المجلة الثقافية الجزائرية

شدو الكازورينا.. ترنيمة نفسية واجتماعية!

أحمد عبده 

ثلاثة محاور تشتمل عليها المجموعة القصصة \” شدو الكازورينا\” للكاتب محمود الديداموني, وهي على التوالي\” أصوات/ متوالية للبحر/ ترنيمة البوح والألم \”, وهو تشكيل موفق, إذ يُقسِّم القصص إلى وحدات عضوية, محور \”أصوات\” ويحتوي على أربع قصص\” أصوات صاخبة, إعصار, شدو الكازورينا\”, تسيطر على هذه القصص ما يشبه الكوابيس, وهي قصص تكتبها الحالة النفسية للكاتب/ السارد, فدائمًا هو من يُعايش تلك الحالات, \” طنين الأسئلة يخرجني من لحظتي, وأنا حائر في البحث عن إجابة لسؤال اللحظة, صرختْ جدتي..العناكب سكنتْ البيوت\”, وهذه المعالجة النفسية غالبًا ما تختفي فيها الشخصيات, هي قصص الحالات النفسية, ونظرة الكاتب للحياة, قصص الفكرة الفلسفية, التي تطمح لتفسير الواقع, دائمًا تطرح أسئلة وجودية, \” ماذا لو كان هذا إعصارًا.. كيف يكون الخلاص؟\”
في قصص هذا المحور, تتجلى أزمة البطل في انحساره داخل نفسه, وهروبه, فهو سلبي\” يضع القطن في أذنيه, يعطي ظهره للباب\”, بينما أولاده في الخارج يطرقون الباب, والبطل هنا غير متسق مع نفسه, فلمن يقول هذا الشعر وهو على هذه الحالة \” ينساب عبيركِ في أوردتي/ تتخلق في قلبي زهرة \”, وإمعانا في الوهم, وبعد أن تختفي أطفاله, يرسم خطوطًا عرضية وطولية كي تتشكل منها أطفاله من جديد.
في قصة أصوات نجد المقابلة بين أصوات الأولاد والزوجة وأصوات العصافير التي تغزوه رغمًا عنه, والقصة تعمق لمفهوم من يعيشون في الأوهام والخيالات,
والبطل هنا شاعر, يعطي ظهره لواقعه, يهرب من أولاده, بينما يقبل على الرسومات الباهتة, يغمض عينه ويحلق مع العصافير, تنادي عليه ليعود لفرع الشجرة, وهي هنا معادل لأولاده.
في قصة إعصار \” البرق يحيل الغرفة إلى نهار, بعدها البرق يزداد فيكون كشمعة بالكاد تبدد عتمة الغرفة\” وهي رؤية البطل المأزوم للحالة.

وفجأة ينقلب إلى شخصٍ إيجابي,\” يلملم أطفاله ويدسهم تحت الغطاء\”, يحاول إخراج أولاده من الرعب بالحكايات, وهو ما يتناسب مع مدارك الطفولة.
\” ينظر من النافذة, يجد الدنيا فراغ, يخرج إلى الشارع, كل شيء كما هو\”, وهذه الحالات إما تحدث في حلم غفلة, أو في وهم مُتخيل في الصحو, نتيجة مؤثرات خارجية أو نفسية.
في شدو الكازورينا, تقدم لنا القصة المقابلة بين الشدو والنعيق والفحيح, وفي القصة ينزل السرد من التحليق إلى أرض الواقع, عندما تعرضَ لقضية البطالة والاهمال الذي أصاب المجتمع, والسلوكيات السلبية المستجدة, ربما كانت العبرة هنا في المفارقة بين شدو شجرة, ونعيق الغربان والبوم وفحيح الثعابين ونفث الحيات. بصفة عامة, في مثل هذه القصص يطلق الكاتب العنان لخياله, ويتركنا نخمن ونتكهن مقصوده, وليس من المطلوب تفسيره, وإنما المطلوب الوقوف عند جمالياته ومحاولات استشفاف ما وراء هذا التخييل من دلالات, \” حلَّقتْ الأطفال مع الطيور فوق الحرائق, وراحت عيونها جميعًا تسح الماء, كل دمعة تنبت فيها شجرة, تنمو خلال لحظات\”, وقد يشارك السياق في التوصل لما نطمح, ولو تأملنا في طبيعة الأشياء؛ سنجد أن الأطفال والطيور الأليفة والفراشات من نسيج واحد, يجمعها خيط الرقة والضعف, في الوقت نفسه امتلاك قدرات خاصة, خيالات الأطفال البريئة تسبح في عوالمها الخاصة كالطيور.

وفي محور \” متوالية للبحر\”, احتوى على خمس قصص \” رائحة البحر, وصل, محروس, جبانة الشهداء, حديقة فريال\”, وهي متوالية بالفعل, باستثناء قصة \” وصل\”, والتي جاءت كنتوء بين قصص هذه المتوالية, عبد الصمد هو محور قصص المتوالية, مدرس التاريخ, دلالة العلم بالتاريخ, والريس محجوب دلالة المشارك والمشاهد, مات له ولدان في حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956, وهما في هذه الجبانة, محروس ضحية الأسر وآلام الهزيمة النفسية والجسدية, القصة ربما زمنها في سبعينيات القرن الماضي, تبدو قريبة العهد من هزيمة يونيو 67, زمن الـ 5 قروش, وبيوت خط القنال التي لاتزال مهدمة من أثر الحروب, النكسة والاستنزاف وأكتوبر 73, جاءت لمحروس هذه القصة منفصلة, بعد أن نوَّهتْ عنه قصة رائحة البحر, فقد جاء الكاتب فيها بمقطع يتناول قصته دون أن يُصرِّح باسمه, وربما كان ذلك من أجل أبيات شعر ابن عروس, وجاء بشعر ابن عروس من أجل التنبيه على حتمية الاستغناء عن المنتجات الامريكية, بإشارة فنية غير مباشرة, حينما يقوم محروس, هذا المهزوم.. المأزوم, بتمزيق علب الكانز بأصابعه, ولا يلقي بالًا للدماء التي تنشع منها, \” يظل طول اليوم في حالة استنفار كامل\”, في مشهد قد يبدو عبثيًا, لكنه ناتج عن تجربة قاسية مر بها البطل, محروس, هذا الذي أصابه البله من معاناة الأسْر النفسية والجسدية, صنع ما لم يصنعه أسوياء الرفاهية, وأغنياء الحرب, والمجتمع اللاهث وراء إشباع رغباته دون الاعتبار لأي قيمة وطنية, أو المساهمة في أي مقاومة ولو كانت مقاومة ناعمة, وهو الذي قاوم المقاومة الخشنة في أقسى درجاتها, الحرب والأسْر. فإذا كانت حالة محروس ستعيش معه حتى موته, فهي سوف تعيش مع مجتمع, لم يتعافى منها, رغم الانتصار في أكتوبر 73, وهي إحدى رسائل القصة, وعمومًا قصص مجموعة شدو الكازورينا تقدم لنا أكثر من رسالة, \” ما كان محروس ضعيفًا, بل كان فتيًا وشجاعًا \”, فالجيش المصري كان في استطاعته رد العدوان في يونيو 67 ولكن.. لم تٌتح الفرصة لمحروس!
نعود إلى عبد الصمد بطل قصص هذا المحور تقريبًا, فقد تشبعت ميوله الوطنية, والمعرفية, وذلك بالسؤال الدائم طوال الرحلة مع الريس محجوب, ولأنه يعيش حالة الحرب طول الوقت نجده يسأله عن الجبانة\” وهل فيها شهداء؟\”
فيجيبه الريس محجوب الخبير بالمكان وأحداثه, والإصرار على تكرار شخصية عبد الصمد في أكثر من قصة, يُعمِّق مفهوم الانتماء والهم الوطني.
أما في قصة \”حديقة فريال\” جاء تساقط جنود المظلات الغزاة مثلما تتساقط أوراق الشجر تشبيهًا موفقًا, الكاتب يعمق فكرة المقاومة ويعظمها, كما عظمت قصيدة نزار قباني ــ استدعاها في القصة ــ الاحتشاد الشعبي أثناء العدوان الثلاثي, لقد عظَّم نزار قباني ما يبحث عنه عبد الصمد وجيله, عظَّم أجواء جبانة الشهداء, الفكرة التي يبحث عنها عبد الصمد, هو سمعها من مدرس التاريخ, لكنه راح يرددها كأنه لم يسمعها من قبل.
قصص \” متوالة للبحر\” تندرج تحت ما يسمى بتداعيات الحرب, فالتركيز فيها ليس البحر بمفهومه الجغرافي أو الوظيفي, لكنه البحر كبيئة تحمل أكثر من دلالة.
أما قصص المحور الثالث \”ترنيمة البوح والألم \”, فهي قصص التداعي الحر والمفارقات, وهو ما يتسق مع آلام البوح, يحتوي المحور على ثلاث عشرة قصة, ما بين القصيرة والقصيرة جدًا.
يحتل نصف حجم قصص المجموعة, سرد يتراوح بين الارتفاع فوق الواقع أحيانًا, \” منذ متى يا صديقي وأنت لا تحنو عليَّ, ولم تسمح لقمرك أن يمنحني بعضًا من غنائه… لأنك سمحت لي أن أكون فريسة أمام عيونك, وهكذا قمرك الذي طالما نسجتَ له عقودًا حلَّيتَ بها عنائه \”
وغالبًا قصص الواقع الاجتماعي, تخلو من الغلو في الغموض, وإن حفلت بالرمزية, ولو شابها الغموض, فسوف تتبنى الأشياء والأماكن والمواقف والمصلحات إضاءة أجواء القصة, وهو ما ظهر في قصتي \” موائد صغيرة للبحر\” قصة العاطلون الفقراء الذين ركبوا عوامات الموت بحثًا عن عمل فيما وراء البحر, \” ثقب صغير باتجاه السماء\” قصة المراهِقة التي تعيش بين أوهام رومانسية عقلها المنبهر بقوس قزح, وبين خوف الأب والأم عليها.
****

مصر