المجلة الثقافية الجزائرية

عزوف لا عزوبة: قراءة ثقافية في تراجع مؤسسة الزواج”

أحلام مسعودي

في إحدى مقاهي العاصمة، يجلس أحد الشباب ، في منتصف الثلاثينيات ، يحتسي قهوته ببطء بينما يتحدث مع صديقه عن فكرة الزواج. يقول بنبرة نصف جادّة: “حتى لو أردت، من أين أبدأ؟ شقة لا أملكها، عمل مؤقت بالكاد يكفي مصاريفي، وعائلة تنتظر مني عرسًا يليق بالحي.” يضحك صديقه، لكنه يعرف أن وراء المزاح شعورًا بالثقل. مثل هاذا الشاب، كثيرون يعيشون بين رغبة طبيعية في الاستقرار، وواقع يضع الزواج في خانة المستحيل.

في الجزائر، لم يعد العزوف عن الزواج مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل صار مرآة تعكس تحوّلات عميقة في الثقافة والسلوك، جيل جديد يضع الزواج على رفّ الانتظار، ليس فقط بسبب غلاء المعيشة أو بطالة خانقة، بل لأن مفاهيم الحب، الالتزام، وحتى معنى الأسرة، تعيد تشكيل نفسها بصوت خافت داخل المقاهي، وعلى شاشات الهواتف، وفي أحاديث جانبية بين الأصدقاء. ما كان يومًا “فرض عين” اجتماعيًا، يتحوّل اليوم إلى خيار مؤجَّل، وربما خيارًا مرفوضًا، يفتح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.

فمن غلاء المهور وتعقيد الأعراس، إلى بطالة تطحن الأحلام وضغط عائلي يثقل الكواهل، يجد الشاب الجزائري نفسه أمام معادلة مستحيلة. لكن ما وراء الاقتصاد، هناك ما هو أعمق، صراع بين جيل يريد حرية أكبر في اختيار شريك حياته، وجيل آخر يصرّ على قوالب تقليدية. هكذا يتحول الزواج من مشروع استقرار إلى ساحة تفاوض بين الماضي والحاضر.

لم تعد “الصالونات” وحدها ساحة اللقاء بين شاب وفتاة، فالعالم الافتراضي فتح أبوابًا جديدة للتعارف، من فيسبوك إلى تطبيقات التواصل الحديثة. هذا التحول غيّر نظرة الشباب للعلاقات من زواج تُديره العائلة إلى علاقة يبنيها الفرد وفق اختياره. وبينما يرى البعض في ذلك مساحة حرية، يعتبره آخرون تهديدًا لبنية اجتماعية قائمة على التقاليد.

أسباب هذا العزوف كثيرة ومتداخلة، تبدأ من الأعباء المادية الثقيلة : مهور مرتفعة، أعراس باهظة، وأزمة سكن خانقة. يضاف إليها بطالة تطارد الشباب وتمنعهم من بناء مستقبل مستقر. لكن وراء الاقتصاد يقف عامل ثقافي لا يقلّ وزنًا، يتمثل في صراع بين جيل يصرّ على زواج تقليدي مضبوط بقواعد العائلة، وجيل آخر يبحث عن حرية الاختيار وتجربة أشكال جديدة من العلاقات. ومع ارتفاع نسب الطلاق، يتضاعف التردد، فيتحول الزواج من مشروع طبيعي إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

 لكن الضغوط لا تقع على عاتق الشاب وحده، فالفتاة الجزائرية تجد نفسها هي الأخرى وسط معادلة معقدة. كثيرات يرين أن الزواج لم يعد خطوة طبيعية بل مسارًا مليئًا بالشروط والعراقيل. فالمهور المرتفعة والخلافات العائلية حول التفاصيل المالية تجعل الحلم البسيط بالاستقرار يتحول إلى عبء. بالنسبة للبعض، يصبح الزواج أقرب إلى صفقة اجتماعية منه إلى مشروع حياة، وهو ما يزرع التردد والخوف من الارتباط بدل الحماس له.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تأجيل للزواج، بل إعادة صياغة لفكرة الاستقرار في المجتمع الجزائري. جيل كامل يختبر طرقًا جديدة للعيش، بين ضغوط الماضي وإغراء المستقبل. وفي قلب هذا التحول، يبقى السؤال مفتوحًا : هل سيتحوّل الزواج إلى مؤسسة أكثر مرونة تعكس طموحات الشباب، أم سنشهد ميلاد ثقافة بديلة تضعه على الهامش؟

*كاتبة وباحثة جزائرية