والمطاردة، كأن النص كله طاقة حركية. عند عثمان الجمل قصيرة متقطعة، مبنية على التكرار، أشبه بضربات مطرقة على جدار فارغ. الإيقاع عند الأول حركة نحو حلم بعيد، وعند الثاني دوران في فراغ مغلق.
على مستوى الرمز، يمثل القطا عند حجازي استعارة للمستحيل الممكن: شيء يُطارَد دون أن يُدرك، لكنه يمنح الذات معنى للفعل. أما عند عثمان فالرمز غائب؛ الغياب نفسه هو الرمز، العدم هو المعنى. المدينة لا تقدم أي موضوع للمطاردة، لأنها فقدت كل معنى.
هذا الاختلاف يعكس فارقًا بين جيلين شعريين. جيل حجازي، جيل الستينيات، الذي عاش مرحلة النهضة العربية المتعثرة، كان يؤمن بالفعل حتى وسط الخيبات. المدينة عنده بلا قلب، لكنها حقيقية، ملموسة، تسمح بالركض والسعي. أما جيل عبد الرازق عثمان، الذي يكتب في زمن ما بعد الحروب الكبرى والرقمنة والخراب، فإنه يرى المدينة وقد صارت ديستوبية بالكامل: فضاء عدمي لا يسكنه أحد، حيث لا جدوى من أي فعل. المدينة عنده ليست بلا قلب فحسب، بل بلا سكان، بلا أصوات، بلا حياة.
من هنا يمكن قراءة نص حجازي في أفق فلسفة الوجودية.القائلة: “إن العبث لا يُواجه إلا بالتمرد”، فالقصيدة كلها فعل تمرد: مطاردة للحلم حتى لو انتهت بالعدم. بينما نص عثمان أقرب إلى الروح العدَمية ، إنه نص يعلن أن العالم قد دخل مرحلته الأخيرة، وأن المدينة لم تعد تسمح حتى بالوهم.
و المفارقة أن النصين يشتركان في الغربة، لكنهما يختلفان في نوعها. عند حجازي الغربة مأساوية حية، وعند عثمان الغربة عدَمية ميتة. الأولى تفترض وجود حلم يُطارَد ولو لم يتحقق، والثانية تفترض غياب الحلم أصلًا. الأولى تجعل المدينة مسرحًا للصراع، والثانية تجعلها فضاءً للفراغ.
وإذا وسّعنا الدائرة، وجدنا أن هذا التحول يعكس رحلة الشعر العربي نفسه. ففي الستينيات كان الشعراء يبنون حداثة شعرية تفتش عن معنى في عالم مضطرب، فكانت المدينة “بلا قلب” ، لكنها قابلة للبحث. وفي نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، صار الشعراء يكتبون في عالم رقمي معولم يزداد فراغًا، فصارت المدينة “بلا أحد” . ما بين ” بلا قلب” ، و” بلا أحد” تتضح رحلة الشعر العربي: من مأساوية البحث إلى عدَمية النفي، من مدينة تسمح بالركض إلى مدينة لا تسمح إلا بالصدى.
هكذا نكون فعلًا بين مدينتين: مدينة حجازي التي تعكس حداثة مأزومة لكنها نابضة، ومدينة عثمان التي تعكس ديستوبيا مغلقة على العدم. الأولى تنبض بروح وجودية ترى في الفعل معنى ولو مؤقتًا، والثانية تنبض بروح عدَمية ترى في العدم الحقيقة النهائية. وبين المدينتين يتجلى مسار الشعر العربي الحديث وهو يواجه مأساة الإنسان في عالم متصدع، مأساة تبدأ بالمطاردة وتنتهي بالصدى.





