في سيميائيّة الكذب والسرقة (9)
الوعظ الأخلاقيّ في مواجهة فوبيا السيميا وتحدّيات السّيميائيّة
محمّد خريّف*
الوعظ الأخلاقيّ أساس ترويج المعتقد الدينيّ وأداته في التسويق العلاماتيّ من أجل نشره و الذود عن وجوده وبقائه باعْتبار ما للكلمة من سلطة معنويّة فاعلة في توجيه النفس أمّارة الجسد بالسوء ،ومن السوء ما يخشاه ذلك الوعظ الأخلاقيّ على ذلك المعتقد من خطر أفكار وعلوم أخرى قد تنحرف برسالة ذلك المعتقد المنزّل بحكمة ربانيّة وتخلّ بنظام التواصل في خطابه القائم سلطانه بمصادرات التسليم والتعميم فالتبسيط دون الشك وسوء الظن والتفصيل فالتعقيد تحسبا لما قد يلحق الضير بمصداقيته وشرعيّته من آفات اللحن و الانتحال فالتحريف والمسخ خوفا على نصّ” الدوكسا” من ضياع معناه السرمديّ وتلفه، وما الوعظ الأخلاقيّ باعتباره ركنا أساسيّا من أركان الإيمان بالمعتقد إلاّ مُؤتمن بتوفرّ حسن النية وصدق الإيمان على حماية النصوص السماوية العظمى ومنها “القرءان” دستور الله في الشريعة الإسلامية، ما على المؤمن الصادق في إيمانه إلاّ أن يبشّر به ويحميه بالرعاية المعنوية والمادّية فيضمن له الانتشار على أوسع نطاق،وعينه ساهرة على سلامته بقلبه ولسانه، واللسان لافظ الوعظ الأخلاقيّ وسبيل انجازه عن طريق جهاز التصويت بالمحاكاة وتمثيل المحاكاة سواء بإنشاء الطلب أو خبر الرّواية ومن مراسمه العنْعنة واستحضار شواهد بالتمثيل والتمثّل من ممسوخ السِّيَر والوقائع التي من شأنها أن تحدث الجدل المذهبيّ الذي يتشكل بالعلامات وفضاءاتها ومقاماتها ليكون الردّ به حاسما على المناوئين من أصحاب العلوم التي تعدّ في نظر علوم الشرع والشريعة من علوم البِدَع والخوارق المستهجنة ومنها علوم لها صلة بعلوم السحر والشعوذة وغيرها من علوم غُلاة المتصوّفة و مُدّعي النبوّة وغيرهم ممن يقارع سجع القرءان بسجع الكهان وللسجع سُلطة الحجاج بالأمر وضده، سلاح هذا وذاك، وهي من سُلط الإعجاز تلجم الأفواه بمفعول إيقاع المعادلة وهالة الناطق بها فتقصي الأفكارُ الأفكارَ والعقائدُ العقائدَ ويخشى المترسخ منها على صرامته من تهديد الطارئ عليها ومن العقائد المتصلّبة بعقيدة التسليم و المصادرة ومنها عقيدة الأديان السّماوية عقيدة الصّراط المستقيم و “القرءان” نصّ من نصوصها مقدّس مُلهم علوم الدّين وباني صرح منارتها تشعّ بنورها السّاطع الهادي على سائر العلوم المتفرّعة عنها السائرة على نهجها بفضل الوعظ الأخلاقيّ القائم في القلوب والعقول على مبدأ التقوى، والتقوى خوف من الله وعلى علوم شرعه من شرّ علوم أخرى تعدّ من علوم هلْوسات الشّيطان الرجيم الخناس، يوسوس في صدور الناس وهي علوم يُخشى منها على منظومة الإيمان بصواب الوِجهة الربّانيّة من خطر تغيير الوِجهة كما يقول ابن خلدون، وما الوجهة الحقّ في علوم الشريعة ألا وجهة الصّراط المستقيم وهي وجهة صُلبة هشّة :صُلبة بهيْكلة نحو الجملة المفيدة فيها ومقامات بلاغتها وتأثير وقع التطريب فيها، هشّة لكون مادّتها قُدّت من صُلْب الكلمة ورحمها والكلمة اسم وفعل وحرف في نحو العربية وفقهها، والكلمة علامة كاذبة فارغة ، ماسخة ممسوخة، في فلسفة السّيميائيّة الحديثة التي تتحدّى العلوم القائمة بسُلطة الوعظ الأخلاقيّ وهي سلطة سيميا بدائيّة ميتافيزيقيّة مُلهمها الاسم وأسرار الاسم به تعلن الفتح المبين وان كانت تخشى علوما تربكها مثل علم أسرار الحروف المعروف بالسيميا وسلاحها الكلمة والكلمة”اسم” أي علامة وسم مملوءة بوهم عقيدة الوعظ الأخلاقي فارغة بواقع التفكيك السّيميائيّ قائمة بمقامات التمثّل والتمثيل وخطابها خطاب الخداع بالخداع وبالخداع يكون بصدق الكذب ف وأمانة السّرقة، سرقة الذات الطبيعية بالكلمة و الكذب عليها بوسم الكلمة منذ الطفولة, والوسم تسمية باعتباره مدخل الوعظ الأخلاقي وسبيله وهو قرينة خطاب الصّدق والوفاء لا قرينة خطاب الكذب والسرقة المنبوذ من الشريعة وما إليها من فلسفة التنوير و التحليل ما يجعل خطاب الكلمة أي التسمية ومنه خطاب الوعظ الأخلاقي حسب خطاب التفكيك الفلسفي السيميائيّ قابلا للنقض بالشك وسوء الظنّ فيه وفي صرامة مايدّعيه، و خطاب التفكيك في فلسفة الاختلاف ومن ثماره نشوء فلسفة العلامة التي لا تهاب خطاب الوعظ الأخلاقي وسمياه- التي يجسّدها خطاب التسمية المركوزة في النفوس بأمر التنزيل والتعليم- فهي لاتخشاه بل تتحدّاه فتجرؤ على تفكيكه تفكيكا سيميائيّا و من التحدّي الدعوة الصريحة إلى التحرّر منه بدراسته المفارقة بثا وتقبّلا، وما على الباحث في علاقة فقه الكلمة بفلسفة العلامة ألاّ يغفل عن البحث في أسباب خشية علوم الشريعة من علوم أخرى قد تشترك معها في الخداع بالاسم مثل علم السيميا المعروف بعلم “أسرار الحروف” الذي ينسبه ابن خلدون في المقدمة* إلى البوني وابن العربي ، وهو علم يتحاشاه في العادة حاملو لواء الوعظ الأخلاقيّ من علماء الشرع والفقهاء ومن لفّ لفّهم وفيه يقول ابن خلدون في فصل ” علم أسرار الحروف” :”وهو المسمى لهذا العهد بالسيميا نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح المتصوفة فاستعمل استعمال العام في الخاص وحدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حساب الحس وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر وتدوين الكتب والاصطلاحات ومزاعمهم في تنزل الوجود عن الواحد وترتيبه وزعموا أن الكمال ألأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب وأنّ طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء فهي سارية في الأكوان على هذا النظام والأكوان من لدن الإبداع الأول تنتقل في أطواره وتعرب عن أسراره فحدث لذلك علم أسرار الحروف وهو من تفاريع علم السيميا لايوقف على موضوعه ولا تحاط بالعدد مسائله تعددت فيه تأليف البوني وابن العربي وغيرهما ممن اتبع آثارهما وحاصله عندهم وثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الالاهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان ثم اختلفوا في سر التصرف(ص359) ” فالسيميا باعتبارها فرعا من فروع علو م السحر والطلسمات وهي علوم بكيفية الاستعدادات النفسية للبشر كانت من العلوم المهجورة عند الشرائع كما يقول ابن خلدون في فصل علوم السحر و الطلسمات إذ يقول” هي علوم بكيفية استعدادات النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية والأول هو السحر والثاني هو الطلسمات ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقود بين الناس إلا ما وجد من كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبوة موسى عليه السلام مثل النبط و الكلدانيين ..(ص 354) فكأني بابن خلدون وهو يقرّر البحث في علاقة السيميا بعلوم الشريعة والإسلامية يقرّ بأهمية الوعظ الأخلاقيّ في الشريعة لتجنّب الخروج عن الصّراط المستقيم صراط الوجهة إلى الله من جهة كما يقرّ بخطر الخداع ومنه الكذب والسرقة على مايسمّيه “العصبية” الشاهدة على وجود الملك و الضامنة لدوامه ومن قوادحها “النّعرة” حافز الانقياد المطلق للوفاء والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة إذ يقول في ذلك ” فقد تبين أن خلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وجدت له العصبية فإذا نظرنا في أهل العصبية ومن حصل لهم الغلب على النواحي والأمم فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله من الكرم والعفو عن الزلات والاحتمال من غير القادر والقرى للضيوف وحمل الكل وكسب المعدم والصبر على المكاره والوفاء بالعهد وبذل الأموال في صون الأعراض وتعظيم الشريعة وإجلال العلماء الحاملين لها والوقوف عند ما يحددونه لهم من فعل أو ترك وحسن الظن بهم واعتقاد أهل الدين والتبرك بهم ورغبة الدعاء منهم والحياء من الأكابر والمشايخ وتوقيرهم وإجلالهم والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه وإنصاف المستضعفين من أنفسهم والتبذل في أحوالهم والتواضع للمسكين واستماع شكوى المستغيثين والتدين بالشرائع والعبادات والقيام عليها وعلى أسبابها والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد ” (المقدمة ص 103)،فابن خلدون وان لم بهمل العناية بالبحث في أسباب الفساد المؤذنة بخراب العمران ومنها المكر والخديعة والخداع وهي من الكذب والسرقة فانه حاول دراستها بربطها بالعوامل الاجتماعية والاقتصاديّة في بيئة معينة وزمان معيّن فان خطابه لم يخْلُ من بصمات الوعظ الأخلاقيّ من خلال تكثيف عبارات التجافي عن الخداع وإجلال علماء الشريعة والمشايخ والانقياد لهم في حياء وحسن ظنّ بهم وبعلومهم و الوعظ الأخلاقي قد يُحسم في أمره بالتمام أو يكاد من قبل علماء السيمياء الحديث ولاسيما من روّاده القائلين بضرورة البحث في الكذب و قرينه السرقة بمنأى عن الوعظ الأخلاقي وهو القائل(أي ابن خلدون) بإبطال الفلسفة خشية من علمها على الدين وعلومه وفي ذلك يقول “هذا الفصل وما بعده مهم لأنّ هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن و ضررها في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها وذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه وما وراء الحسي تدرك ذواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأنّ تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني محب للحكمة فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي بالعقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق ومحصل ذلك إن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل إنما هو الذهن في المعاني المنتزعة عن الموجودات الشخصية فيجرد منها أولا صورا منطبقة على جميع الأشخاص كما ينطبق الطابق على جميع المنقوشات( المقدمة ص 378) ولعل الخشية من ضرر الفلسفة على الدين يوازي عند ابن خلدون الخشية من خطر الخداع على العصبية التي تلتقي بدورها مع أمر الخشية على علوم الشريعة من علوم السيميا فوجب تبعا لذلك إبطال مثل هذه العلوم وأخذ الحذر منها وهو ما يتنافي أو يتحدى خطاب السيمياء في مفهومه الحديث ذلك الخطاب المتماهي مع خطاب فيكو التاريخيّ الناقد للخطاب التحليليّ الأرسطي والديكارتي وهو خطاب قد يشبه إلى حدّ مّا خطاب ابن خلدون الخاص بالعمران البشري ولاسيّما في ما يتعلّق بربط الظواهر بمكانها وزمانها ومنها ربط ظاهرة الكذب والسّرقة وسائر أنواع الفساد المؤدية إلى خراب العمران البشريّ بمحيطها التاريخي والجغرافي وبين ابن خلدون(1332-1406)(1)و فيكو (1668–1744 ) (2) -مسافة تباعد في الزمان والثقافة. ،وان كان خطاب ابن خلدون لا يخترق سقف القول بخطر الخداع وسائر أنواع المكر على “العصيّة” أساس الملك بما يلحق الضرر بالعمران البشريّ ،في حين يرى غيره من فلاسفة البحث في فلسفة الكذب وتاريخه ومنهم حنة ارتدت وكواراي وغيرهما أنّ الكذب ومنه السياسيّ على وجه التخصيص قد ساهم و يساهم في صعود نجوم السياسة بما يؤدي الى ازدهار العمران البشري الامبرياليّ العالميّ وهو ما قدلا يراه ابن خلدون ولا يقبله من خلال دعوته الأخلاقيّة المستنبطه من صيغ التعليم والتربية وغايتها التنبيه والتذكير بواجب التجافي عن الخداع وواجب إجلال العلماء و غيرهم وهو أمر يتنافى أيضا مع أطروحات التفكيكيّة الدّاعية إلى سوء الظن بالعلماء ولاسيما علماء الزيف والتمويه فالخداع وان كانوا منزّهين في الغالب عن الخداع من عامة الناس بفضل زيف التمثيل والتظاهر على مستوى الشكل بسلوك رجم شيطان الكذب والسرقة و سائر مظاهر الخداع والتمويه، وهم بالوعظ الأخلاقي يحتكرون سلطة امتلاك الحقيقة العلمية المطلقة والفضل في ذلك يعود إلى ما يكون لهم من هالة خداع الشكل ومن الشكل زيّ العالم أو الشيخ وما يضمنه له من وقار السّلطة الزائف و هو من الأمور التي تدعو فلسفة الاختلاف إلى تفكيكها وسبيلها في ذلك فضح هالة زيف الشكل وخرقها بالتحرّر من نير الوعظ الأخلاقي لا بإقصاء الخداع ومنه الكذب والسرقة بالإدانة والنبذ ليتسنى تفكيكه بالبحث المختلف فيه دون خوف من أو على عقيدة جهويّة أو عصبيّة قبليّة. وما عُقدة الخوف إلا آفة مرضيّة فردية-جماعيّة تُعدّ من عاهات إبطال علوم دون علوم بذريعة الشيطنة والإدانة الأخلاقية ، والسيميائية علم مترقّ يقطع بالتمام مع الوعظ الأخلاقيّ وأطروحاته ، وبالقطع العلاماتيّ في غير مهادنة ولا مجاملة لسلطان الوعظ الأخلاقيّ ومريديه تقدر السيميائيّة الحديثة على نقد السيميا بالسيميائية والسيميائيّة بالسيميائيّة المضادّة المتطورة المتجدّدة بالمفارقة و مسار فلسفتها العلاماتيّة طويل مُربك له فلاسفته و علماؤه يجادلون فيه ويتجادلون فينقد بعضهم البعض فيصير للكذب فنّ وجمالية مع أيكو فعبقريّة مع نودلمان** كما يصير للخداع أو التمويه سلط مع ديكو*** مما يدعو إلى إقصاء الوعظ الأخلاقي على غرار ما تدعو إليه حنة أرندت ومن لفّ لفها **** لكن رغم ما يتعرض له الوعظ الأخلاقي من تحدّيات التفكيك بالنقد والنقد المضادّ في ذهنيّة الفكر السّيمائيّ الحديث فانّ ذهنية اللاّسيمياء في ثقافة فقه الكلمة لاتزال سيّدة الموقف ، شوكتها لا تلين و لا تقهر فيكون لها القول الفصل و”الكلمة الأخيرة ” ولا كلمة أخيرة في الفكر المختلف الحديث ،فكان لكلمة الوعظ الأخلاقي من نفوذ الهيمنة الصارم على الأرواح والأجساد ما يمنع من ظهور بصيص من التفكير في نشوء فكر سيميائيّ ولو من باب التجربة والتجريب في خلافة الوعظ الأخلاقيّ حيث تجثم ذهنية التسليم اليقينيّ للاسم عقبة في سبيل الفكر الحرّ المتمرّد حيث يغيب النصّ الفلسفيّ السّلباني المتمرّد المختلف أو يتقهقر فيجهض أو يموت في المهد لتحضر نصوص الابتذال والتقليد فالتهميش والشعوذة فلا نصّ لرواية يعدل نصّ الوعظ الأخلاقيّ وسنده” القرءان” ولا نصّ يخترق منظومته ولا إبداع يخترق أدبيّات ذلك النصّ الأوْحد الوحيد أو حتىّ ينافس النصوص الدائرة في فلكه، والوعظ الأخلاقيّ- وَ إن كان له خارج منظومة فكر “الملّة” ملّة التراث العربيّ الإسلامي ما لا يجعله بمنأى عن التأثر بتجارب الرفض والعقوق فالتفكيك السّلبانيّ المختلف ، فانّه في فقه الملة الإسلامية وعمدة شريعتها “الكلمة”يظلّ مفهوما تقليديّا مبهما مقدّسا مهيمنا ، إذ هو من التابوهات التي لايجرؤ علم من العلوم المستحدثة على نقدها أو تفكيكها وان لم يكن الوعظ الأخلاقيّ سوى منظومة علاماتيّة مُتعالية بوهم التوقيف عن واقع الإفادة صنيعة الوجود الإنساني المادّي القائم معناه باختلاف المفارقة لا المقاربة ، وهو الذي يُدين الخداع ويمارس الخداع في نفس الوقت يرفض السيميا ويمارس حيل السيميا وخداعها-. هو يدعو إلى التجافي عن الخداع والذود عن الحق بما ملكت أيمانه لكنه يخادع ويناور فيموّه بعلامات اللسان والإشارة.شانه شأن فلاسفة ومفكرين يلوّحون بإدانة الوعظ الأخلاقيّ وما يمارسه من خداع الكذب والسرقة لكنهم يخادعون فيكذبون بدورهم ويسرقون والوعظ الأخلاقيّ يسري قي دم العلامات وليست أجسادا طبيعيّة وان صارت نصوصا علاميّة علميّة عظمى لاعلاقة لها بتلك الأجساد وان يهابها الجميع ، ولنا من نصوص في المدوّنة العربيّة الإسلامية وان كانت منبوذة مهمشة من قوة المحاكاة الساخرة ما يزعزع فينا الإيمان بصدق المحاكاة محاكاة التبسيط لا التعقيد ويفضح عن طريق رصد بصمات التأثر والتأثير ومن لوافتها الاستهلال بالاسم والدّوران في فلكه على إيقاع السّجع والافتنان بسرد الخبر وتشويق الخّرافة وتمويه العنعنة في سند رواية الحديث والسنة في غياب الوعي السيميائيّ التفكيكيّ و فواعل التأثير ألعلاماتي فيه من فواعل الفواتح بالأسماء والقسم بها و الاحتكام إلى صيغ في التعبير بالخطابة ورأس الكذب فيها السجع و غيره من معادلات الكلام لا الكلم والوعظ الأخلاقيّ رأس ماله الكلمة الصادقة الوفية في منظومة البيان الخادعة الخائنة في مفهوم السّيميائيّة الحديث – والكلمة وَسْم يغيّب الفعل المادّي ويمحوه بالفعل النحويّ وحياده مفترض بالمضيّ والغيبة وهوالفعل الحكائيّ الخرافيّ يمسخ الفعل المادّي ويمحوه الآن هنا مايجعل المؤمنين القائلين بصدق شهادة الكلمة يتكلمون عن الأموات بأسمائهم، وكأنهم أحياء يرزقون لا مجرّد كلمات والكلمات أسماء تمحو الذات الطبيعية كذبا وسرقة في الحياة فما بالك في الموت ؟ ، وللسّجع كما للاسم وغيره من بصمات تورّط الوعظ الأخلاقي في الخداع رغم الدّعوة إلى التحافي عن الخداع بالخداع قانون صراطه المستقيم وعلامته الحمراء السجع وما يعادلها من علامات الاسم وسائر الأساليب البلاغية وهي من الظواهر اللافتة في تناول سيميائيّة الكذب والسرقة بالدرس والبحث؟
هوامش
*ابن خلدون : المقدمة- دار المصحف – القاهرة- شركة مكتبة ومطبعة عبد الرحمان محمد- القاهرة
1-Biographie d’IBN KHALDŪN (1332-1406) https://www.universalis.fr/encyclopedie/ibn-khaldun/3-ibn-h-aldun-historien-la-muqaddima/
2-Biographie de GIAMBATTISTA VICO (1668-1744) https://www.universalis.fr/encyclopedie/giambattista-vico/
**MAXIME DECOUT pouvoirs de l’imposture, éditions de Minuit 2018
***Jacques Derrida : L’histoire du mensonge Prolégomènes, éditions de L’Herne Paris 2005
****François Noudelmann :Le génie du mensonge, éditons, Edité par Pocket. Paris – 2017
*ناقد من تونس




