بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
تعقيبًا على المقال المنشور الأسبوع الماضي في «المجلة الثقافية الجزائرية»، مقال «السيدة وأفلاطون وبوابة التركي»، فقد تلقيت تعليقين أظن أنهما يستحقان شيئًا من التوقف، لأنهما، على نحو ما، أعاداني إلى الفكرة نفسها التي حاولت أن أطرقها في ذلك المقال؛ إذ يحدث أحيانًا أن يكتب الكاتب شيئًا، ثم يأتيه قارئ بتعليق لا يضيف إلى ما كتب فحسب، وإنما يعيده إليه من زاوية أخرى، فيكتشف أن المقال الذي ظنه قد انتهى ما يزال لديه من الكلام ما يستحق أن يقال، وأن السؤال الذي ظنه قد أُغلق قد يكون ترك وراءه سؤالًا آخر.
كان التعليق الأول من السيدة “شادية” الشقراء ذات النظارات السوداء، وهذا كل ما أستطيع قوله عن اسمها، فقد أصرت هي نفسها على هذا الوصف، ولا أدري لماذا أصرت على أن يكون شعرها ونظارتها جزءًا من تعريفها بنفسها، مع أنها قارئة ومتابعة ومهتمة بما أكتبه من مقالات تنشر لي كل أسبوع تقريبًا في «المجلة الثقافية الجزائرية».
وتعليق السيدة “شادية” كان في تقديري، أهم من مجرد إعجاب بمقال؛ فقد ذكرت سيادتها أنها كانت تظن أن المقال سيكون عن «ست بتولد»، كما قالت، ثم فوجئت بأنها وجدت نفسها أمام مقال كامل عن الإنسان وطبيعته، وأظن أنها كانت محقة تمامًا، بل لعلها لخصت المقال كله من حيث لا تدري في جملة واحدة، فالمقال بدأ بالفعل بسيدة في مقتبل العمر كانت في طريقها إلى المستشفى للولادة، وهي تصرخ صرخات مفزعة، ثم انتهى بنا الأمر إلى الحديث عن النفس الإنسانية والعقل والحقيقة، وأفلاطون، وقد يبدو الانتقال غريبًا بعض الشيء؛ فما شأن امرأة تصرخ بعلو صوتها في توكتوك عند بوابة مستشفى التركي بفيلسوف يوناني جلس قبل أكثر من ألفي عام يحاور تلاميذه في مسائل الحقيقة والمعرفة؟
غير أن الأمر كان يتجاوز ذلك كله؛ فالصرخات لم تكن هي الموضوع، وإنما كانت الباب إلى الموضوع، وقد ذكرت في المقال السابق، أن الإنسان لا يستجيب دائمًا إلى الحقيقة في ذاتها، وإنما إلى الطريقة التي تظهر بها الحقيقة، ولا يتحرك دائمًا بعد أن يعرف، وإنما قد يتحرك قبل أن يعرف، وقد تكفيه من الحقيقة إشارة أولى، أو انطباع أول، ثم يأتي العقل بعد ذلك ليبحث عن تفسير لما فعلته الحواس قبل أن يستشيرها فيه، فحين يصرخ شخص طالبًا العون والغوث، فإننا لا ننتظر أن يقدم لنا تقريرًا مكتوبًا يشرح أسباب استغاثته، وحين نرى دخانًا يتصاعد من مكان ما، فإننا لا ننتظر حتى نتأكد من وجود النار ، وهذا في تقديري، ربما كان هو أصل الفكرة التي أردت الإشارة إليها.. ولهذا، يا سيدتي شادية، نعم، كان المقال عن امرأة ذاهبة إلى الولادة، ولكنه لم يكن عنها وحدها، وكان عن أفلاطون، لكنه لم يكن عن أفلاطون وحده، كان، في النهاية، عن الإنسان؛ ذلك الكائن الذي قد يحتاج أحيانًا أن يرفع صوته حتى يسمع العالم حقيقة كانت موجودة قبل أن يرفع صوته أصلًا.
أما التعليق الثاني فكان من زميلي العزيز الدكتور “سيف اليزل”، وقد ذكر أن صرخات السيدة تمثل إظهارًا لأعلى درجات الانفعال الصوتي للمعاناة، وانتظار الحل المعجزة بين أقوال أفلاطون النرجسية وبوابة التركي البعيدة المنال، وأشكر للدكتور” سيف” هذه الملاحظة، وإن كنت أختلف معه في أن ما حدث كان حلًا معجزًا؛ فلم تكن هناك معجزة، ولم تصنع السيدة بصوتها عناية لم تكن موجودة، ولم تخلق صرختها أطباء أو دايات أو سسترات، وكانت ستلقى العناية اللازمة سواء صرخت أم لم تصرخ، لكن الصرخة فعلت شيئًا آخر، وهو أنها لفتت الانتباه، ولفت الانتباه في عالم البشر ليس أمرًا صغيرًا كما يبدو، فقد تكون حاجتك حقيقية، وقد تكون قضيتك عادلة، وقد يكون ألمك صادقًا، لكنك إذا لم تستطع أن تجعل الآخرين يلتفتون إليك، فقد تبقى الحقيقة في مكانها، بينما يمضي الناس في طريق آخر، فالصرخة لا تصنع الحقيقة، لكنها قد تجعل الحقيقة تُرى، ولا تصنع الحل، لكنها قد تجعل البحث عن الحل يبدأ، وهنا ندخل أكاديمية أفلاطون مرة أخرى، ليس لأن أفلاطون تحدث عن امرأة جاءها المخاض، وإنما لأن السؤال الذي شغل فلسفته كان حاضرًا هنا بطريقة ما.
الإنسان لا يعيش دائمًا مع الحقيقة المجردة، وإنما يعيش كثيرًا مع صورتها، ومع انعكاسها في حواسه، ومع الانطباع الأول الذي تتركه في نفسه، وهذه الفكرة لا تقف عند أبواب المستشفيات، ولذلك، يا سيدتي شادية، نعم، كان المقال عن «ست بتولد»، لكنه لم يكن عنها وحدها؛ فقد جاءت هي إلى بوابة التركي لتلد طفلًا، وتركت لنا نحن سؤالًا، وربما كانت المفارقة أن صرختها التي أعلنت حاجتها إلى الآخرين قد أعلنت، من حيث لا تدري، عن طبيعة إنسانية أوسع من حاجتها هي؛ فالحاجة قد تكون موجودة، والألم قد يكون حقيقيًا، والحقيقة قد تكون قائمة، لكن الإنسان يظل في حاجة إلى أن يجعل الآخرين يلتفتون إليها. أما هي فقد ولدت وانتهى الأمر، وأما صرختها فما تزال، حتى الآن، تلد.





