المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

“عصافير جنة”

“إلى أطفال فلسطين”

سفيان بن عون

هل يحتاج الجنان إلى عصافير؟!

كان موت طفل خبرا صادما بالنسبة له وقد وقع ولكنه هذه المرة كان قريبا قريبا جدا.

كنت أبادلها بعض الكتب والقصص الصغيرة…تجالسني بعينين يشبهان السماء بعد المطر وبجديلة مظفورة تلامس أطرافها الخصر أو تفوته لتغازل ارتفاعا طفيفاكان يبدو أسفل الظهر… كانت تجالسني كل صباح أربعاء في حصة اللغة الأنجليزبة فنحن لم نكن نجلس حيث نربد كان معلمونا يجلسوننا في أماكن لا نغادرها مطلقا….ولم يكن ذلك يزعجنا أو هو على الأقل لايزعجني فقد كانوا أنبياء يأتون من أماكن بعيدة لا نراها ليعلموننا وكان ذلك بالنسبة لي يكفي ويزيد… كنا نأتي صباحا وباب المدرسة مغلق وحين يفتح الحارس الباب لنندفع عدوا باتجاه أقسامنا كنا نجدهم بالداخل فنصباب بالحيرة كيف دخلوا ومن أين جاؤوا؟!  

        كم يسعدني حضورها الصباحي …. كنت مغرما بحصة الأنجليزية وبتلك اللغة وبتلك الطفلة وبرائحة الزيتون في جدائل الشعر وبقصة ذهبية تتدلى على عينين واسعتين براقتين تحملان البحر إلي فأسعد بالنور والأسماك وبسمات الصباح وبالموجات الصغيرة تنكسر بهدوء الأمنيات الصغيرة الغارقة في الفضة والذهب…

رأيتها ذلك المساء نحيفة كما لم أرها من قبل كانت تجلس أمامي بيني وبينها طاولة واحدة يصطف البنات في الطاولات على اليمين ويصطف الأولاد على اليسار… فتحت محفظتي جذبت قصتي الصغيرة التي بها وعدت وقفت وانحنيت قليلا تسللت يدي وهي تمسك الكتاب الصغير بين جسدين صغيرين همست باسمها”أمال”. كنت أخشى أن يتفطن “سيدي” لي ولحركتي… التفتت… خصلات شعرها كانت مبعثرة وعبناها غابت عنهما الأسماك والتماعة الأزرق الكبير ابتلعها سواد نبت فجأة حول المآقي… مدت بدا مرتعشة استلمت مني الكتاب… حين أشرت إليها دون إن أتكلم مطالبا إياها بالقصة التي وعدتني أجابت بصوت هامس يشبه النشيج بأنها قد نسيت… انتبه المعلم ضرب على الطاولة بمسطرته… تراجعت بسرعة إلى موقعي.. دست كتابي الصغير في جيب ميدعتها ملتفتة في ارتباك إلى الأمام وقد بدا لي في عينيها شيئ ما يشبه الغرق أو البكاء أو الحزن المفاجئ أو لعلها لؤلؤة بحرية تجمدت في المآقي بسبب خوف ما ولد فجأة…

في الصباح في باب المدرسة كان اللون الأصفر الحزين باديا على غير عادته.و كان ثمة شيء كريه يحلق في السماء بجناحين مخيفين… كانت صفوف التلاميذ مبعثرة الفتيات كن ينتحبن والذكور كانوا في صمت مقيت… اقتربت من رفيقي أسأله ما الذي يحدث ولكن وقبل أن بجيب كان المدير يطلب من الجميع قراءة الفاتحة على روح صاحبة الجديلة الطويلة الصفراء…. “آمال”.

حين عدت إلى البيت منكسرا سألت أمي: “لماذا يموت الأطفال…؟!”

كان جوابها بالنسبة لي غريبا لكنه حاسم: “يحتاج الرب في جنته إلى العصافير…. هي عصفور جنة…”. قلت لها: “ألا تكفيه عصافير هناك…؟!” ليعم بعد ذلك صمت بثقل كل الدنيا…

     ومن يومها صرت أخشى على العصافير الصغيرة من جنة الرب.

سفيان بن عون: قاص وروائي من تونس