بقلم محمد بصري
تقول حنة آرندت Hannah Arendt”علمني هيدغر أن أرى العالم وأفهمه ….. لقد قادني إلى ذاتي نفسها .وينطبق هذا على التفكير والإحساس …لقد أيقظني هيدغر في كل معاني الحياة إنني مدينة لهيدغر بكيف أنا وكما أنا إنني مدينة له بكل شيء” حوار حنة آرندت مع صديقتها الكاتبة ميري ميك كارثي Mary McCarthy. رسائل حنة إلى هيدغر.
الفلاسفة خطرون جدا حين ينبعثون من مرقدهم البرزخي. ثار مارتين.هايدغر (1889/1975) ضد التقنية والعلم واعتبرهما آخر إخفاقات الميتافيزيقا.لم يقدر إ.ليفيناس أن يخرج من تحت أسفل العباءة الهيدغرية فهو مريد وتلميذ نجيب لفلسفة الكينونة لكنه ثائر ديني متعصب لتلموديته وعبرانيته ويهوديته الحداثية .لم يجد منفذا لتقويض فكر أستاذه غيْرَ مدخل الميتافيزيقا.ما يُشهد لفكر هايدغر أنه نسق متكامل الأركان قوي جدًا. الميتافيزيقا هذا المارد الفلسفي المتربص في قمقه لم يستطع هيدغر التخلص منها ولم يجد إ.ليفيناس Emmanuel Levinasحارس التلمود الأخير منفذا لتقويض فلسفة أستاذه مارتين غير ها.هذا الحقل الملغم، جعل أرسطو يقوم بتوريط كل الأنساق الفلسفية التي جاءت بعده كره هيدغر التقنية لأنها لا تجيب إلا على أسئلة تقليدية للميتافيزيقا. كان يرى أن المسؤولية الأخلاقية إزاء بني جلدته من الآريين أكثر من ضرورة وكينونة وتسبق أي أفق فلسفي آخر.هيدغر الذي ألحق الأذى بالميتافيزيقا تعرّض لعنف ميتافيزيقي من تلامذته .دريدا وليوتار وليفيناس ولم يسلم حتى من زميله وأستاذه هوسرل الذي حذّر منه وتنبأ له بمستقبل فكري باهر. ج.ف.ليوتار Jean-François Lyotard كان ينظر إلى الأنساق الوجودية التي تتأفف من ميتافيزيقا الحضور بازدرائية وينعتها بالفشل الإبيستيمولوجي .بل اعتقد أن الفلسفة هي إعلان حرب على الشموليات والكليانية. لابد أن تتكيف الظاهراتية مع الوضع المادي والتقنية التي فرضتها الحداثة بدل محاولة البحث عن حلول لغوية ووجودية للحالة الإنسانية.
يعتقد جاك دريدا أن سؤال كانط المفتوح ما يمكنني أن أعرف؟ الذي تستند له أسئلة ما بعد التنوير و الحداثة تم تأويله خارج إطار العقل ما بعد الميتافيزيقي الذي هو أحد مكونات الكانطية التنويرية، الذي حاصر الماورائية في شروط خاصة ومحدودة للمعرفة لكن ليست هي ما يمكنني أن أعرفه لأن مواضيع الميتافيزيقا منجزة ومكتملة ونهائية.
علاقة حب جامح أيروتيكي ورومانسي جمعت هيدغر وعشيقته الفيلسوفة.أثبت مواضعة أن الفلاسفة أحيانا يصلحون للعشق الممنوع. زوجة مارتن هيدغر ألفريدا غيورة جدا أرادت الحفاظ على عرين زوجها القوي والبالغ الخطورة .فهو ألمع فلاسفة القرن 20 بل أنجبهم وأوفرهم حظا وعالمية .
العلاقات الجنسية المتعددة خارج الحياة الزوجية لم تكن معيبة أو منفرة أو محرمة قيميا عند الإغريق ثقافة الوهم الجنسي الشهوانيfantasme كانت برعاية دينية مشروعة مادامت آلهة السعادة والإمتاع الجنسي إيروس حاضرة تبارك ذلك لذا كان الإبيستيمي البنيوي لهذه الحقبة اليونانية خليط بين ثقافة غلمانية وتعددية جنسية تجعل للرجل حظا في الاحتفاظ بكم هائل من سبايا الغزو والحروب والجواري والنسوة المكويات بجحيم الرقيق الأبيض والأسود.
حاول م.هيدغر تحرير الحب من المسيحية وهو هنا أكثر لؤما ميتافيزيقيا من مواطنه ف. نيتشه بمعنى تحرير ميتافيزيقا الحب من خلال ميتافيزيقا جديدة عبر سلسلة من النقد اللاذع لأوغسطين الذي تواطأ فلسفيا مع المسيح في تعويد البشر على تقبيل بعضهم البعض بسخونة الحب اليسوعي. الحب ليس فرضية دينية مستبدة. قد يحتمل الايمان مواضعات الحب ويتماهى مع مفهوم المحبة لكن لا يمكن أن يتحول الحب والإيمان إلى مواضعات منطقية تستقي حضورها الميتافيزيقي من خلال المحاججة والبرهان والاستنتاج المنطقي.كل إيمان هو حلقة عشقية لا غية إذا بحثت عن جوهر اثباتها وفق مرافعات منطقية.
كان هيدغر يسمي حنا ارندت”حورية الغابة ” وهي تناديه”قرصان البحر” انجذبت إليه حتى درجة الاحتراق واللعنة.حب رومانسي أيروتيكي جسدي وفلسفي رباعي الأبعاد.أرادت إثارة غيرته وأعلنت خطوبتها من زميل لها يدعى”غ.شتييرن.”لم يلتفت هايدغر وبارك خطوبتها.قلت سابقا الفلاسفة لا يصلحون للحب العاصف أو جنونه.تعددت علاقات مارتن هيدغر وهو الفيلسوف الصلب والقاسي والمتحدث الرسمي الذي يرسم شاعرية مجازية وهو يعبث بلغة هندرلين وبشاعرية الألمان. كان له علاقة مع طالبات ومريديات جامعيات على غرار صوفي دوروتي فون بدفليس الأميرة مارغوت فون ساكسن ماينيغن. اندريا فون هاربو[1]-
يبدو أن علاقة فيلسوف الدزاين مؤسس فكرتي الزمان الوجودي والذي عطّل زحف الميتافيزيقا واعتبرها خطاب مغلق سكوني ثابت يسير عكس عقارب ساعة تطور الفلسفة.الميتافيزيقا التي التهمت التقنية والعلم وزحفت نحو التاريخ. كان ينظر إليها بريبة ويعتقد بأفولها بعد سطوتها وعبثها بالأنساق التقليدية المغلقة.
على غرار سارتر وحبيبته النسقية سيمون ذي بوفوار عكف مارتين هيدغر على إرواء أوجاعه الأيروتيكية.ويتضح أن الثقافة الجنسانية أو الحقل الأيروتيكي امتزج بإبيستيمي حداثي ميز مرحلتي الحداثة ومابعدها. العلاقات خارج الزواج بدأت تخرج ثقافيا من دائرة الطابوهات الدينية إلى فضاء الحرية والاعتراف و.مع أن الجرائم الجنسية الممزوجة بالخيانة الزوجية كانت تنتهي برقابة شبه أخلاقية يقوم بها ضمير مهتز غير عابئ بثقافة المحارم. في الرسائل يكتشف مارتين أن ولده هيرمان الثاني المولود سنة 1919 هو من صُلْب عشيق زوجته الطبيب فريدل سيزار مع آلفريدا الشريكة المتسلطة وغير المتفهمة لهوس هايدغر ببنات حواء [2]. كان هيدغر يسمي زوجته المتغطرسة “الفريدا ” برئيسة حبيبات زوجها. ويبدو هذا الاعتراف المتأخر غريب وصادم جدا.هو يعترف بخياناته المتعددة ليتفاجأ أن الزوجة المصون كانت على علاقة مع صديق العائلة وزميل الدراسة .وهي علاقة ايروتيكية من النوع الجسدي المُخجل والمباشر أثمرت طفلا .علاقة مارتين هيدغر بحنة تبدأ سنة 1925 كان سن هذه اليهودية اليافعة الشابة 18 سنة اعترافات ساخنة على الطريقة الوجودية العبثية لكن مع الإبقاء على الروابط الأسرية المحرمة عى الآخر والقانونية الشرعية. على خلاف المُجون السارتري الذي اعتبر الأسرة تهديدا عميقا للحداثة أو آندري جيد الذي كان يردد “أيتها الأسرة إنني أكرهك”.
واصل مارتين هيدغر حروبه الجنسية .على الطريقة الرومانية.اجتياح لكن بدون حاميات تحتفظ للنساء العشيقات حق البقاء أو التمترس داخل قلاعهن الفاجرة الزجاجية .حتى وهو في سن العجز والكبر 1970أصيب بأزمة و وعكة صحية وهو بين يدي إحدى حبيباته اضطرت زوجته للتنقل وإحضاره من ميونيخ. بل كان هناك تفاهم لزيارة طبيب نفسي لمتابعة وعلاج أوجاعه الأيروسية والجنسية والمعالج هو فيكتور إيميل فرايهر فون غيباساتل Victor Emil Fre her Von Gebsattel. * [3].
هذه العلاقات والزيجات الرسمية المضطربة في المركزية الغربية لم تكن جديدة أو مبررة ومختلفة فالأخلاق الأيروسية متجدرة عموديا في الغرب منذ أثينا الوثنية كانت تُنسج العلاقات مع الغلمان كحلقة مضافة للاستمتاع الجنسي الأيروسي في المجتمع الإغريقي والروماني القديم .التنوع الجندري والفنتاسم fantasme أو الخيال الشهواني الوهميimaginaire et érotisme المختلف كما يشير فوكو في تاريخ الجنسانية يدعو المجتمع إلى شرعنة الإشباع الجنسي الذي لا يتفق مع ثقافة المحارم.أو التحريم أو الطابوهات أو شكل من أشكال التقديس. الفيليا Philia في إحدى تجلياتها العلائقية مؤسسة على العطاء المتبادل حب مشروط ورهين براغما ذرائعية كما أنه سجين تبادل غريزي قائم على الإشباع المتبادل المبني على فرضية الاعتراف رغم تأسيسه الأرسطي على القيم والأخلاق.[4]
هايدغر أسطورة الفينومينولوجيا منقذ الوجودية من اليوتوبيا والميتافيزيقا كان يرى في الحب مؤسسة مستقلة عن بيت الزوجية عقله الجبار والعابر والكوني بالمفهوم الكوسموبوليتيقي لم يكن يستوعب حياة زوجية منفردة بين أربعة جدران في غرفة النوم الزوجية، الخيانة كخزي أو عار عائلي لم تكن موجودة في القاموس الإغريقي وهو ما اتضح لذى هايدغر فالجميل لا يتعارض مع ما هو فضائحي أو عار كما يعتقد ميشال فوكو: (فبالأشياء الشنيعة يرتبط العار، وبالجميلة ،من جهة أخرى ،ترتبط الرغبة في التقدير: فغياب هذا أو ذاك يحرم على كل المدينة كما على كل فرد خاص ممارسة نشاط كبير وجميل ) [5].
سؤال طريف وعميق لا يخلو من البلاهة العاطفية؟ لماذا تعلقت حنة آرندت بهيدغر رغم فارق السن والهوة الإثنية بينهما وهذه الانشقاقات الروحية والخذلان العابر والمحن الأنطولوجية التي تعرضت لها؟ خاصة بعد تهم العار المرتبطة بمجتمع لا يقبل الجاليات اليهودية ويزج بكل ماهر عبري في معسكرات أُشفيتز المُعتقل للعين وأفران الغاز.حنة تعرضت لمأساة حقيقية بعد نقل أفراد أسرتها للقتل الممنهج في المعتقل المذكور وتم تهريبها إلى فرنسا ولم يشفع لها حب ألمانيا ولا الوقوع في حمى غرام أحد أكبر مؤسسي عقل الجرمان م.هيدغر. حياة الطرفين كانت حقلا من العواطف الرخوة المُلغّمة والرمال المتحركة تملأه عدم الثقة أحيانا والانصياع لسلسلة حوادث فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية.انضمام مارتين للحزب الاشتراكي القومي وعضويته فيه رغم شساعة المسافة الثقافية والفلسفية بينه وبين الأيدولوجيا الاشتراكية . محاضرته النارية تحت عنوان”الجامعة الألمانية تؤكد ذاتها” و خطاب العمادة الشهير سنة 1933 الذي يؤكد شبه عدم استقلال العقل الفلسفي عن السياسي بل ذلك الاغتراب المريب الذي أبداه هيدغر وهو يدافع بشعبوية مقيتة عن أفكار القوة والنازية بل يجعلها من هواجس الدزاين والكينونة لديه. رسائل الحب والشوق كانت مثار تجديف فلسفي رغم حرارة الشعور وغليان العاطفة فتجده ينتقل بالحب إلى محطات اثمولوجية لا ينتمي إليها كقوله في رسائله “
حب الآخرين Liebe Zum Anderen ، والحب كحدث Liebe als Ereignis ، والحب الكينونة Liebe zum Sein وأخيرا الحب كسماح بالكينونة Liebe als Seinlassen. [6].
الحب أو الايروتيكا كانت نشطة كنسق مفتوح في فلسفة ميشال فوكو فهو المفكر الوحيد الذي قام بتفكيك أفقي وسانكروني وفلسفي بالمعنى الدقيق .تم طرح العلاقات الجنسية المحرمة كخطاب فلسفي ونسقي منظم .أو لنقل تم تنصيص المحرمات وتوثيقها كنصوص بعدما كانت لا تتجاوز الهوامش والفراغات المسكوت عنها والممنوعة في تاريخ الثقافة الإنسانية. م.فوكو حاول أنسنة الغرائز بإشباعها فلسفيا وهو الجهد النادر الذي لم يستطع القيام به هيدغر.الذي تَوجّس من الإعلان عن فكره الجنسي pensées sexuelle وهنا ربما القلق الشعبوي والشوفيني والكبرياء الانسانوي الذي تشبعت به الأيديولوجيا الثقافية الألمانية الذي ساد قبيل الحرب .ع.2 والتوتر النازي منعه لإحداث ثورة في هذا الحقل .والكل يعلم أن المثلية والعلاقات الجنسية الغريبة لم تكن مستساغة في الثقافة البسماركية أعلن عليها غوبلز والغستابو حربا إبادة .الهوية الآرية تنشد إنسانا آريا قويا وليس كائنا غرائزيا تتقاسمه أهواءه الفانتازية وتعيق نشاطه المتعالي.
تبدو الحكمة الأثينية القديمة “إن المومسات هي عندنا للمتعة ،والخليلات لأشغال كل يوم،أما الزوجات فللخلفة المشروعة والحراسة الأمينة للبيت”[7]. في مجتمع يؤمن بمركزية الذكورة و تعدد الزوجات ورفض الشكل الأميسي للأسرة كونه شكلا بربريا متخلفا لا ينتمي إلى حضارة الحدود والكليات القصوى للعقل. وفق إسقاط الرؤية الفوكوية العلاقات المتعددة خارج الشرعية الإنجابية والحمائية للزوجة داخل البيت الهيدغري تغدو متجاوزة فإرواء الرغبة الأيروسية لفيلسوف وسقرط ألمانيا هيدغر كان بدوافع إبداعية نشاط ومحفز تفكيري.بمعنى النشاط الشبقي القوي يكتنز قوة خلاقة فكرية رغم ضيق وتعاسة المنحى الغريزي ودونيته في سلم القيم الاجتماعية والأخلاقية.
الزوجة في الثقافة المركزية الغربية منظور إليها طبيعيا وجنسيا وظيفتها الإنجاب وحراسة الأسرة وضمان التسلسل الشرعي للأطفال حتى لو تعرضت للاعتداء والاغتصاب فذلك لا يتجاوز حقل الجسد كآخر خارج نطاق بنيات الوضع الطبيعي والعائلي الذي يربط النساء بأزواجهم. لم تكن الخيانة والتقصير في حق العلاقة الشرعية والحقوقية بين الطرفين مشكلا في الثقافة القانونية اليونانية مقارنة بالشعوب الاخرى.لهذا لم يجد ورثة العقل الإغريقي الغربي بدًا من التنزه والتخلص من طابوهات ومحظورات لم يكن يشعر أسلافهم بخطورتها الأخلاقية .الحالة الهيدغيرية ليست إلا محصلة لموروث ثقافي ممتد أفقيا لا يريد التنازل أبدًا لحواء الجميلة.
هيدغر كان وفيا لنمط معين من العدمية تلك التي تجعل الإنسان المعاصر يعيش فردانية خاصة به.يمثل الحب الوسيلة الأكثر فتكا لتحقيق الكينونة، أي أن يحقق العاشق لمعشوقه مكانا داخل الدزاين.هذا الوجود يتحقق بصورة لاميتافيزيقية. متحررة من أعباء اللاهوت ومتقدمة نفسيا وماديا.أي” الكينونة بدل الميتافيزيقا ” أُحِب معناها أكون وأحقق وجودي باستمرار.بحضور الطرف الثاني الذي أريد أن أكونَهُ.
محمد بصري باحث من الجزائر
هوامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش
حنة أرندت ومارتين هايدغر رسائل حنة آردت ومارتين هيدغر تعريب وترجمة 1925- 1975 حميد لشهب جداول مكتبة الفكر الجديد ص 21
أنظر رسائل مارتين هيدغر وحنة ارندت ص 20
أنظر نفس المرجع ص 22 .
أنظر رسائل مارتن هايدغر وحنة آرندت ص29.
ميشال فوكو تاريخ الجنسانية استعمال المتع الجزء الثاني ترجمة محمد هشام افريقيا الشرق ص 196
نفس المرجع الرسائل ص 26.
م.فوكو تاريخ الجنسانية ج2 ص137
Jean Peyranne ترجمة د.لؤي خدام الخيال الوهمي الفانتازم والشهوانية مقال على النت ساعة التصفح 00.40 يوم 30/06/20
*كاتب من الجزائر




