حامد عبدالصمد البصري
1- مدخل :
شعرت كأنما الأرض تميد تحت أقدامي، غير إني وجدت يد الذكريات, تمســــك بأطـراف روحي, رفعـت رأســي إلــى الأعلى قليــلا ,كانت في إحدى زوايا غرفتي صورة، نظرت إليها فلاحت منها ابتسامة خفيفة خلتها ألف لحن جميل .
الصورة للشاعرة الكبيرة لميــعة عبـاس عمــارة , وهـي مازالت تحتفظ بشكلها الجميل الأنــيق , ولونها , وبهائــها , على الرغم من مرور سنوات على وجودها، ولــكنها تـــبدو وكأن عواطف الدنيا مركزة فيها , هذه الصورة رسمها الفنان المبدع جواد سليم .
فجأة أحسست كأن قوة خفية تدفعني إلى الوراء , لأرى لميعة وقد أشرق وجهها وانبسطت ملامحها متسامية, تســــامــت بالخلق الإنساني , تصعد سابحة مرفرفة في عراقيتها يفعمها الإبـاء، وتترقرق حولها ينابيع الأريحية والشاعرية ،وتفيـض مروءة ,ملــتزمة بالأعراف ،والتقاليد, وان كانت حرة بمروءة, ولكـــنها عراقية نموذجية , طاقة أنثوية هائلة طاقة قادرة على الانجاز والإبداع والتطويـــر، شاعرة تؤمـن بأن الــحـب هــو المحرك للخـــلق والعــــزف على قــيثارة الشعر الــذي يلــهــب العواطف ويحرك الأشجان ويدفع به (أي الشعر) إلى رحـاب الخلود . تأبى التقاليد بأن نلتقي
فليس لي منك سوى الذكرى ساعدك الثائر وا حسرتي سوف يضم أمرأةً أخرى
– نافذة (عودة الربيع )
وجدت قلبي يخفق في كل كلمة من (عودة الربيع) كان ذلك عام 1962 حين عثـرت على المجموعة في مكتبة أخي عبد المعبود, وهي مجموعة صغيرة أنيقة , طبعت في مـطبعة اتحاد الأدباء العراقيين, فقرأتها مرات, ومرات, فتزودت بشحنات وافرة من صفاء النفس ,وتقويم الفكر, وحب الشعر وقد غمرتني فرحة لا حدود لها ولغة المجموعة سهلة واضحة, بلا تعقيد في عبارة , ولا نبو في لفظة : يا كل دنياي وما أريد يا خلي الوحيد أهواك حتى ساعة الخصام أذوب في صمتك … في الكلام
وتمضي لميعة ترسم صوراً جميلة , واضحة المعالم , توحي بأنها شاعرة نافذة في النظر إلى الأشياء , والى نفسها على نحو خاص , إنها محبة, أخلصت في حبها وانفردت, على الرغم من تشابك الألوان في أفقها . حيرى ! أذيب الليل في قلقي
لا فكرة تنساب قي أرقي
وإذا هممت بصورة عرضت
تتشابك الألوان في أفقي
ان “عودة الربيع” تمتلئ بالاضاءات الإنسانية, مجموعة تفتح أبوابا مشرعة للأشواق, فضاءات من التوهج النبيل, اعترف أنني عشت معها بكــــل مشاعري, وأحاســــيسي, فكلماتها لا تتلفع بالإسرار , ولا تتحدث بالرموز والطلاسم , ولا تستعين إلا بالألفاظ الحلوة الرقيقة :
عاد الربيع وأنتَ لم تعد يا حرقة تقتات من كبدي
عاد الربيع فألف وا أسفي
ألا تحسّ به…. إلى الأبد …!؟ كلمات منسوجة من العطور والألوان والتفاصيل الإنــسانية, إن لميعـة عباس عمارة واعية ولم يمت في خافقها الغناء, إنها غابة من حنين لذلك قرأتها بمذاق شهي, وبصــدق حد الخجل, وكأنني أرى لميعة أمامي متدفقة بنسغ الحـياة , إنها قبـــــس مضئ مشع هادئ : جهدي أحـاول ان أشتف نظرته
كأنّ كل همومي فــوق أجفاني تمــتـصّ قبلـته عـلى شفتي فتستحيل عظـــامي خيط كتان
زكت فلم تذهب الأعـوام جدتها
يا طيبـها وشــفاهي قلبه الثاني أنغمرت في (عودة الربيع )في ســـكون الليل , وفـــي ضجـــيج النهار, حتى إنني كنت في المدرسة أنشــد أبــياتها, وكأنـــني بعالم سحري, فتناســيت نفسي وقد استغرقتني القـــــــراءة, فمضيت في رحلتي لتزداد بصيرتي إدراكاً ويشع قلبي محبة للناس وللشفق البعيد.. 3- نافذة اللقاء: الذكريات في داخلي، قد ارتفعت إلى مستوى عال من التوتر والهيجان, وقد يكون من الواجب في البدء ان أقدم اعتذاراً لشاعرة ما تزال تضيء ‘ الشموع المتوهجة للإنسانية, أقــّدم اعتذارا لأنني سألوذ بها… وبشعرها .. وأتوكأ عليها وابحث لي عن مكان في “الزاوية الخالية” أتذكرين ..؟ كنت في المربد… في بداية السبعينات, احمل في داخلي بعض الأحلام الهادئة, والأمنيات, وفي مقدمة هذه الأمنيات أن أراك, أن أسمع شعرك, وتحققت أمنيتي, وقدمت لك مجموعتي الشعرية الأولى “أوراق الربيع” وقد اقترب عنوانها من عنوان مجموعتك (عودة الربيع) محبة … واعتزاراً بك وبإبداعك الذي يعد ينبوعا متدفقا ومصدرا لكل الأشياء الخيرة. إن لكلمات لميعة قوة, لأنها تتفق مع أفكارها , وكذلك لأفكارها قوة تتفق مع حياتها, وأفكارها الحكيمة تتدفق من فمها امتدادا لشعرها، ولنفسها الخاص ولنعومة تناولاتها .. انعم النظر والفكر في الاحتفاظ برائحتها, كنت أصغي إليها , وخيل إلى أن وجهي ينحني إلى الأمام ليصغي هو الآخر , فحدقت في عينيها, ثم قلت :- كان حلمي أن أراك ….! ابتسمت ابتسامة متشحة بنور الشمس, قالت: لماذا….؟
– لأنـــك لميعة عباس عمارة ضحكت, ضحكة متأنقة, فطوقني العبق…! – أنت صغير في العمر يا حامد , وصدرت لك مجموعة شعرية.
– وأنت يا سيدتي بدأت الشعر صغيرة, ألم تنشري قصيدتك الأولى في جريدة (السمير) وأنت في الرابـــعة عشرة من عمرك.. وكانت لإيليا أبي ماضي سنة 1944 وقد نشرت مع تعليق طويل لطيف بقلم الشاعر…؟ – على أية حال. أنا أشكرك, والذي ارجوه منك أن تبعث لي الصور التي التقطت لنا – لا اعرف عنوانك – أكتب يا حامد / بغداد – الأعظمية – لميعة عباس عمارة – أهذا هو عنوانك..؟ – نعم هذا هو عنواني كانت السفينة قد بدأت رحلة خصيبة عريضة في وسط العرب والأمواج بدأت تتلاطم, وكنت أعوم في بحر الشعر… والشعراء, وان كنت أبدو مغطى بهدوء, ولكنني مملوء بالشعر… وبالحب المسكر ,مسكتني لميعة من يدي وأنا أكاد أغرق في تأملات محمود درويش, قدمتني له قائلة: – هذا شاعر بصري صافحني بحرارة, وكان بصره يخترق الآماد, تحدثنا كثيراً, قال لي يجب أن تعرف كيف تضع أقدامك على طريق التطور والنضوج, لا تأسر نفسك في نطاق عدد من الموضوعات, ولا تغلق نفسك , اترك لنفسك حرية الحركة والتحليق على نطاق أوسع, وطال حديثه, أما لميعة فقد كانت تهاجم العقم والركود. وتبدو في حديثها مكتشفة ومثابرة وأصيلة, تملك قلبا كبيراً أصبح الحب, والدهشة والتعب جزءا من لذته. لعنة اللاعن يا شعر عليك ما الذي أوقعني بين يديـك كل أسرار الورى مخفيـة وخفي السر مفضوح لديك 4- نافذة المراسلة الذكريات تبسط ذراعيها, ولم أجد معاناة في البحث عنها لكي ألج السنين عبر دهاليز الأيام بحثـا عما تبقى من عبيرها.. فالذكريات تخترق ذهني, و”ما أمس إلا ذكرى اليوم ” بأحسن الأحــوال هيـأت الصور. وكتبت خطابـا قصــيراً للشاعرة لميعة، ووضعت كليهما داخل مظروف, وقد دوّنت في السطر الأخير من الخطاب /عنواني – البصرة – بواسطة بريد حمدان – قرية الحمزة – رقم الدار 886 وتركت المظروف في صندوق البريد ليسافر , كي ينعم برؤية الشاعرة الكبيرة. مرت أيام , وأيام، وأنا انتظر رداً , حتى هــدأ الانتظار.. وتحول إلى حلم بعيد المنال, وساد الطبيـعة صمـت فاجـع، وصار الحزن يسكن كل مساحة من مساحات جلدي ويذبل عيوني . وفي يوم من الأيام، استيقظت مبكراً فركت عيني، فتحت باب بيتنا ومضيت كان الشارع يمتد تحت قدمي .. حتى وصلت إلى بيت خالتي ، وبقيت إلى العصر ، عدت إلى البيت…. والشمس قد بدأت تجر أذيالها للغروب . استقبلني أخي وقال … :- – خذ هذه الورقة من (أبي حمدان ) ساعي البريد . فقد طرق بابنا صباحا بعد خروجك مباشرة ،وترك لك هذه الورقة .. أخذت الورقة وبدأت أقرأ ما فيها : ” اتصلت الشاعرة لميعة عباس عمارة تلفونيا بدائرتنا – دائرة بريد حمدان ….. – من فندق قصر رغدان- وتطلب حضوركم صباح هذا اليوم في الفندق المذكور”. اضطربت حقا.. وبدأت دمــوع الفرح تهبط من عيني. ارتديت ملابسي ,وخرجت مــن البيت وعلى الشارع العام: شارع أبي الخصيب, وضعت نفسي في السيارة لتطير بي إلى العشار , حيث وصلت مقابل فندق- قصر رغدان- في منطقة الكزارة طلبت من السائق التوقف.. ونزلت بسرعة, اتجهت إلى الفندق , فتحت بابه ودخلت … مسلّما على مدير الفندق ومقدّما الورقة التي تركها ساعي البريد , قال مدير الفندق :- – أ أنتَ حامد..؟ – نعم أنا حامد.. قال للأسف الشديد, انتظرتك الشاعرة، هي وزوجها ولكنهما غادرا في الساعة الثالثة للوصول إلى المطار، ومن ثم العودة إلى بغداد .. وقد تركت لـك هذا المظروف وعـانقــت يــدي النحيلة المظروف . وكالمفجوع فتحته فوجدت رسالة قصيرة وكتابين الكتاب الأول مجموعتــها الشعرية (الزاوية الخالية), وقد كتبتْ إهداءً على صفحتها الثانية : إلى الشاعر حامد عبد الصمد البصري أتمنى لك ربيعاً دائماً والكتاب الآخر مجموعتها الموسومة (أغاني عشتار) وجاء في الإهداء : الأخ الشاعر العزيز حامد عبد الصمد البصري . أتمنى لك الموفقية والازدهار. احتضنت المظروف… وعدت أجر خطــواتي إلى موقف سيارات أبي الخصيب , وأنا بين ساحل. وبحر .
5- نافذة الدعوة: أقف ألان حزيناً تحت نافذة الانتظار ، فالشباك باب الانتظارات لمعشوق مهاجــر ، أقف بعينين مخضبتين باللهفة وأنا أقرأ قصيدة لميعة الموسوعة بـ (تحياتي إلى البصرة): خذي من نشوتي خـمـرة ومن عهد الصـبا شطـره خذي كـّفي التـي بردت لدفء شــتائكم مــرة ليولــد ألــف جيكور يناغـــي بالهوى بدرة وقي وقتها كتبت جوابا، لهذه القصيدة بعنوان: -عتاب من البصرة- وأهديتها إلى لميعة ومنها : خـلتْ من بعدكِ البصـــرة فلا زهــر ولا خـضــرة ولا أحــيت لــياليـــها أحـاديــث ولا ســمـرة ولا نـــور لأهـلـــيها ولا كــأس ولا خـمــرة الحديث طويل ،أيتها العراقية ،أتساءل يا سيدتي، أتعــودين ثانية..؟(كعودة الربيع) ..سحابة تمطر حبا ،وتســـقي الزهور، اعذريني إنني أمدّ يدي بانتظار يد العراقية، والريـح هادئة تماما، وثمة حمامات تحلّق في الفضاء، تردّد :-(يسمونه الحب ).
أرجوك من كل قلبي، اعبري البلدان، اقطعي الفيافي، والبحار فإننا علي شواطئ الانتظار، وبعد، يا لميــــعة…!!!!!!
يسرنا أن نوجّه دعوتنا إليك لقضاء أيام في البصرة- في أبي الخصيب-في هذا الصيف، تعالي، لكي تمشي على الاعشاب.. وحشيش أبي الخصيب، وان كــان وصولك ليلا فإننا سنحمل أرواحنا فوانيس تضئ لك الدروب ،معذرة يا سيدتي وسيمسك الأحبة بيدك لكي تعبري الجســور(قناطر جذوع النخل) فلا تخافي سيمسك الأحبة يــدك الطرية لتعبري بأمان وسنقوم بضيافتك، وسنقدم لك الرطـب المعسّل، واللبن المخضوض والسمك(الصبور) والمخلل المصنوع من ثمر البمبر، وسنسمع قصائدك الجديدة.. و(أغاني عشتار)..فأنت شاعرة كبيرة.
( يا خفقة الفراش وبسمة الفجــر
يا زهرة الليمون يلتفّ بالعطــر
يا زينة الحياة وبهجة العـــمر)
على زهرة القلب، وعلى سياج الروح ما تـزال تمتدّ أغصان الذكريات، التي لن أحـرقها، ولكنني سأترك بصري يمتدّ بعيدا بعيدا.. لينظر نظرات لا حدود لها، وأراك أيتها العراقيـة التي حققت ذاتها بصورة مميزة، وسكنت في قلبي..!.
لماذا سكنت في قلبي…؟ كلّما بحثت عن حل وتفسير..
ازددت تفكيراً بك.. آه معذرة استريحي بقلبي.. أيتها النقية فانّ النقاء قليل..!
أعذريني.. لم استطع أن اعبر كلّ الجسور.. فقد انهمرت دموعي مثل الأمواج المتراكضة نحو البرّ .
ـــــــــــــــــــــــــــ
إشارة/ كتبتَ هذه الذكريات قبل وفاة الشاعرة المبدعة لميعة عباس عمارة





