أحمد ماهر عبد الواحد
حدث ذلك منذ أكثر من ستين عاماً، في تلك الفجاج الممتدة بين إب وتعز في اليمن، حيث لا يفصل بين المدينتين سوى ستين كيلومتراً من التلال الخضراء والقمم الضبابية. هناك، في تلك النواحي، كان يعيش رجلٌ يملك حقولاً واسعة من البطاطا، يعتاش من زراعتها وبيع درناتها، ويقصده المزارعون من كل حدب وصوب. كان يعيش هانئاً وادعاً مع زوجته وطفلٍ صغير لم يتجاوز السنة والنصف من عمره؛ صبيٌ بدأ يخطو أولى خطواته المتعثرة على تراب الدنيا، ويتمتم بأولى أبجديات الطفولة الفاتنة، فتملأ ضحكاته البيت دفئاً وبهجة.
في ذلك الزمان البعيد، كانت الحياة بسيطة، والمشاق عظيمة. فإذا ألمّ بأحد الناس مرض، شدّ الرحال إلى صنعاء. نركب سيارات البيجو الشهيرة، يتكدس فيها سبعة أو ثمانية ركاب، وتقطع الطريق الوعر في ثماني ساعات كاملة بين صعود وهبوط، حيث كان الأسفلت لا يزال في بداياته، وما تبقى من الطريق بريةً موحشة.
ألمّت بزوجة ذلك المزارع وعكةٌ صحية استلزمت السفر إلى صنعاء. سافرت بصحبة زوجها وابنها، ذلك الصبي الأصهب الذي امتزجت حمرة الشمس ببياض وجهه. وهناك في صنعاء، تلقت الزوجة علاجها، ثم قفلوا راجعين في جنح الليل.
ومع تمايل السيارة بين المنحدرات والمنعطفات القاسية، اشتد على الزوجة الغثيان، والليل قد أرخى سدوله، ولم يبقَ على الوصول إلى تعز إلا مسيرة يسيرة. ضاقت بها الأنفاس، فقالت لزوجها بصوت واهن: قل للسائق أن يقف جانب الطريق، فإن جوفي ينقلب.
توقفت السيارة في غياهب الظلمة. فتحت المرأة الباب، وتوارت خلف شجرة قريبة لعلها تستريح من وعثاء السفر. وكان الركاب في جوف السيارة صامتين ينتظرون.
وفي تلك اللحظة، وبخطى وئيدة متعثرة، نزل الطفل الصغير يتبع أثر أمه في العتمة دون أن يلحظه أحد. كان الليل يبتلع التفاصيل، والصغير لا يبحث إلا عن دفء أمه.
عادت الأم إلى السيارة، وظنت في عتمتها أن صغيرها ما زال غافياً في المقعد الخلفي. دار المحرك، وانطلقت المركبة تشق عباب الليل، غير عالمة أنها خلّفت وراءها قطعة من قلبها وحيداً في براري المجهول، لا ناصر له إلا الله. ومع خيوط الفجر الأولى، تنهدت السيارة على مشارف تعز. نزل الزوجان، ومدّت الأم يدها تتحسس موضع الصبي .. لكن المقعد كان خالياً كالفجيعة! تجمد الدم في عروقها، واهتزت أركانها وهي تصرخ ملء حنجرتها صرخة شقت الفجر: الولد! أين الولد؟!
صُعق الأب وشعر كأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، ثم قال على عجل: اذهبي إلى البيت، وسأعود أنا والسائق نتتبع الطريق.
انطلق الأب يستحث السائق، يفتشان في كل محطة، وفي كل موضع وقوف، يسألان المارة ويقفوان الأثر. سار الأب في القرى والأسواق أياماً طويلة، لكن الدرب كان يمتد بين مئات المزارع والتجمعات الصغيرة؛ ومع ذلك، وا أسفاه، لم يعثرا له على عين ولا أثر. انقطعت السبل في زمن خلت فيه الأرض من الهواتف ووسائل الاتصال، فصار الشوق جمرة لا تخبو في الضلوع، وضاع الأمل في متاهات الصمت الطويل.
في تلك الليلة عينها، كنت أتجول في مزرعتي كعادتي. كانت سنابل الذرة قد شقت الأرض وارتفعت سيقانها الخضراء، وكنت أروي الزرع في ظلمة الليل. وفجأة، تناهى إلى سمعي صوتٌ نحيل؛ بكاء رقيق مزق سكون الليل.
تتبعت الصوت بقلب يرجف، حتى عثرت على الصبي .. كان يبكي بحرقة تذيب الصخر، ووجهه مبلل بالدموع. حاولت أن أستنطقه، أن أعرف اسمه أو أهله، لكنه كان أصغر من أن يفك شفرة الكلام أو يفهم ما يُسأل عنه.
وكنت يومها قد أمضيت ثماني سنوات من الزواج دون أن يرزقني الله ولداً. سألت القبائل المحيطة، ونشدت الوجهاء، وبحثت عن أهله بكل ما أوتيت من قوة، لكن أحداً لم يخبرني بضياع طفل. فحملته بين يدي كأنه هدية من الله، وسرت به إلى زوجتي، فضمّته إلى صدرها ضمةً أفرغت فيها أعوام الحرمان والانتظار كلها.
تلاحقت الشهور، وتلتها الأعوام، ولم يطرق بابنا طارق يسأل عنه. أسميته صادقاً، ولقبته بـ الصهباني تيمناً بلون شعره الأصهب اللامع كالشمس. وسبحان من يفتح أبواب رحمته إذا أغلقت العقول أسبابها؛ فما إن مر عام واحد على وجود صادق بيننا، حتى حملت زوجتي، ورُزقنا بولد، ثم آخر، ثم ثالث، ثم بابنتين. وبارك الله دارنا ببركة ذلك الطفل.
كبر صادقٌ وعاش معنا خمسةً وعشرين عاماً، كان فيها فلتةً من فلتات الزمان في ذكائه ومروءته؛ تعلم الحراثة، وأسرار الآلات، وفنون الزراعة، وحمل عن كاهلي من الأعباء ما تنوء به الجبال.
ومع مرور السنوات وتداخل الملامح، تلاشت فروق السنِّ بينه وبين ابني الذي يليه، حتى إن الناظر إليهما اليوم ليحسبهما توأمين. كانت القبيلة كلها تعلم أنه ليس من صلبي، لكنه كان قرة عيني، وسندي الذي أشدُّ به أزري وأعتز به.
ودارت الأيام دورتها، وجاء موسم زراعة البطاطا. وكان التاجر الذي كنت أشتري منه الدرنات قد توفاه الله، فسألت عن أجود الدرنات، فقيل لي: إنها عند تاجر في نواحي تعز. فقلت لولديّ: يا صادق، خذ أخاك ولنذهب معاً لشراء الدرنات.
وصلنا إلى دار ذلك التاجر، واشترينا البذور، وكانت الحمولة ثقيلة تحتاج إلى نقلتين، فقلت لولديّ: اذهبا أنتما بالشحنة الأولى، وأنا سأبيت الليلة ضيفاً عند التاجر، وتعودان غداً لنقل البقية.
وبينما كان صادق وأخوه يحملان الأكياس، كانت زوجة التاجر تراقبه من خلف سترها، وفجأة .. اضطرب شيء عتيق في أعماقها، زلزالٌ صامت هز كيانها. حدقت فيه طويلاً، ثم التفتت إلى زوجها والدموع تترقرق في عينيها كالنهر: والله إن هذا الشاب قطعة مني .. أشعر أن في ملامحه وحركاته شيئاً من روحي!
فقال زوجها بأسى: يا امرأة، استغفري الله .. لقد مضى على فقد ولدنا خمسة وعشرون عاماً، وكلما رأيتِ شاباً ظننته إياه! إن ولدنا إن لم يكن قد مات، فقد غاب في غيابات الأرض إلى الأبد.
في المساء، بعد أن تناولنا العشاء وجلسنا نتسامر، سألني التاجر: من أي البلاد أنت؟ فأخبرته ببلدتي ومزرعتي، فتنهد تنهيدة حارة كادت تحرق صدره وقال: آه .. لتلك البلاد في قلبي غصة وذكرى لا تفارقني. قلت وقد أوجست خيفة: خيراً إن شاء الله، ماذا حدث؟
فقال وعيناه ترحلان في الماضي: قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت عائداً من صنعاء مع زوجتي وطفلي، توقفت السيارة في الطريق، ونزلت زوجتي خلف شجرة، ثم اكتشفنا بعد ساعات أننا فقدنا ولدنا هناك، ولم أكن أعلم يومها في أي موضع من الطريق تركناه.
شعرت أن قلبي قد توقف لحظة، وانتفضت في مكاني، وسرت قشعريرة باردة في أوصالي، وقلت وصوتي يرتجف: وكيف .. كيف كان شكله؟
قال والدموع تغلبه: كان طفلاً أصهب الشعر، وفي عنقه شامة صغيرة واضحة لا أنساها.
فقلت وأنا أكاد لا أصدق أن القدر ينسج خيوطه أمامي: وفي أي وقت من السنة كان ذلك؟
قال: حين كانت الذرة قد شقت الأرض وبدأت تنمو خضراء.
عندها، غلبتني دموعي وانهمرت على لحيتي، وقلت بصوت مخنوق بالعَبَرات: سبحان الذي ساقني إليك سوقاً! والله إن أحد الشابين اللذين حملا البذور اليوم هو ولدك!
بهت الرجل وشخصت عيناه وقال مذهولاً: ماذا تقول؟! والله ما أفهم ما تقول!
قلت: والله إنه ولدك، وما زالت في عنقه الشامة التي وصفتها.
سمعت الأم الحديث من وراء الخدر، فلم تملك نفسها، وخرجت باكية مذهولة تنتحب وتصرخ: أين ولدي؟ خذني إليه!
فقلت لها أطمئن روعها: سيعود غداً صباحاً لأخذ بقية البذور إن شاء الله.
لم تذق المرأة طعم النوم في تلك الليلة؛ كانت تخرج إلى الباب وتعود، وتحدق في عتمة الطريق، وكأنها من الشوق تريد أن تستعجل الفجر.
وفي التاسعة صباحاً، تهادى صوت السيارة من بعيد. فما إن أبصرت الأم المركبة حتى اندفعت كالمجنونة، وحين نزل صادق، ارتمت عليه كأنها تعانق خمسةً وعشرين عاماً من الفقد دفعةً واحدة. أخذت تتحسس وجهه، وكتفيه، وعنقه، تبحث في ملامحه عن ذلك الطفل الذي ضاع منها ذات ليلة، ثم ضمته إلى صدرها وهي تبكي بكاءً يغسل سنين الفراق.
اجتمع الأب والإخوة والأخوات، وتجمعت القرية كلها على الصوت، حتى تحولت ساحة الدار إلى بحر من الدموع والفرح الطاغي. أما نايف وهو اسمه الحقيقي فكان واقفاً مذهولاً، يلتفت يمنة ويسرة ويقول: ماذا حدث؟ ما بكم جميعاً؟!
فدنوت منه، وقلت والدموع تخنق صوتي: يا بني .. هذا أبوك الحقيقي، وهذه أمك، وهؤلاء إخوتك .. هنا ولدت، ومن هنا بدأت رحلتك.
وفي ذلك اليوم اجتمع شملٌ مزقته السنون، وعاد غائبٌ ظنه أهله في عداد الموتى.
فقلت له: يا ولدي، إن شئت أن تبقى مع أبويك الحقيقيين فلك ذلك، وإن شئت أن تعود معي فلك ذلك أيضاً. فأنت اليوم رجل، ولك زوجة وأبناء.
أقام عندهم أياماً ليطفئ لظى صدورهم، ثم عاد إليّ .. قبّل رأسي ويدي وقال وعيناه تفيضان وفاءً: يا عمي، سأبر بأبي وأمي ما حييت، لكن حياتي التي أعرفها هي هنا، وأهلي الذين ربيت بين أحضانهم هم هنا.
فبقي معي، وبقي واصلاً لرحمه، جامعاً بين نعمة الأصل ونعمة الوفاء.
وهكذا أعاد الله إلى قلب أمٍ ولدها بعد ربع قرن من الفقد، وأبقى في قلب الرجل الذي رباه أجمل ما يتركه الإنسان خلفه: الوفاء.
أحمد ماهر عبد الواحد
ربيع 2026


