المجلة الثقافية الجزائرية

كيف “يغزو” الذكاء الاصطناعي هؤلاء المترجمين العرب؟

وداد سلوم*

تظهر أهمية الترجمة المتزايدة في عالم يحتوي أكثر من سبعة آلاف لغة حية وأكثر من مئة لغة رسمية، كجسر أساسي للتواصل بين الشعوب والثقافات وتوسيع دائرة المعرفة الإنسانية وتبادل الإبداعات الثقافية وللتفاهم والتعارف والحوار بينها، ولتمكين التعامل التجاري والسياحي والسياسي، وتبادل الأخبار على كافة المستويات.

لا تقتصر الترجمة على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تتلازم مع الدقة في نقل النص مشبعاً بروح اللغة الأم، والمعنى المرتبط بالتراث اللغوي والذاكرة الإنسانية المشبعة بالرموز الخاصة المتوارثة لكل بلد. فالترجمة فضاء معقّد يتداخل فيه البعد التقني مع البعد الثقافي والإنساني، بل صارت مشاركة في إنتاج المعرفة وحفظ الثقافة.

والترجمة الحرفية قد تنقل معنى مختلفاً تماماً عن المعنى الحقيقي للعبارة، ويصبح ذلك خطيراً في اللغة التخصصية (الطبية مثلاًً)، ما يشكل تهديداً وخطراً على حياة البشر. أو في العلاقات السياسية ما يذكرنا بما ورد في التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن دور سوء الترجمة أو الترجمة الحرفية في تصعيد الخلاف بين الولايات المتحدة واليابان، وصولاً إلى رمي القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي عام 1945.

كتب المقال جاك ألبيروفيتز بعنوان “الترجمة الصحيحة كانت ستمنع إلقاء قنبلة هيروشيما التي أودت بحياة أكثر من 200 ألف إنسان”، حيث ترجمت الكلمة التي استخدمها رئيس الوزراء الياباني في مؤتمر صحافي للرد على تهديد الولايات المتحدة لليابان، قائلاً : نتناقش بصمت مستخدماً كلمة “موكوساتسو” اليابانية والتي تحمل معاني عديدة في اللغة اليابانية، لكنها ترجمت بما يوحي التجاهل بازدراء، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة رفضاً للإنذار، فأعطت الأوامر بقصف المدن اليابانية بالقنابل الذرية.

ومع بداية الألفية الثالثة بدأ استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في عملية الترجمة أمام الحاجة المتزايدة في الترجمة الفورية، والحاجة إلى السرعة في معالجة نصوص ضخمة، مما يطرح سؤالاً ملحاً: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم ترجمة تراعي السياق الثقافي للنصوص يتلافى الأخطاء التي أشرنا إليها؟ وهل بإمكانه نقل النصوص مع مراعاة الأساليب البلاغية والنبرة العاطفية المؤثرة لها؟ وهل يمكن أن يحل محل المترجم البشري سواء في الترجمة الفورية أم في نقل النصوص؟ وإلى أي مدى يمكن للمترجم أن يستعين بالذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي يتفوق في السرعة ومعالجة الكميات الضخمة، لكن السؤال يبقى حول قدرته على فهم السياق الثقافي والنبرة والمجاز وما يخفيه النص بين سطوره

يقول المترجم السوري ثائر ديب، وهو صاحب عدد كبير من الترجمات في الأدب والسياسة والفكر والأبحاث، وعضو لجان تحكيم في عدد من الجوائز العربية الأدبية لرصيف22: “لا شك أن الذكاء الاصطناعي بات يشكل منافساً للإنسان في حقل الترجمة، إنما بمعنى معين فحسب. فهو في الوقت الذي يقوم بأعمال ترجمية كثيرة كان يقوم بها الإنسان من قبل، يبقى مضطراً لأن يتتبّع خطوات الإنسان في حقل الاستخدام اللغوي الواسع المتجدد على الدوام؛ حقل الصراع الأبدي بين لسان المعجم وكلام البشر؛ بين اللغة الميتة في المعاجم واستخدام اللغة البشري الحي، بما ينطوي عليه ذلك كله من مجازات وبلاغات وبدائع جديدة تأتي من أنّ اللغة كائن اجتماعي متجدد ما تجدد البشر وكلامهم”.

ويتابع ديب: “لست مختصاً بالترجمة الفورية ولا أعرف مجاهيلها، ولا الأسباب التي تدفع المنصات ووسائل الإعلام إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، لكني أرى وأسمع مخاوف الاستخدام العربي التجاري للترجمة بالذكاء الاصطناعي. ذلك الاستخدام المتخلف مثل جميع مستورداتنا واستعاراتنا قياساً بمن نستورد منهم”.

ويرى: “لا مانع لدي من استخدام الذكاء الاصطناعي في عملي، مع أنني لم أفعل إلى الآن؛ شريطة أن أتدخل في ذلك بما يضمن أن تبقى الترجمة ترجمتي وبأسلوبي، لا ترجمة الآلة”.

أما جاكلين سلام، وهي شاعرة وترجمانة محلّفة ومترجمة، نشرت ترجمات شعرية وأدبية من الإنكليزية إلى العربية في الكثير من الصحف والمجلات العربية، فترى أن “الترجمان يتفوق على الذكاء الاصطناعي، وسيبقى مديراً لترجمات الذكاء الاصطناعي. فمن خلال تجربتي وعملي المهني في الترجمة الفورية لما يزيد عن عشرين عاماً، أجد أن الترجمة الفورية التي يؤديها الإنسان الترجمان هي التي تعتمد بشكل كلي على أرض الواقع في كندا حيث أقيم وأعمل. هناك طبقات وطيات ومعان ملتبسة وقابلة للتأويل بأكثر من معنى، لا يمكن أن تصل إليها الآلة في هذه الحقبة من العصر رغم التقدم التكنولوجي”.

وتردف سلام في حديثها مع رصيف22: “أعمل كترجمانة أحياناً في أكثر المشافي العالمية تطوراً. حضور الترجمانة شخصياً إلى موقع العمل مهم ولا يمكن التواصل مع المرضى باستخدام تقنية الترجمة الإلكترونية. كل تشخيص أو شكوى يجب أن تسمع وتترجم بدقة، ويتبعها أسئلة للإيضاح. وكذلك الحال في الترجمة مع سلك القضاء والقانون، حيث يكون لنبرة الصوت، وتعابير الوجه، والإحالات الثقافية الاجتماعية تأويل لا يمكن للآلة أن تنجزه.

ولهذا السبب أيضاً، يكون حضور الأشخاص إلى قاعة المحكمة أو المشفى ضرورياً، كي يكون الاستجواب أو المقابلة وجهاً لوجه. مع العلم أننا بدأنا نعمل أيضاً، عن بعد، عبر برامج الصوت والصورة في العديد من الحالات التي لا تستدعي حضور الترجمان أو الشخص إلى المراكز الاجتماعية، كالمحاكم أو المشافي”.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

وتوضح: “كذلك يمكنني الإشارة بأن هناك جزء من المراسلات الأولية البسيطة تجري باعتماد تقنية الترجمة الآلية بين طالب الخدمة (الشخص الذي يحتاج إلى ترجمان) ومقدم الخدمة (الشخص الذي يقرر ويحكم ويشخص الحالات). وهذه المراسلات تكون اعتمادَ موعد للقاء أو اتصال سريع لتحديد موعد لحضور المترجم.

في ترجمة الوثائق الرسمية كالمعاملات الرسمية والتجارية، تكون اللغة مباشرة وواضحة ويمكن ترجمتها بنجاح إلى درجة كبيرة، وهذه يجري اعتمادها حالياً. أحياناً تطالعني صفحات على منصات التواصل الاجتماعي عبارة عن دعايات وتسويق تجاري، أراها بالعربية، وأعرف أن الأصل مكتوب بالإنكليزية، وفيها هفوات مضحكة، إذ ما تزال ترجمة اللغة العربية إلى اللغات العالمية غير متطورة بالقدر الكافي”.

حين تتحدث الآلة بكل لغات العالم، هل تستطيع حقاً أن تفهم البشر؟

وترى سلام أن “ترجمة الشعر والرواية والفلسفة من المستحيل أن تتم إلكترونياً بشكل كامل وآمن. التنقيح يصبح أكثر أهمية هنا. وهنا يهدر المترجم الكثير من الوقت كي يضبط معنى الاستعارات والكنايات والمحمول الثقافي بأمانة كما في المصدر الأصلي”.

يؤكد ذلك المترجم السوري، معتز حرامي: “بالفعل، يشكل الذكاء الاصطناعي منافساً قوياً للإنسان في مجال الترجمة، لكنه لا يلغي دوره تماماً. يتفوق الذكاء الاصطناعي في السرعة والكمية، بينما يتفوق الإنسان في الجودة واللمسة الإبداعية.

تتمثل نقاط قوة الذكاء الاصطناعي في: السرعة الفائقة، فإنه يترجم آلاف الصفحات في ثوانٍ معدودة، وبتكلفة منخفضة، ويوفر بدائل مجانية أو رخيصة جداً للشركات والأفراد. وكذلك التوفر الدائم هو إحدى ميزاته، فإنه يعمل على مدار الساعة دون تعب أو توقف. إضافة إلى أنه يدعم لغات متعددة، فيتقن الترجمة بين مئات اللغات فوراً.

بينما تتمثل نقاط تفوق الإنسان في: فهم السياق والثقافة، فإن البشر يدرك المصطلحات الشعبية، النكات، والتعابير المجازية بدقة؛ الإبداع الأدبي: تعجز الآلة عن نقل المشاعر والجماليات في رواية أو قصيدة؛ المرونة الأسلوبية: يمتلك المترجم البشري القدرة على تعديل النبرة لتناسب الجمهور المستهدف”.

ويضيف حرامي لرصيف22: “تستخدم المنصات ووسائلُ الإعلام الذكاءَ الاصطناعي في الترجمة لعدة أسباب استراتيجية واقتصادية أبرزها: السرعة الفورية: نقل الأخبار العاجلة والأحداث العالمية لحظة بلحظة وبمختلف اللغات دون انتظار؛ توفير النفقات: تقليص الميزانيات الضخمة التي كانت تُنفق على توظيف جيوش من المترجمين البشريي؛ الإنتاج الضخم: ترجمة كميات هائلة من المقالات، والتقارير، والترجمات المرئية في ثوانٍ؛ تغطية لغات متعددة: الوصول إلى جمهور عالمي يتحدث لغات نادرة قد يصعب العثور على مترجمين بشر لها؛ أتمتة العمليات: دمج الترجمة الآلية مباشرة داخل أنظمة النشر لتبسيط دورة العمل اليومية؛ الأرشفة والبحث: ترجمة المواد والمصادر الصحافية الأجنبية بسرعة لتسهيل عمل الصحافيين في البحث والتقصي”.

بينما هو شخصياً لا يستعين بالذكاء الاصطناعي كمترجم، بل يقوده كمهندس للمعنى، على حد قوله؛ “فأترك للآلة عناء المعالجة الكمية للنصوص؛ من غربلة المصطلحات، وضبط القواعد، وتوليد المسودات الأولية بسرعة فائقة. فالذكاء الاصطناعي بارع في نقل الكلمات، لكنه أعمى عن رؤية ما بين السطور.

هنا تبدأ قيمتي؛ الآلة تترجم ما يقوله النص، بينما أنا أترجم ما يقصده الكاتب. تفتقر التقنية إلى الوعي الإنساني؛ فهي لا تفهم النبرة الساخرة، ولا تدرك أبعاد السياق الثقافي، ولا تملك المشاعر التي تمنح النص روحه”.

لذلك يجد أن “الذكاء الاصطناعي يمنحني السرعة الخارقة، وأنا أمنحه الهوية البشرية. اليوم، المترجم الذي يتجاهل الذكاء الاصطناعي سيتجاوزه الزمن، والمترجم الذي يعتمد عليه كلياً ستستبدله الآلة. أما المترجم الذكي فهو من يستخدم التكنولوجيا ليكون أكثر إنسانية في ترجمته. وهكذا أستعين بالذكاء الاصطناعي إلى أقصى مدى ممكن إجرائياً، وإلى أدنى مدى ممكن إبداعياً، بحيث لا يلغي دوري كمترجم وباحث، وبدرجة أكثر أهمية لا يلغي روحي البشرية بكل تجلياتها الإبداعية”.

وفي هذا السياق تقول الكاتبة والصحافية السورية حنان علي، وهي مترجمة معتمدة من وزارة الثقافة السعودية صدر لها 12 كتاباً مترجماً إلى اللغتين العربية والإنكليزية لرصيف22: “الذكاء الاصطناعي لا ينافس المترجم الحقيقي، بل ينفي ‘المترجم الآلي’ الذي يسكن بعض البشر. ما زالت الآلة بارعة في مطابقة الأنساق وحساب الاحتمالات الرياضية للكلمات، لكن الترجمة جسد يسكنه الوعي، وليست معادلة لغوية. الآلة تترجم ما يُقال، بينما يترجم الإنسان ما لا يُقال. فينقل الصمت بين السطور، والتنهيدة المبطنة، والسخرية والوجع المرير، أي ما يفلت من خوارزميات الحساب. الخطر الحقيقي ليس في تفوق الآلة، بل في تدجين عقولنا لنترجم مثلها”.

حين يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر مصير آلاف البشر، هل تصبح السرعة في الترجمة فضيلة أم خطراً؟

ويعود استخدام المنصات ووسائل الإعلام للذكاء الاصطناعي كمترجم، برأيها، إلى أن الإعلام الحديث يتغذى على “الوقت” لا على “العمق”؛ فبات عالماً يلهث خلف الآنية، ويبحث عن كميات هائلة من المحتوى السريع لسد الفراغ الرقمي. الذكاء الاصطناعي يوفر لهذه المنصات “وجبة سريعة ومجانية” من الكلمات الصالحة للاستهلاك الفوري؛ مادة خام تفتقر للروح لكنها تفي بغرض الإخبار العاجل. أعتقد أنها مسألة اقتصادية بحتة تُقايض الجودة الفنية بالأمان المالي والسرعة.

أما عن الترجمة الفورية فتقول: “لعل الذكاء الاصطناعي نجح في محاكاة ‘السرعة’، لكنه فشل في إدراك ‘الموقف’. في الترجمة الفورية، يتحرك المترجم البشري كـ’مُعالج سيكولوجي وثقافي’؛ ينصت للصوت، يحلل لغة الجسد، يستوعب زلات اللسان، ويعيد صياغة الفكرة بما يتناسب مع مزاج الغرفة وثقافة السامع. أما الذكاء الاصطناعي، فرغم معجمه الفلكي، يظل أعمى ألوان؛ قد ينقل اللفظ بدقة متناهية، لكنه يسقط في فخ الحرفية والمثالية الجوفاء التي تفرغ الحوار الفوري من عفويته وحيويته البشرية”.

وفي رده على سؤال إن كانت تستخدم الذكاء الاصطناعي: “نعم، أستعين بالذكاء الاصطناعي، كما يستعين النحات بإزميل كهربائي؛ أستخدمه كـ’مساعد أصم’ لرفع ركام النصوص الثقيلة، والبحث عن المترادفات، وتدقيق المصطلحات الموحدة بكفاءة رقمية. وقد ألوذ ببعض الترجمات للغات غير الإنكليزية والفرنسية لا أتقنها وقد تسربت إلى بعض الكتب. لكنني لا أسمح له أبداً بأن يمس جوهر الصياغة والرؤى الخاصة. إذ يقف دوره عند حدود ‘المادة الخام’. أما ترجمة النص وصقله، وضخ النبض والجرأة في عروقه، ومنحه تلك المسحة الإنسانية والروح حية، فهذا صك ملكيتي الخاصة، وقلمي الذي لا يقبل القسمة مع الآلة”.

*رصيف 22