عمرو منير محمد
أصواتُ تلاوةِ آياتِ اللهِ تملأُ المكانَ.. عزاءٌ يبدو عليه أعلى مستوى من الإعداد في تلك المدينة الصغيرة، الجنوبيّة
ثلاثةُ مُقرئينَ يتناوبون على التلاوة العَطِرة في هذه المناسبة الحزينة، حيث يودّعون شابًّا وافَتْهُ المنيّةُ في الغُربة، بعد أن ترك وطنه مُهاجرًا إلى بلاد الشَّمال الإسكندنافيّ الأوروبيّ منذ سنواتٍ طوال، عقب أزمةٍ أُسَريّةٍ عنيفة تلاطمت أمواجُها العاصفة لتقلب حياةَ المتوفَّى رأسًا على عقب، وترك مدينته الإقليميّة بعد أن ضاقت به الذكرياتُ الضاغطة…
أفرادُ العائلة العريقة الأصول يتصدّرون المشهد.. يرتدون أفخمَ الثياب بزيٍّ موحّدٍ متّفقٍ عليه؛ بدلاتٌ سوداء مع قمصانٍ بيضاء تزيّنها كرفتاتٌ سوداء، وأحذيةٌ سوداء كلاسيك لامعة.. جميعُهم توافدوا من كلّ حدبٍ وصوب، مُلبّين نداءَ العائلة المفجوعة في فقيدها الشاب…
لم أفهم أبدًا معنى ذلك النوع من التجمّعات المؤلمة.. أجدها اجترارًا لأحزانٍ لا داعي لها؛ فقسوةُ الفقد لا يمكن قسمتها على الحاضرين، ولكن هكذا هي بلادُنا التي تُقدّس العاداتِ والتقاليد كتماثيلِ الفراعين العتيقة…
طبعًا… الفرقُ واضحٌ بين عزاءاتِ العائلات الكبرى في المدينة وعائلتنا الصغيرة في القرية.. هنا الفخامةُ في كلّ شيء، والاهتمامُ بأدقّ التفاصيل؛ السجادُ الأحمرُ المفروش في كلّ مكان، كراسيّ المعزّين الوثيرة، والمُقرئون من الأعلى أجرًا.. حتى مقدّمو المشروبات للمعزّين يرتدون زيَّهم الرسميّ من قفاطينَ مخطّطة وطرابيشَ تنتمي للعهد الملكيّ المُندثر.. جميعُها تفاصيلُ متناهيةُ الصغر، لكن غيابَها قد يُنقِص من مقدار عائلة الفقيد…
بحثتُ بين أقاربِ الميّت عن صديقي الذي يتفاخر دائمًا بانتمائه لتلك القبيلة العائليّة التي هبطت على المدينة منذ عقودٍ عديدة.. تعرّفتُ عليه بصعوبة وسط جماهير المعزّين الذين يتقاطرون على المكان لمجاملة أسرة المرحوم.. زيُّه متناغمٌ مع أعضاء العائلة، بالرغم من ارتدائه نظّارته السوداء الكبيرة التي تُخفي ثلثَ وجهه الصغير الأبيض…
بمجرّد أن قابلني الصديقُ سحبني من يدي ليُجلِسني في غرفةٍ جانبيّة أُعدّت خصيصًا لكبار الزائرين، وتتمتّع بطابعٍ خاصّ من كراسٍ عريضة مُذهّبة الأجزاء، مع ضيافةٍ مباشرة من كبار أفراد العائلة، وليس الشباب ممّن يتصدّرون استقبالَ الناس.. أرادني أن أرى مدى ثِقَل عائلته عن طريق جلوسي بجانب كبار رجال المدينة من كافّة الوظائف والمهن؛ فهكذا، ربّما سأحكي لزملائنا في العمل عمّا رأيتُ وسمعتُ…
فجأةً، بينما أجلسُ مستمعًا لآيات الذكر الحكيم،
انتفض عددٌ كبير من أصحاب العزاء بعد أن علموا أنّ الجثمان قد وصل من المطار بصحبة أخيه، الذي سافر إلى الخارج على عَجَلٍ لإحضار جسد الفقيد ليدفن في تراب بلده..
في هذه اللحظة، شعرتُ أخيرًا بأجواء المآتم التي خبرتُها في مسقط رأسي.
تحرّك المشيّعون بجسد الشاب إلى داخل منزل العائلة، ليلقي والداه نظرةَ الوداع عليه قبل أن يُوارى الثرى.. تعالت الصرخات من حناجر النساء، واضطرب السياقُ المُعدّ بعناية من أفراد العائلة، ليتحوّل المكان إلى حالةٍ من الصخب والبكاء، تسبّب فيها قليلٌ من الحضور ممّن كانوا يرتبطون بصداقةٍ قديمة مع صاحب الجسد الذي وصل لتوّه من تغريبته…
لم يمكث طويلًا داخل المنزل.. تحرّكوا به مُسرعين، بنفس السيارة، لاستكمال مراسم الدفن في مقابر العائلة..
لم يذهب مع الفقيد الكثير؛ فقط أفراد الحلقة الضيّقة من الأقارب المباشرين، فمكان الدفن في أطراف الجبل الملاصق للمدينة، والليلُ داهمَ المكان، فلذا وجب بقاءُ معظم أفراد العائلة في الميتم المكتظّ بالمعزّين…
بحثتُ بين الجميع عن والد الفقيد.. أعرفه جيّدًا منذ أن كان مديرَ مدرستنا الثانويّة.. لم أره وسط الحضور حولنا.. سألتُ صديقي أكثر من مرّة عن الأب المكلوم، فلم يكترث لسؤالي؛ فهو في حالةٍ من الزهو بكثرة الضيوف الذين قدموا ولا يزالون يؤدّون الواجب، خصوصًا من زملائه وقيادته في العمل، والذين أدركوا أخيرًا مقدارَ عائلته العريقة…
ألححتُ بالسؤال عليه.. ردّ أخيرًا بأنّ والد الفقيد في حالةٍ من الصدمة لوفاة ابنه في الغربة.. لا يستطيع أن يقابل الناس، وهو يتملّكه شعورٌ طاغٍ بالذنب، لأنّه لم يمنعه من السفر بعد صدمته الأُسريّة وانفصاله عن زوجته…
التزمتُ الصمت بعد إجابة صديقي المُقتضبة.. طلبتُ فنجانًا من القهوة من الصفرجيّ ذي الزيّ المميّز وطربوشه الأحمر اللافت..
ارتشفتُ القهوة وأنا أستمع لتلاوة كبار قرّاء المدينة بأصواتهم العذبة.. وبمجرّد انتهاء التلاوة، نظر إليّ بعضُ أفراد العائلة وهم يُلقون جملتَهم النمطيّة المتكرّرة: (شكرَ اللهُ سعيَكم)، إيذانًا بأنّ وقت مغادرتي المكان قد حان؛ فالمشيّعون لا يزالون يتوافدون، ويجب أن يجدوا مكانًا شاغرًا في عزاء هذا الشاب المُهاجر، الذي ترك وطنه منذ زمنٍ هربًا من أزمته، وتحولت وفاته إلى طقسٍ عائليٍّ مُقدّس…
بقلم :
عمرو منير محمد
روائي و قاص مصري


