“لا تؤجل عمل اليوم إلى غد”: ميشال دو مونتيني ـ “أن تتفلسف معناه أن تتعلم كيف تموت “، كتاب المقالات جزء أول ، ص 20 (1580 ـ 1588)
غيوم تونينغ
ترجمة: الحسن علاج
عبر مقاربة الموت، أمعن ميشال دو مونتيني النظر في كتاب المقالات حول قيمة اللحظة الراهنة والاستمتاع بها . بانخراطنا المستمر في حركة الوجود ، فإنه ينتهي بنا المطاف إلى نسيان أننا لسنا سوى عابري سبيل . فإذا كنا لا نعيش إلا في الحاضر ، فإن المماطلة ، أعني إرجاء عمل اليوم إلى غد ، يعتبر في تصور مونتيني فلسفة غاية في السوء ، لأنها ترتكز على وهم التحكم في المستقبل الذي لا نملكه .
إن الموت من الشيخوخة هو ميتة غير “طبيعية” خاصة وأنها ميتة نادرة الحدوث يؤكد هذا الإنسانوي الذي خبر عنف الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت، لدرجة أنه يلزمنا التصرف مع علمنا دائما أننا تقدمنا كثيرا في العمر من أجل الاحتضار .
هذا الوعي الحاد بالهشاشة البشرية، يغذيه الفقدان والأوبئة في عصره، يفرض عليه ألا يعتبر أبدا الزمن مثل إنجاز. وبدرجة أكبر فإن الحياة استثناء، وميض برق في ظلمة تتقدمنا وتعقبنا (المقالات، الكتاب الثاني، 12). هل سيكون هناك غد أكثر ملاءمة للعمل ؟
يحذرنا مونتيني بأن الذريعة التي تكمن في انتظار لحظة مناسبة جدا هي خديعة العقل التي لطالما يتم تمديدها من قبل خيالنا . تجعلنا تلك الملكة التي يعتبرها أحيانا عائقا لطمأنينتنا ، غائبين عن أنفسنا كما تجعلنا نعيش عبر الترقب أو عبر التذكر ، تقذف بنا باستمرار خارج جسدنا . إن كل ما لم يتم إنجازه ، أعني أن أعيشه في الوقت الراهن ، لن يُكتب له التحقق أبدا . سيكون عدم الاكتمال مثل انتصار للموت ، الذي يأخذنا ونحن مستائين من عدم إنجاز عملنا .
وبالنسبة للمؤلف ، فإن الإنجاز لا يكمن في مراكمة مهام أو بناء صرح تذكاري للمجد، بل في بلوغ كل يوم إلى غايته . علاوة على ذلك فقد كتب بلمسة ساخرة : “إن تأليف سلوكاتنا هو رسالتنا ، وليس تأليف كتب” (مقالات ، الجزء الثالث، ص 13) . إن تلك الأولوية التي تعطى للأخلاق الشخصية على الإنتاج المادي تؤكد أن العمل الفني الحقيقي، هو فن ضبط المرء لأهوائه .
فأن ترجئ عمل اليوم إلى غد ، لهو أن تمنح القدر فرصة إدراكنا، تاركا للاحتمال مهمة القرار لنهاية تاريخنا . وبالنسبة لمونتيني، فإن الاستعداد الحقيقي للموت لا يكمن في أن نجعل منه استحواذا جنائزيا ، بل في أن نعيش كل لحظة بتمامها وكمالها إلى حد أنه لما يأتينا ، لا يكون بمقدوره أن يسلبنا شيئا لم نتذوقه سابقا . داعيا إيانا إلى التصرف بدون إبطاء، يقترح أسلوبا في التأمل الذهني: باغتنام الفرص المتاحة التي تكون في متناول أيدينا مباشرة، لأن كل ثانية ضائعة تعتبر جزءا من سيادتنا التي أسلمناها للعدم . الأمر يتوقف علينا في ألا تصدر عنا حسرات معينة . إن حكمة الحاضر تلك هي الرد الوحيد الممكن على عدم التنبؤ بالمصير: فإذا كنا لا نتحكم في القدر على تناهينا في الحياة ، فإننا نظل أسياد التركيز على اللحظة الراهنة. فأن تكون حرا ، بالنسبة لمونتيني، لهو أن تمتلك القدرة كل يوم على القول: ” لقد عشت ”
ــ
مصدر النص: مجلة Le Point الفرنسية عدد 2 مارس ـ يونيو 2026





