المجلة الثقافية الجزائرية

عبد القادر علولة اقتباس، إبداع

في ذكرى اغتيال الكاتب المسرحي والدرامي الجزائري الكبير عبد القادر علولة، نعيد نشر حوار قديم كانت أجرته مجلة الشاشتان تحت عنوان: عبد القادر علولة اقتباس، إبداع. 

س. عبد القادر علولة إنك مخرج بالمسرح الجهوي بوهران وتقدم في بداية هذا العام بالمسرح الوطني الجزائري مسرحية لماكسيم غوركي، قمت بإخراجها مع فرقة الممثلين مباشرة، ما اصطلح على تسميته بالإخراج، هل بإمكانك أن تقدم لنا هذه المسرحية وكيف اهتممت بها؟

علولة: يجب أن أوضح أولا كمقدمة للسؤال أن انتقالي كمخرج بالمسرح الجهوي بوهران إلى المسرح الوطني الجزائري، يدخل في إطار التبادل الضروري بين المؤسسات المسرحية التابعة للدولة في مجال تبادل الممثلين والتقنيين، والتكوين والنصوص إلخ …

وهذا في رأي مبدأ هام وأساسي ينبغي المحافظة عليه وتطويره في اتجاه التعاون المثمر بين المؤسسات المسرحية فيما بينها، والمؤسسات الثقافية بصفة عامة، بهدف الاستغلال الأقصى للقدرات الوطنية في ميدان الفن والثقافة، ويجب أن نقول أن هذه ليست التجربة الأولى.. ولكن نظرا للمشاكل التي تعترض المهنة بدأنا نعي المبدأ المقدم.

وبخصوص مسرحية غوركي، فهي من التراث الإنساني التقدمي لبداية هذا القرن .. لهذه الأسباب اختارها المسرح الوطني .. لأن مؤلف المسرحية مكسيم غوركي عرف طفولة ومراهقة صعبة للغاية، نجده في هذه المسرحية يغوص في الأعماق الداخلية للمجتمع في ذلك العصر، حيث كان واحدا من المقهورين والمتروكين للقدر من طرف النظام القيصري القائم.. فهو يكشف لنا ويعلمنا البحث المستميت الذي يخوضه الانسان من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ومن خلال هذه المسرحية فإنه يذكرنا بالنضال المستميت الذي تقوم به الإنسانية جمعاء من أجل الإنسان ومستقبل أفضل.

وقد ترجمت المسرحية تحت عنوان “الدهاليز” من طرف عبد القادر بوقاسي وهو نفسه ممثل بالمسرح الوطني الجزائري، وقد اقترحت علي إدارة المسرح إخراج هذه المسرحية، وقد قبلت هذا الاقتراح لتوفر المبادئ التي ذكرتها.. و حتى إن كنت لا أوافق كلما ورد في المسرحية، لا بد من القول في الأخير، أن هذه المسرحية تشكل بالنسبة لزملائي وأنا كذلك إطارا ودعامة مهمة للتكوين.

س. كيف؟

علولة: إن هذه المسرحية كتبت وأخرجت في بداية القرن بموسكو، وعرضت لأول مرة بمسرح الفن الذي يشرف عليه كونستنتان ستانسلافسكي، ولكي نخرجها نحن، كان من الضروري أن نحضر مجموعة من المعلومات حول الأفكار الواردة في المسرحية، وحول التيارات الفكرية السائدة في ذلك العصر، وكذلك إيجاد صيغ جمالية جديدة بالنسبة لتلك الحقبة، وحية لأيامنا هذه، ولقد كانت طرائق ستانسلافسكي الفنية وتساؤلاته ومعارفه قاعدة للتكوين الذي تحدثت عنه.

س. باعتبار أن هذه المسرحية ترجمت إلى اللغة العربية، فما هو الفرق عندك بين الترجمة والاقتباس وإعادة الإبداع .. و لماذا؟

علولة: يجب القول أن هذه المسرحية ترجمت إلى العربية الدارجة، نقلا عن الترجمة الفرنسية يقال إنها وفية..و بخصوص الترجمة التي قام بها صديقنا بوقاسي، فقد مهد لها بمدخل شرح فيه طابع هذه الترجمة، ويشير إلى أنه اختار ترجمة مسرحية التي تفضل المقابل وليس الكلمة في حد ذاتها أو الترجمة الحرفية أو الجامعية، ولقد أثبتت تجاربنا أن هناك نوعين من الترجمة، خاصة بالنسبة للأعمال العالمية، النوع الأول ترجمة جامعية تكون قريبة من النص في لغته الأصلية، والنوع الثاني يتمثل في الترجمة المسرحية، التي تبقى وفية للأصل، لكنها تدخل الدلالات الثقافية القريبة لجمهورنا من الدلالات الأصلية، وبخصوص الاقتباس، فإننا نعتبر أن هناك دائما اقتباسا حتى وإن كان الأمر يتعلق بمجرد الانتقال من لغة لأخرى.. ونميز أيضا بين نوعين من الاقتباس.

1 – الاقتباس العادي الذي يدخل نسقا من الرموز و الدلالات الثقافية الوطنية انطلاقا من نص معين دون تغيير أو تحريف الأفكار الواردة في المضمون .

2 –الاقتباس الحر الذي يدخل نسقا للرموز الذي تحدثنا عنه، ويتعمق في أفكار المضمون.. أما فيما يتعلق بما نسميه “إعادة الإبداع” أو الكتابة الثانية، فإنها ليست سوى اقتباسات حرة، و نعتبر الأفكار إثر ذلك عالمية.

س. كيف تحسمون إذن المسالة الحساسة المتعلقة بالوفاء للنص الأصلي؟

علولة: حقيقة إن هذا السؤال الكبير الذي نتحدث عنه، يدفعنا إلى الإشارة لمشاكل الوفاء وعدم الوفاء للنصوص الفكرية.. إنني أعتبر أن الحياة الثقافية الوطنية لم تصل بعد إلى مستويات عالية على المستوى الكمي والكيفي، من الصعب علينا اليوم أن نحدد بدقة ما يمكن أن يقدمه العمل المقتبس، لأن وجهة النظر الجامعية يمكن أن تكون في لحظة ما امتدادا كبيرا لوجهة نظر فنية، وإذا ما رجعنا إلى نص “غوركي” انطلاقا من موقف جامعي وأدبي، فإن جون رونوار لم يكن وفيا عندما اقتبس “الأعماق السفلى” للسينما سنة 1936، وصور الفيلم في ديكورات طبيعية بباريس، وبالمقابل إذا انطلقنا من موقف فني وجمالي فإن فيلم رونوار الذي مثل فيه “لويس جوفي” و”جون غابان” يعتبر من أفضل وأجمل القراءات لعمل غوركي.

س. باعتبارك مسرحيا، وسناريست وكاتب حوارات للأفلام، كيف تحلل عمل الإبداع الفني قبل أن تدخل في اتصال مع الفرقة التي تمثل المسرحية؟

علولة: من البديهي أن نبدأ بإعطاء أهمية كبيرة لدراسة وتحليل العمل قبل الشروع في الإخراج، ويشكل النص المسرحي بالنسبة للمخرج “مادة” نصف جاهزة، توجه الدراسة وجمع المعارف المتعلقة بجميع عناصر المكونة للمسرحية النهائية ، برؤية وطريقة جمالية.. والأخذ بعين الاعتبار العلاقات القائمة بين هذه العناصر المكونة للتركيبة المسرحية .

وبما أن القرارات البسيطة لا تكفي، فإنا نقوم بإعداد بطاقات تقنية، ووضع فرضيات، وتساؤلات تسمح بالمعرفة العميقة للنص الأصلي، إذا تعلق الأمر بنص مترجم.. ويدوم هذا العمل أسابيع عديدة وطويلة، ويتطلب في حالات أخرى إجراء تحقيقات في الميدان، ومراجعة الكتب، ثم تأتي مرحلة التطبيق والإخراج ..

س. حدثنا عن هذه اللحظة الحاسمة بين التحليل المسرحي وبداية العمل الملموس للفرقة، وهي لحظة اختيار الممثلين والتوزيع ..؟

علولة: إن هذه المرحلة الثانية من الإخراج، مثلما رأينا، هي مرحلة التطبيق وتجسيد العمل، و تتم حسب عدة عوامل، وفي رأي فإنها تتوزع على أربع مراحل، نسمي إحداها المرحلة الحاسمة، وهي في الواقع مرحلة تحضير الدعائم البشرية والمادية والنظرية والفنية من أجل تجسيد العمل، وفيها توضع عملية التوزيع الفني للمهام، وتظهر مختلف الرؤى الفنية والجمالية مع مختلف تجسيدات النص في عمل مسرحي..

وفي هذه الحالة نناقش المشاريع الأولية للديكور والأزياء وو الموسيقى وغيرها.. وبخصوص توزيع الأدوار فإن المخرج يحمل رصيدا من المعارف تخص مشروعه، ويعرف مجموع الفنانين المنتمين للمؤسسة التي يقوم بأداء العمل فيها، ويجرب عليهم الأدوار، وبالملاحظة الدقيقة والمراقبة الدائمة لعمل الممثلين يتوصل المخرج في النهاية إلى توزيع الأدوار لزملائه حسب ما يراه مناسبا .

س. لننتقل إلى المراحل الأخرى، الإخراج أو التطبيق والتجسيد ؟

علولة: هناك في البداية ما نسميه الكتابة على الطريقة الإيطالية، وهي مجموعة من الحصص تقرأ فيها المسرحية بحضور الممثلين مجتمعين حول طاولة.. ومن هذا الإطار نتبادل وجهات النظر حول الشخوص والمواقف.. ونتناقش حول شخوص المسرحية، والأفكار التي تتضمنها. وتسمح هذه المرحلة للممثل عن طريق القراءات المتكررة بفهم النص واستيعاب مضامينه ويضع في ذهنه المحاور الأولى للعمل.

وتأتي بعد ذلك ما نسميه بمرحلة التجسيد، وتتم في مساحة واسعة نسبيا، وتكون مساوية لخشبة المسرح على الأقل، ونرسم طريقة وضع الديكور المستقبلي، وهكذا نسمح للممثلين بالتطور، وفي هذه المرحلة يتجاوب الممثل مع المسرحية، وبالضبط مع مختلف الأوضاع في المسرحية.

وفي هذه الأثناء يستوعب الممثل مختلف المستويات والحركات للشخوص التي سيقوم بأداء أدوارها في المسرحية.

س. ألا ترون أن هذا التباطئ الظاهر في الإخراج سيؤثر على الممثل؟

علولة: صحيح أن هناك صعوبات.. وغالبا ما يرفضها الممثل والمخرج في نفس الوقت، لأنه عندما نكون نعرف النص ونحفظه على ظهر قلب، نجد أنفسنا لا نستطيع تمثيله بل علينا التركيز على الحد الأقصى بكل ما يتعلق بالمسرحية، ومراجعة كل نقطة، وذلك في جو من تبادل الرأي والاحتكاك والتفاعل بين الممثلين والمخرج من أجل تحديد أفضل لمجال اللعب و التمثيل.

س. وفيما يخص المرحلة الكبيرة والأخيرة؟

علولة: بخصوص المرحلة الأخيرة التي نسميها بمرحلة الإخراج النهائي، نلاحظ فترتين متلاحقتين.. الفترة الأولى تتعلق بعمل التمثيل، وتتطلب هي أيضا سلسلة من الحصص التدريبية تخص التمثيل الصوتي والجسمي، أي معرفة الطريقة التي يقدم بها النص المسرحي، وتنفيذ الحركات المطلوبة بدقة فائقة، إنها فترة ممتعة ومثيرة، نتعلم فيها السير والتحدث والاكتشاف.. ففي مسرحية “الأعماق السفلى” مثلا نجد الممثلين المسلمين المقتنعين والممارسين لواجباتهم الدينية يؤدون بمتعة كبيرة أدوار المتسكعين والمدمنين للخمور والهامشيين ..

أما فيما يتعلق بالفترة الثانية لهذه المرحلة، فتخص اللمسات الأخيرة، والتنسيق النهائي لتجسيد المسرحية أي أننا ننظم خلال هذه الفترة سلسلة من الحصص التنسيقية لمختلف الاختصاصات الفنية والتقنية التي تتعاون فيما بينها لتشكل العرض النهائي.. حيث نقوم بأداء تدريبات لمجمل المسرحية.. ونأخذ بعين الاعتبار كل ما يتعلق بالصورة النهائية للمسرحية من موسيقى وأزياء وإضاءة وصوت وألوان ..

س. ما هو شعورك مساء العرض العام الأول؟ هل تبقى أنت المخرج دائما؟ أم أنك متفرج ضمن الآخرين؟

علولة: في مساء العرض الأول ، أكون المخرج أكثر من جميع الأمسيات الأخرى .. إنه مساء الحقائق، لأن مجرد خطإ حتى وإن كان بسيطا، يجعل المخرج يجمد في مكانه، ونبقى نعيش على الأعصاب، ونتتبع باهتمام بالغ أي خطإ أو أقل رد فعل للجمهور الذي اقترحنا عليه عملنا، ففي هذه الأمسية لا يمكن أن نكون حكما وخصما.

س. وأخيرا ما هو رأيك في علاقات الجمهور بالممثلين أولا ثم ما معنى العرض المسرحي والثقافي بصفة عامة؟

علولة: إن الجمهور حتى وإن كان غائبا، أثناء مختلف مراحل تحضير المسرحية، فإنه موجود في نظر المخرج، وفي وعي جميع العناصر المكونة للفرقة.

وباسم الجمهور نتناقش بحدة و جدية حول عدة مسائل جمالية وثقافية وإيديولوجية وغيرها.. وكل هذا يجري حول المتفرج المواطن باعتباره الزبون الأساسي للعرض المسرحي ..و على هذا تتم المناقشات حول الوعي والمعارف والممارسات الثقافية .

وأثناء الأمسيات الأولى للعروض العامة، فإن الممثل تكون له علاقات خاصة على مستوى التواصل مع الجمهور، فهو يراجع فرضياته في العمل، ويأخذ في الحسبان ردود فعل الجمهور، سواء للتصحيح أو للتعميق .

أما فيما يخص الجمهور، فإنه من الخطأ أن نعتبره على شاكلة واحدة، إنه صورة للمجتمع في جميع مكوناته الإيديولوجية، فجمهور الطلبة مثلا يختلف عن جمهور الفلاحين أو العمال، ونفس الجمهور يختلف من فترة لأخرى..

ويجب أن أشير في الأخير إلى أن تجربتنا سمحت لنا بأن نستنتج بأن الجمهور مشبع بأشياء معاشة، وبمستوى من الوعي، وبرصيد خاص من المعارف.

*الشاشتان العدد 53 –فبراير 1983