حاتم السروي
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصَّبَّاح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي، هذا هو اسمه بالكامل؛ أما وظيفته: فهو الحكيم المتبصر والعالم الموسوعي في أمة كانت عند ظهوره في أمس الحاجة إلى العلم والعلماء، فكان أن جاء هذا الرجل النبيل الذي جمع بين شرف العلم والنسب، إذ كان من أبناء الملوك، لأن “كندة” كانوا ملوكًا على بلاد اليمن، وقد تولى أبوه “إسحاق بن الصباح” إمارة “الكوفة” في خلافة “المهدي” ومن بعده ولده “الهادي” ثم “هارون الرشيد” وفي الكوفة ولد يعقوب المكنى بأبي يوسف والملقب بالكندي والمعروف بـ “فيلسوف العرب”.
تعلم الكندي في صغره تعليمًا مثمرًا وحقيقيًا، بدأ بتلقي مبادئ القراءة والكتابة، ثم تعلم النحو حتى أتقنه وتبحر في العربية، ودرس الفقه والعقائد حتى برع في “علم الكلام” على أنه سرعان ما انصرف عن هذا المجال إلى العلوم المادية وأولها الطب، واهتم في الوقت نفسه بالفلك والرياضيات التي أولع بها، ومن باب الطب دخل إلى عالم الفلسفة وشارك في ترجمة كتبها، وكان يصلح ترجمة غيره ويضبطها بلغته الفصيحة وتمرسه في علوم البلاغة.
وهكذا خاض الكندي في بحر الفلسفة بما لا يناقض الإسلام لأنه آمن بحدوث العالم وأن الله خلقه من العدم وعلى غير مثالٍ سَبَق، وشرع في تفسير الكثير من كتب أرسطو، ثم ألف كتبًا خاصة به لم تخل من الابتكار والأصالة، وقد نبغ في خلافة “المأمون” و”المعتصم” وكان وثيق الصلة بفرقة المعتزلة حتى عده كثيرٌ من المؤرخين معتزليًا، وكان مؤدبًا لأحمد بن الخليفة المعتصم، كما أدرك زمان “المتوكل” وتوفي عام 255هـ.
والكندي ولا شك أحد الذين عرفناهم بغزارة الإنتاج فقد وصلت مؤلفاته إلى ما يقرب من مائتين وستين كتابًا ورسالة في معظم ألوان المعرفة وشتى الفنون، وقد كتب في المنطق والرياضيات والفلك والموسيقى و”الفيزيقا” و”المياتفيزيقا” أي: علم الطبيعة وما وراء الطبيعة، كما كتب في الأخلاق والسياسة والكيمياء، ولا عجب من وصفه بـ “فيلسوف الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري” ويعده الباحثون استمرارًا لمدرسة الإسكندرية التي ورث العرب أفكارها ومبادئها بعد نقلها إليهم عبر الترجمة.
وقد عرف المسلمون في مجال الترجمة أربعةً من المهرة، وكان الكندي من بينهم؛ أما الثلاثة الآخرين فهم: “حنين بن إسحاق” و”ثابت بن قُرَّة” و”عمر بن الفرخان الطبري” وحتى نكون أكثر دقة فيمكن القول أن الكندي كان مراجعاً للترجمة ومصلحًا لها أكثر منه مترجمًا، كما أنه في عمله الفلسفي كان كثيرًا ما يقتبس عن اليونان ويلخص أفكارهم ويأخذ منها الزبدة، ومع ذلك فإن إطلاق وصف “الفيلسوف” عليه ليس من قبيل المجازفة ولا التعصب للحضارة العربية، وله في مبحث المعرفة أو “الإبستمولوجيا” نظرية يحسن بنا الوقوف عليها بشكل بسيط حتى لا نخل بهدفنا من هذه المقالة التي نعرف بها القارئ الكريم إسهامات الكندي وازدهار الحضارة العربية في زمانه، فربما أقبل على المزيد من القراءة حتى يصبح مثل الكندي وأقرانه من العلماء الأفاضل.
وأول ما يمكن أن نتشبه من خلاله بالكندي هو ثقافته الموسوعية وحبه الشديد للعلم، ومعرفته بلغات أخرى غير العربية، ومنها “السريانية” التي عرفها وأتقنها وصنف بها رسالة صغيرة،وكان يدفع أموالاً لبعض المترجمين من “السُريان” والمعروف أن مترجمه الخاص منهم كان اسمه “أسطاث” وربما كان الكندي أيضًا على معرفة باللغة اليونانية، ولكن لأن الدليل لا يواتينا في هذا الشأن فنحن نتحرج من إطلاق القول بمعرفته باللغة اليونانية، والشاهد أن ثقافته لم ترتبط باللغة العربية وحدها؛ بل قد وسع مداركه بلغات أخرى يقف من خلالها على خبايا العلم وجواهر الأفكار.
وللكندي رسائل تعليمية من حسن حظنا أن بعضها بقي حتى اليوم، وفيها يبدو لنا الوجه المشرق لهذا العالم الذي لم يكن ناقلاً مترجمًا فحسب؛ وإنما رأيناه ذلك المفكر المستقل الذي هضم المعارف السابقة وتمثلها ثم أبدى فيها رأيه العلمي الخاص بعد مقارنة وترجيح وإضافة، وهذه الرسائل تنفع الدارسين لأنها كُتِبَت لهم وراعى فيها الكندي سهولة اللغة ووضوح الفكرة والترتيب، وبعضها كتبه من أجل “أحمد” ابن الخليفة المعتصم، فيما كتب البعض الآخر ردًا على أسئلة بعض المستفسرين من طلابه، فلهذا جاءتنا على هيئة أسئلة وإجابات.
ويظهر لنا أن الكندي كان يستقبل الطلبة في داره؛ إذ لم يكن للفلاسفة المسلمين مدارس على النحو المعهود في “أكاديمية أفلاطون” و”لوقيون أرسطو” أو “حديقة أبيقور” وإنما كانت المدارس للفقهاء والمحدثين، وهي مدارس العلم الشرعي التي عرفها المسلمون في عصر الأيوبيين والمماليك من بعدهم، وكان لها أساتذة متفرغون يتقاضون الرواتب الثابتة، ويأخذ الطالب “جراية” من الطعام وبعض الدراهم، أما الفلسفة فكانت محل ارتياب، وقد شملت وصمة الكفر كثيرًا من المشتغلين بها، فلذلك كانت مدارس فلاسفة المسلمين معناها صحبة الفيلسوف والذهاب إليه في داره أو مكتبته.
وكانت مكتبة الكندي واسعة وعظيمة جدًا حسبما ورد في كتب التاريخ، ومن هذه المكتبة كانت محنة هذا الفيلسوف، وكان ابتلاء الكندي من أخوين هما ” أحمد بن موسى بن شاكر” وأخوه “محمد” فقد سرت فيهما شهوة الكيد للعلماء، وكانا ينالان بالأذى كل من عرف عنه التقدم في الفكر والمعرفة، ولهذا وَشَيا بالكندي عند الخليفة “المتوكل” فأتى به وضربه، والظاهر أن علاقته بالمعتزلة ساهمت فيما لحق به من أذى، وكان المتوكل خصمًا لدودًا للمعتزلة كما هو معروف.
ولم يكتفِ “المتوكل” بضرب الكندي؛ بل وجه “أحمد بن موسى” وأخاه إلى دار الفيلسوف ليأخذا كتبه فأخذا الكتب كلها، ثم وضعا هذه الكتب في خزانة خاصة عُرِفَت بـ “الكندية” وما لبث المحنة أن تولت ورضي الخليفة عن الفيلسوف، وعادت كتبه إليه فعادت إليه روحه.
و للكندي نظرية في “المعرفة” أشرنا إليها آنفًا، ومفادها أن المعرفة لها ثلاث طرق: الحس، أو العقل، أو كلاهما معا، وبذلك يصل طالب الفلسفة إلى بعض المعارف عن طريق الحس والتجريب، وإلى البعض الآخر عن طريق التأمل العقلي، ويمكن له إلى ذلك أن يأخذ مادة المعرفة من الحس ثم يعمل فيها العقل مستعينًا بأداة هامة وهي “الرياضيات” التي فضلها على المنطق متأثرًا بأفلاطون، ولابد له في هذا البحث من أربعة أمور وهي: الطلب – البحث- الأداة- الزمان، فالطلب سعيه إلى غاية، والبحث تفتيشه عن الخفايا، والمعرفة ثمرة البحث، ولا يكون البحث إلا بالطلب. ولهذا البحث أدوات ثلاث: الرياضيات والمنطق والزمان.
ولعل قيمة الكندي إلى كل ما سبق تكمن في موسوعيته، وفي اهتمامه بالعلوم التي تشكل حضارة أمته من الوجهة المادية، ولذلك اشتغل بالكيمياء وما يتصل بها، وله رسالة في “السيوف” تدل على معرفته بالمعادن وصناعة الحديد والصلب، وكان يهتم بالدراسة النظرية وأيضًا بمخالطة الحرفيين والصناع، وهذا يثبت لنا أن الفلاسفة المسلمين كان لهم السبق في النظر الواقعي والاهتمام بالعلم، وقد عرف الأوروبيون الكندي أكثر من بعض العرب وذلك من خلال كتبه المترجمة إلى اللاتينية والتي لا يزال بعضها موجوداً ليشهد على تفوق العرب ذات يوم.





